بيتُ الله مثابةً للناس وأمناً
كتبه: سماحة العلامة الشيخ محمد حسن الحبيب
حرر في: 2012/09/01
القراءات: 1799

قال تعالى ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (سورة البقرة، آية 125).

قالوا: أن المراد من الجعل هو الإيجاد والخلق، وقال بعضهم: هو التقدير فيكون الخلق متأخر عنه، وقسموه إلى قسمين:

الأول: الجعل التكويني؛ وهو الذي يجعل على صورة معينة في أصل الخلقة ولا يكون للمخلوقين أثر في تلك الصورة من حيث الوجود أو العدم أو غيرهما، مثل جعل الضوء والنور في كل من الشمس والقمر كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً﴾ (سورة يونس).

الثاني: الجعل التشريعي؛ وهو أمر الله بإيجاد شيء من خلال تكليف المخلوق، وهذا يعني أن تحققه في الخارج بحاجة إلى التزام المخلوق بتكليف الخالق له. مثل الأوامر والنواهي الواردة في الشارع المقدس.

والسؤال هنا: هل أن الجعل الوارد في هذه المباركة تكويني أم تشريعي؟

يظهر من بعض المفسرين أن الجعل "بخصوص أمن مكّة له جهتان: فمن جهة منحها أمنا تكوينيّا، و لذلك لم تشهد في تاريخها إلا النزر القليل من إخلال الأمن، و من جهة ثانية منحها الأمن التشريعي، أي إن اللّه أقرّ أن يأمن جميع الناس - وحتّى الحيوانات- في هذه الأرض. و منع صيد الحيوانات، و عدم متابعة المجرمين الذين يلجئون إلى حرم الكعبة”. [1]

ولكن النزر القليل الذي صرح به البعض هو في حقيقة الأمر كثير، خصوصا وأن الجرائم التي حدثت في هذه البقعة المباركة من قبل الظلمة كثيرة، بما فيها رمي الكعبة المشرفة بالمنجنيق، لذا يصعب القول بالتكويني من الجعل، اللهم إلا أن يقال أن الله أودع في قلوب هؤلاء بما فيهم الكفار والظلمة تعظيم البيت مما دفعهم لتثبيت الأمن فيها غالبا، أو يقال أن الجعل التكويني بحاجة إلى أن يحاط بجعل تشريعي لإبعاد أيدي العابثين عنه.

البيت مثابة للناس

البيت في اللّغة هو المأوى و المنزل. و المرادب البيت هو الكعبة المشرفة. قال تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. و المَثابةُ في اللغة هو: الموضع الذي يُثابُ إليه أَي يُرْجَعُ إليه مرَّة بعد أُخرى. وقيل: الموضع الّذي يثاب إليه من ثاب يثوب مثابة و مثابا إذا رجع أو موضع الثواب أي يثابون لحجّة و اعتماره. وكلاهما صحيح فمن قصد البيت الحرام بقلبه وروحه ونفسه وجسده وذاق طعم العروج إلى عالم الإيمان. ستكون نفسه تواقة إلى العودة اليه ثانية، ويزيدها شوقا واندفاعا، الأجر الجزيل والثواب المضاعف لمن فعل الخيرات وأقام الصلوات والتزم بالواجبات هناك.

وكلمة "للناس" توحي بأنها ليست لفئة مخصوصة أو لشعب معين بل هي لجميع البشر، فمن آب إلى ربه واستحصل على الأهلية التي تخوله للوصول إلى البيت فإن أحدا لا يجوز له أن يصده عن الوصول إلى البيت الحرام، علما أن استحصال الأهلية بيده هو وليست بيد أحد من الخلق فمثلا الكافر الذي يمنعه الكفر من الوصول إلى البيت بإمكانه أن ينطق بالشهادتين عن يقين فيرتفع ما يمنعه من الوصول.

يقول أستاذنا سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي - دام ظله-: هنالك حجتان تمسك بهما أهل مكة للدلالة على أنهم أقرب إلى اللّه من غيرهم و بالتالي فلهم الحق في السيادة على العرب: الأولى: أنهم أبناء إبراهيم و ورثته على البيت و قد دحضها القرآن في الآية (124) من سورة البقرة. والحجة الثانية: إن اللّه منّ على بلدهم باليسار والخير، و مثل كل الأغنياء في الأرض يزعمون أن اللّه لم ينعم عليهم بالغنى إلا لأنهم أقرب الناس إليه سبحانه، و في الآيتين التاليتين دحض هذه الحجة السخيفة، يقول اللّه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾، بمعنى مركزا للناس في الجزيرة يعودون إليه لما خرجوا منه. [7]

البيت الآمن

الأمن ضد الخوف وفي الغالب لا يعرف الإنسان قيمة هذه النعمة إلا عند طرد الخوف وبالتالي الإحساس بالأمن.

