لنردم الفجوة بين القيم التي نؤمن بها وبين حياتنا العملية
كتبه: بشير عباس
حرر في: 2016/12/28
القراءات: 431

 {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا * وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا}، (سورة النساء، 82-83).

بجهاده المديد وبتأييد الله سبحانه وتعالى له، أرسى النبي الأعظم، صلى الله عليه وآله وسلّم، قواعد هذه الأمة، وصاغها بخلقه و بقيادته، و أهم من كل ذلك صاغتها آيات الله المُنزلة عليه، فغدت أمة ذات هوية وصبغة توحيدية خالصة؛ أمة تعتمد من جهة على العقل؛ ومن جهة أخرى على الروح و الارادة و الحماس.

تعتمد من جهة على آيات الذكر وسنة النبي المستوحاة من آيات الذكر؛ ومن جهة أخرى تتفاعل مع الزمن و المتغيرات، وهذه أعظم ميزة في الامة الاسلامية.

جاء في سورة البقرة، قوله تعالى: {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ}، (الآية138)، وهذه الصبغة تعني أن كل فعل وسلوك، وكل فكر وكل وموقف، وكل شيء في حياة الأمة، يجب أن يرتبط ارتباطاً مباشراً برب العزّة.

 

 القيادات الفاسدة

إن هذه الأمة ومن بعد النبي، صلى الله عليه وآله وسلّم، ابتليت بقيادات فاسدة، فالابتلاء سنّة إلهية لا تتغير؛ لا عبر الزمان ولا عبر الجغرافيا، ولا عبر أي شيء آخر، وكل إنسان في أي مكان لابد أن يبتلى و يمتحن، وهذه السنّة الالهية جرت على الامة الاسلامية ايضاً وابتليت بها، فإذا ببعض القيادات الحاكمة في الامة تنحرف.

وهذا لا يلغي بالمقابل رسوخ هذه الأمة و تجذّر قيمها  التي تُصقل وتتجدد دائما في محطات ومناسبات كثيرة كالحج، وشهر رمضان، وعاشوراء، والأربعين، والجمعات، وغيرها، فهذه المناسبات ترسخ ثوابت القيم الالهية في النفوس، وترسخ قيمة العدل والحق والإحسان، قيمة الحرية والكرامة، قيمة الاستقامة والصبر والصدق، قيمة التحدي والتصدي، وغيرها من القيم التي تتجدد و تترسّخ كلما مرت وتعاقبت هذه المواسم في حياة الامة التي انما بنيت على قواعد هذه القيم.

ولكن بالمقابل ايضاً؛ وبسبب انحراف بعض القيادات في الجانب المرتبط بالمتغيرات في السياسة والاقتصاد والإنتاج والتجارة والزراعة والصناعة، وبالمسائل العسكرية،  اصبح هناك فجوة بين القيم الراسخة في الأمة، وبين الممارسات في الحياة الواقعية؛ بين الدين وقيمه، كأسس ثابتة وقيم راسخة، وبين الدين كممارسة بالحياة، وهذه الفجوة والتباين تظهر في عمل وممارسات  الذين يكونون في سدة المسؤولية خاصة، او عموم الناس في المجتمع. 

فقد ترى شخصاً يصلي ويصوم ويحج، لكنه حين يعمل في السوق، ينساق وراء آليات التعامل فيه التي لا تسمح له أن يعمل بضوابط الإسلام، فتراه يغشّ - مثلاً - أو يتعامل بالربا ويكذب وماشابه، وحين تسأله عن هذا التباين يقول لك: «المسجد شيء والسوق شيء آخر ولا ارتباط بينهما»! وهناك من يقول: «اذا كنت تريد أن تنجح في السوق، عليك أن تكون مثل باقي الناس، وتتعامل معهم بشروط السوق، وفق معادلة الربح والخسارة، حتى وإن كان هذا يتم عبر التعامل بالغشّ والاحتكار والتدليس والكذب...!

وكذا قد ترى البعض يعمل في دائرة أو مؤسسة حكومية ما، والتابعة للدولة والمجتمع، فلا يتحرّج عن تعطيل أعمال الناس وهدر أوقاتهم، حتى أنه لا يتورع عن مد يده في جيوب الناس! فيشترط الرشوة لإنجاز أي معاملة رسمية، وينغمس بالفساد الإداري، ولا يفكر بأداء مسؤوليته الشرعية والقانونية بشكل يجعل فيه ما يتقاضاه من راتب شهري، مصدراً حلالاً  يغذي ويعيل به نفسه و أسرته، بل يتغافل عن التلوث بالشبهة والحرام، وهكذا يمكن أن تضرب العديد من الامثلة السيئة عن الفساد والغش والإهمال في مختلف مجالات العمل في مؤسسات الدولة، من دوائر خدمية وتعليمية وصحية وغيرها.

