الحوزات العلمية و(خارطة الطريق) أمام التحديات المعاصرة
كتبه: السيد مرتضى محمد كاظم
حرر في: 2016/12/28
القراءات: 388

{أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}، (سورة الجاثية: 23) فسقط في الجحيم!

لنتساءل هل يمكن أن تكون الأهواء والرغبات أهدافاً للحياة؟ إن الهدف لابدّ أن يكون موجوداً قبل الإنسان؛ فكيف يكون ما هو نتاج وجود الإنسان، هدفاً له؟ بمعنى؛ أن هدف الرماية يُحدد قبل الرماية، ولا يمكن أن تكون الثغرة التي تحدثها النبلة هدفاً للرماية ذاتها!

وهكذا هي الأهداف، إلا أن الكثير من الأهداف التي ظنها البعض أهدافاً، لم تكن في حقيقتها إلاّ وسائل.

فالأشياء كلها مخلوقة لهذا الكائن العاقل الحرّ، ولأنها مخلوقة له فإنها تخضع لإرادته، أما هو؛ فليس مخلوقاً؛ لا لنفسه، ولا لأبنائه، ولا لإنتاجه، ولا لأي شيء من هذا القبيل، وإنما هو مخلوق لله.

لكن الذي يُعد ذاته، ومصلحته الخاصة هدفاً لحياته، لابدّ أن يعبد نفسه التي تعني مجموعة من الأهواء والرغبات الرخيصة.

بهذه البساطة تنجرف المجتمعات والأمم وبهذه البساطة تسمو أيضاً، فإنها تحتاج للسمو إلى استخدام الوسائل للوصول إلى الأهداف، بينما السقوط في الهوة لا يحتاج إلا جعل الوسائل هدفاً.

ولأن الـ «إله» ـ أعني ما يؤلّه له ـ هو القضية المحورية في حياة الإنسان فرداً ومجتمعا، فإن السؤال العريض الذي يبحث عن الإجابة في كل عصر ومصر؛ من الذي يستطيع أن يقود الإنسان كما أراد الله له؟ وبيد من تكون زمام المبادرة؟ فهل الدين هو من يقود الحياة ومن ثمّ تقع المسؤولية الأولى على علماء الدين والمؤسسات الدينية؟ أو أن المسؤولية تقع على الإنسان نفسه، وهو الذي يختار السبيل لحياته؟

 

نتيجة ابتعاد الدين عن الحياة

للإجابة على هذا السؤال لابد من بيان أن الدين ليس نظرية في قبال سائر النظريات، إنما هو الطريق الصحيح لممارسة الحياة في جميع جوانبها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفردية، فالدين ليس شيئاً متطفلاً على الحياة، لنفترض أن الحياة من دونه حياة سليمة، وأن باستطاعة الأيديولوجيات قيادة الحياة، وبتعبير آخر فإن الدين لا بديل له، ولا منافس، فالإنسان الذي خلقه الله وأعطاه الحياة، جعل لهذه الحياة منهاجاً وأرسله عبر رسله وأنبيائه وبينه في كتبه وشرائعه فعلمه كيف يمارس الواجبات الفردية والاجتماعية في الحياة، ثم يا ترى هل يمكن لأحدهم أن يشتري جهازاً ثم يستعمله بكتالوج جهاز آخر؟

دونك المجتمعات التي قادها الدين ـ عبر التاريخ ـ كانت حياتهم تلك الحياة الطيبة التي بشر بها الأنبياء وعلى العكس تماماً تلك المجتمعات المنحرفة عن الدين فإنها وإن حملت معها مظاهر جميلة إلا أنها لم تكن إلا مظاهر، فتجد الإنسانية والقوانين المرتبطة به من حقوق المرأة والأطفال والشيوخ وحتى الحيوانات في أبهى صورها، لكن؛ ليس للجميع، وإنما لفئة خاصة من المميزين والمحظوظين، أما سائر البشر فليسوا ممن تشملهم هذه القوانين مع الأسف! وكأن الإنسانية ليست للإنسان وإنما لمن يعيش في بقاع معينة على هذه المعمورة.

إن المظاهر الموجودة الآن في الحياة قد تكون مظاهر جميلة، لكن الحياة الطيبة غير موجودة، فالحياة الطيبة أن يعيش الناس كلهم في ظلها آمنين، لا أن تكون مظاهر الحياة في دولة على حساب إنسانية الإنسان في دول أخرى.