ونظرا لأهمية الأمن في حياة العباد وإعمار البلاد، فقد جاء التركيز على أن البيت الحرام بيت آمن وبلد البيت، آمن أيضاً: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾، ورب البيت هو مصدر الأمن والأمان: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ [3] الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾[4].

ووصف البيت والبلد بالأمن، أحيط بعناية إلهية كتدخل السماء في رجم أبرهة بحجارة من سجيل حينما عزم على هدم الكعبة وتوجيه الحاج إلى كعبته.

وإلى جانب تلك العناية، فرض تشريعات محكمة تفضي بتوافر الأمن والأمان فيها. ومن تلك التشريعات حرمة الصيد فيها، بل وكل ما له علاقة بأمر الصيد كالإمساك والدلالة والأكل وما أشبه.

فالحيوان إذاً، لا بد أن ينعم بالأمن من الصيد والذبح ما دام في الحرم، فإذا كان هذا حال الحيوان فاستشعار الأمن والأمان والطمأنينة في البيت وحواليه من باب أولى، ولذا ورد النص بالنهي عن إقامة الحد على الجاني إذا التجأ إلى الحرم ما دام هناك. وقد سُئل الإمام الصادق عليه السلام: فِي الرَّجُلِ يَجْنِي فِي غَيْرِ الْحَرَمِ ثُمَّ يَلْجَأُ إِلَى الْحَرَمِ؟ فقال عليه السلام: (لَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَ لَا يُطْعَمُ وَ لَا يُسْقَى وَ لَا يُكَلَّمُ وَ لَا يُبَايَعُ فَإِنَّهُ إِذَا فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ يُوشِكُ أَنْ يَخْرُجَ فَيُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَ إِنْ جَنَى فِي الْحَرَمِ جِنَايَةً أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي الْحَرَمِ فَإِنَّهُ لَمْ يَرَ لِلْحَرَمِ حُرْمَة).[10]

التوحيد والأمن من ركائز البيت

التوحيد أساس البيت وأساس رفع القواعد منه ولذا أصبح رمزا للتوحيد وكعبة الموحدين ومحط رحالهم على طول التاريخ، وهو المكان الآمن الذي جعله الباري أمناً للناس جميعاً، وهذا يكشف عن وجود علاقة بين عقيدة التوحيد والأمن.

يظهر من الآيات التي تتحدث عن الأمن والشرك، أن الأخير سبب أساس في إيجاد أسباب الخوف وهدم ركائز الأمن، والدين لا ينظر إلى الأعراض والمظاهر الناتجة عن الشرك فقط بل يعالج المشكلة من الجذور من خلال الدعوة إلى توحيد الله سبحانه ونفي الشرك بمختلف ألوانه.

ومن الواضح أن رضوخ الإنسان للآخر، أياً كان بشراً، كالطواغيت أو جماداً، كالأصنام والكواكب وغيرهما، ينبئ عن وجود ضعف في النفس، ناتج عن اعتقاده بامتلاك الشريك للقدرة على التأثير في شؤونه أو في الحياة العامة. وبالتالي قدرة الشريك على توفير جملة من المصالح ومنها الأمن وإبعاد جملة من المخاطر كالجوع والخوف وغيرهما.

والقرآن الكريم يعالج هذا الضعف بتوجيه الإنسان إلى الواحد الأحد باعتباره المهيمن على كل شيء. قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (سورة الأنعام).

-------------------------------------

[1] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل؛ ج‏7، ص 525.

[2] العين؛ ج 1، ص 245.

[3] التبيان في تفسير القرآن؛ ج‏1، ص 452. أفناء القبائل: أخلاطهم. و الخبب: ضرب سريع من العدو. واليعملات: جمع يعمله ؛وهي الناقة السريعة المطبوعة على العمل. اشتق اسمها من العمل. و طلائح جمع طليح وهي: الناقة التي أجهدها السير.

[4] زبدة البيان.

[5] التبيان في تفسير القرآن؛ ج‏1، ص 451.

[6] قال تعالى: ﴿وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ سورة البقرة، آية 124.

[7] تفسير من هدى القرآن؛ ج 1، ص 254.

[8] وسائل‏الشيعة؛ ج 12، ص 416.

[9] وسائل‏الشيعة؛ ج 12، ص 416.

[10] وسائل‏الشيعة؛ ج 28، ص 59.

[11] الخلاف، الشيخ الطوسي؛ ج 5، ص 223 – 224.

[12] جواهر الكلام، الشيخ الجواهري؛ ج 20، ص 46 – 47.


ارسل لصديق