من هنا؛ لابد من ردم الفجوة بين القول والعمل، وبين الدين كأسس ثابتة، وقيم راسخة وبين الدين، كممارسة بالحياة.

 

 الفساد يفرغ الدين من محتواه

يقول ربنا - تعالى - في سورة النساء: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ}، (الآية:83).

قد يكون الانسان مسلماً ومؤمناً ولكن؛ فيما يرتبط بالسلم او الحرب، او بالاقتصاد والاجتماع، أو مجالات أخرى، فانه لا يلتزم بأوامر وقيم الدين، وقد يتخذ مواقف وقرارات  بعيداً عن الحكمة والعقل والقيم، بل حتى دون الرجوع للقيادة، حيث يقول ربنا - تعالى - في سياق نفس الآية الكريمة: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ}، (سورة النساء: 83).

بمعنى؛ أنه لابد من العودة الى كتاب الله، والى الرسول، وسنته، صلى الله عليه وآله، ومن بعده، أوصيائه الطيبين الطاهرين، وقد ثبت عنه، صلى الله عليه وآله، انه قال في آخر أيام حياته: «اني تارك فيكم الثقلين؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ابداً، اعلموا انهما لا يفترقان حتى يردا عليّ الحوض».

وإذن؛ فالشريعة والقيادة، هي الكتاب والنبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، في حياته، و أهل البيت، عليهم السلام، بعد رحيله. ثم يقول تعالى، إذن: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ}، بمعنى أن لابد من وجود من يستنبط الأحكام من الله، كتاباً؛ ومن الرسول واهل البيت سنّةً، ثم تقول الآيات المباركات: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا}، فبعض الناس يؤمنون بالمسائل المرتبطة بثوابت الشريعة، كما ترى إنسانا ملتزماً بالمسجد، ويؤدي الصلوات في أوقاتها، ويدفع الحقوق الشرعية، من خمس وزكاة، ولكن؛ حين يصل الأمر الى الحياة اليومية وضغوطاتها والمتغيرات فيها، تراه لا يهتم بإحكام وقيم الدين.

ونحن في العراق، نخشى أن تكون هذه الفجوة ذات تأثير في حياة المجتمع؛ فنحن كمتدينين في هذا البلد، ومع هذه المسيرات المليونية في الأربعين وعاشوراء، وهذه المجالس الضخمة، وهذا التوجه الى الحج والعمرة والزيارات، وهذا التوجه والاهتمام في شهر رمضان وسائر الشعائر والمناسبات، كل هذا يدل على رسوخ القيم الدينية في النفوس، والالتزام بإيمان وقناعة، بالقرآن وأهل البيت، عليهم السلام، لكن ذلك يبدو وكأنه شيء نظري حين يصل الامر الى ارض الواقع والعمل والسلوكيات والممارسات في الحياة اليومية.

كيف...؟ ولماذا لا نفكر في توجيه هذه الروح الكبيرة وهذه القيم المضيئة التي نستفيدها من الدين وهذه الشعائر والمناسبات، نحو ترسيخ، ليس في قناعاتنا فقط، او في مناسبة او فترة زمنية محدودة بأيام معينة، بل وفي ممارساتنا وأعمالنا طيلة أيام حياتنا، وفي سائر جوانب حياتنا العملية، ومن قبل الجميع؛ علماء وخطباء، ومسؤولين وموظفين في دوائر الدولة، وتجار ومستثمرين وعاملين وشركات وأسواق؟

إن الغش والكذب والإهمال والفساد الإداري والمالي، كل هذا وأمثاله، يُعد خيانة كبيرة، وضربة للقيم الدينية وإفراغها من محتواها ومضمونها الحقيقي، وهكذا ايضاً؛ الضابط والقائد العسكري والجندي، وهو يؤدي عمله، او وهو في ساحة المعركة، يجب أن  يعرف انه في ساحة الجهاد ولا يجوز فيها أن يعمل بغير تقوى الله سبحانه وتعالى.

إذن؛ نحن في العراق بحاجة الى أن نردم الفجوة القائمة بين ثوابت الشريعة والقيم التي نؤمن بها، وبين الممارسات اليومية.

و إني أدعو نفسي والعلماء والمراجع والحوزات العلمية الى أن يؤكدوا على هذه الأمور، وعلى كيفية ترسيخ القيم الالهية في الممارسات السلوكية والعملية، ولا ندع المجتمع يتحدث بالقيم من دون ان يفهم ان هذه القيم يجب ان تتجلى في سلوك الناس وممارستهم.


ارسل لصديق