الشهيد النمر يُشعل الشموع المُطفأة
كتبه: رئيس التحرير
حرر في: 2016/12/27
القراءات: 390

ثمة شعور مزعج ينتاب البعض منّا بعدم تكرار الشخصيات الناجحة في المجتمع والأمة، فالخطيب المفوّه أو الكاتب المبدع أو العالم المتبحّر، ما أن يترجل عن قافلة الحياة ويمضي راجعاً الى ربه، حتى يترك فراغاً في مكانه لا يمتلئ، بل ويزيد البعض الآخر سوءاً على هذا الشعور، بأن «فلاناً... لن تنجب الأمهات مثله»! في سبيل الثناء والإطراء.

وما أن قررت الكتابة عن الشهيد البطل آية الله الشيخ نمر النمر لإحياء ذكراه الأولى، حتى تضافرت عليّ مشاعر مزدوجة؛ الأسى والحزن، وايضاً؛ بعض الارتياح!

الأسى والحزن، على ظلامة الشهيد النمر وطريقة إعدامه البشعة، وايضاً على التصورات الشائعة لدى الكثير - وليس البعض- بأن الأبطال والناجحين، إنما هم حالات نادرة لا تتكرر، بمعنى أن لا نشهد ظهور «نمر» آخر من أوساطنا الاسلامية والواسعة الارجاء!

أما الارتياح عزّاً وفخراً، فهو لما يدحض تلك التصورات، ويؤكد وجود شهداء أبطال من نفس مدرسة الإباء والقيم والمبادئ التي تخرج منها الشهيد النمر، مع الفارق البسيط في أن شموع هؤلاء ظلت مطفأة لفترة طويلة ربما تربو على الثلاثين والأربعين سنة، أي انهم سابقون على الشيخ النمر بعقود من الزمن، وهذا ما دفع مجلة «الهدى» لأن تتقصّى تفاصيل حياة هؤلاء الابطال من علماء وخطباء ومؤلفين، وكيف عاشوا وماذا قدموا، ثم التوقف مليّاً عند الموقف المصيري والفاصل وهو؛ التضحية بالنفس والشهادة، ومن هؤلاء؛ الشهيد السيد محمد تقي الجلالي، والسيد عصام شبّر، والشيخ كاظم الحلفي.

إن المدرسة التي علمت الشهيد النمر الوقوف الشجاع بسلاح الكلمة أمام أعتى الطواغيت في العصر الحاضر، من الذين لم يرعوا حرمة لا للمقدسات ولا للقيم الإنسانية والأخلاقية، ولا للإنسان نفسه، هي نفسها التي خرجت من قبل الشيخ عصام شبّر الذي خاض الجهاد في الميدان الاجتماعي والثقافي في زمانه، وكذلك فعل الشيخ كاظم الحلفي، فذاك الذي وجد في عمامته الفائدة الكبرى بأن تتحول الى حجاب لفتاة صغيرة سافرة تفتقر الى المال لشراء عباءة، وذاك الذي يطارد المرأة السافرة المتجاهرة بالسفور في سوق النجف الكبير ويجبرها على ارتداء العباءة واحترام قدسية المدينة، وهي نفس مدرسة السيد الجلالي الذي شيّد المؤسسات الثقافية والحسينيات والمكتبات في مدينة القاسم، وأسهم في الدفاع عن الفكر الاسلامي أمام الهجمة الماركسية في العراق في ستينات القرن الماضي.

وهؤلاء الأبطال، وغيرهم كثير في مسيرتنا الجهادية، لم يحققوا النجاح والتفوق، إلا عندما تطلّعوا الى نجوم أخرى أكبر، مثل قائد ثورة العشرين، الامام الشيخ محمد تقي الشيرازي، الذي فعل ما لم يستطع فعله أي شخص في الوقت الحاضر، عندما لم يسلّم على الجنرال البريطاني بريسي كوكس، المعروف بمكانته ودوره في إدارة المستعمرات البريطانية في العالم، ولم يعر له أي أهمية، وقال فيما بعد لمسؤول عراقي محلي: «احترمك لأنك مسلم، وذاك إنسان كافر ومستعمر لا يستحق الاحترام».

والشهيد النمر، نفسه يتحدث في إحدى خطاباته اللاهبة، كيف أصبح ثائراً يهزّ عرش طاغية بلده، كما فعل من قبل آية الله السيد هادي المدرسي - حفظه الله- والذي يقول عنه أنه «يخيف الحكام الظلمة لأنه يهزّ...».

إن البحث عن رمز جديد وحامل لواء التغيير والإصلاح على غرار الشيخ النمر، او السيد عصام شبّر، او السيد الجلالي او السيد حسن الشيرازي، هي بحد ذاتها تعد تخليداً، ليس لمرور عام كامل او أكثر لاستشهادهم على يد الطغاة، إنما لإضاءة الطريق لمرور آخرين يحملون اللواء نفسه، من خلال التواصل والتعارف والتفاعل، وما يساعدنا على ذلك، كثرة وسائل الاتصال السريعة، فاذا كانت تلك الشخصية فاعلة في مدينتها الصغيرة مثل؛ القاسم، او النجف الأشرف او كربلاء المقدسة، فان الكلمة الصادقة التي تخرج من القلب، من شأنها ان تخترق القلوب عبر العالم.

وبعد؛ فان الشهيد النمر الذي كان يجاهد بالكلمة وأمامه السيف، ونظراؤه من الأبطال المجاهدين الذين كانوا ينظرون ايضاً الى قعر السجون وآلات التعذيب والموت بأبشع الحالات، وهم يمارسون أدوارهم الجهادية لإصلاح الواقع الفاسد، إنما يفرحون ويبتهجون عندما يرون آخرين يمضون في الطريق نفسه، وأن جهادهم وتضحياتهم تخلق مجاهدين ومضحين جدداً، وهكذا المسيرة تواصل حركتها نحو الإصلاح والتغيير ثم التنمية والتقدم للبلاد الاسلامية.


ارسل لصديق