ألا يرى العالم كيف تذبح الصواريخ والقنابل، الأطفال والنساء والشيوخ في اليمن؟ وأين هي منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان وقوانين رعاية الطفولة عن المجاعة التي يفرضها آل سعود بحصارهم على هذا البلد الجريح؟ ولماذا نذهب بعيداً؛ فأين كانوا حين ذبح الناس وهجّروا في العراق وبلاد الشام ومن قبل ذا ما كانت تفعله السلفية الوهابية في أفغانستان وباكستان تحت يافطة طالبان، وأما إسرائيل فالحديث عنها ممنوع بالفيتو الأمريكي الأحمر العريض في مجلس الأمن.

فالحضارة المادية التي لا يقودها الدين جميلة في مظاهرها بتبرجها.. زينتها.. ولكن هذه الزينة تظهر بشكل قبيح جداً عندما تطلع إليها عن قرب، والحل في جميع ذلك إنما بالعودة إلى قيادة الدين المجتمعات إلى الإله لا إلى الهوى.

 

الحوزة ومهمة تبليغ الدين كله

قد يقول قائل إننا ومنذ قرون نبحث عن وجودنا الضائع، فإن كنا تحت الاستعمار قلنا إنه السبب فهو الذي سرق منّا وجودنا، فكافحنا، وقاتلنا، وقدمنا ألوان التضحيات، حتى جاء النصر، وما أن تنتهي أهازيج الفرح في حفلات الاستقلال، حتى نكتشف عدم وجود ضالتنا، ولم يكن الطاغوت الحاكم بأفضل مما سبق.

ثم كافحنا للخروج من تحت نير كل ذلك والعودة للدين حتى انتصرنا وأقمنا دولاً وجمهوريات ودعونا الناس للانتخابات وكتبنا الدساتير وارتفعت الأيادي بالتصويت للقوانين مراراً.. لكنّا - مرة أخرى - لم نجد أثراً لتلك الضالة المحيّرة؟ فأصبحنا الضائع الذي لا يهتدي، والشراع الذي لا يريد الوصول!

فمن نحن؟

وكيف نحن؟

وأين نحن؟

ولمن نعمل؟

ولماذا نعمل؟

أسئلة تلح على ضمائرنا منذ وقت طويل، ونحن نلهث وراء الجواب: تقولبنا بألف قالب، وصعدنا ألف تل ونزلنا ألف منحدر. ولكن لم نحصل على الجواب.. فكيف للدين أن يقود الحياة؟

والجواب: عن كل ذلك بكلمة بسيطة أن كلما كان هو الداء، ففي العودة الدواء، فالحقيقة التي يجب علينا أن نعترف بها هي أن دين الله كما أرسله الله غير مفهوم حتى الآن لقطاعات كبيرة من الناس. والمعروف عن الدين إنما هو أجزاء متناثرة ولو أخذنا منه هذه الأجزاء بذاتها، فإنها لن تنفع.

إن مَثل الدين كالخريطة المتكاملة لبناء الدار ينبغي أن تنفّذ بحذافيرها حتى تعطي النتيجة المطلوبة. ولو جاء أحدهم وعمل في جانب من هذه الخريطة، فبنى جدراناً من غير غرف وأبواب وشبابيك.. فالنتيجة التي تحصل من تطبيق جزء واحد من الخريطة هي أننا ليس فقط لا نحصل على الدار وإنما نخسر في نفس الوقت الأموال أيضاً. ونشوه وجه الأرض التي لم يكن عليها شيء قبل ذلك!

فالإسلام المعروف لدينا والمطبق في كثير من مجتمعاتنا هو جزء بسيط من الإسلام الشامل.. فنحن لم نطبق الإسلام ككل ولذلك لم نحصل إلاّ على خسارة ـ في بعض المستويات ـ يقول ربنا سبحانه وتعالى في محكم آياته: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}، (سورة البقرة: 85).

فمن يقول؛ إن الدين لم يقدم شيئا في هذه الحياة ـ على الصعيد الإجتماعي والسياسي ـ إنما نظر إلى هذا العطب في تطبيق الدين بل وإن الشعوب التي تركت قيادة الدين - لأنها كانت السبب في تخلفها - إنما اعتمدت النسخة المزيفة للدين والتي كانت قد اتخذت هي الأخرى الهوى إلهاً! أما الدين الذي - أراده الله أن يقود الحياة فهو الذي يرتبط بعضه ببعض ويكمل بعضه بعضاً ويدعو بعضه إلى بعض.

فلو أن رجلاً صلّى فقط وصلاته هذه لم تكن جزءاً من ممارسات أخرى في الحياة مثلاً، فلم يكن لصلاته أي ارتباط بالزكاة مثلاً.. ولم يكن لصلاته ارتباط بالتضحية.. ولم يكن لصلاته ارتباط بالتربية داخل بيته، فإنه بعد طول السجود والركوع يجد أنه لم يربح شيئاً وإنما خسر الدنيا أيضاً.

ومن هنا نجد الإسلام عندما يفرض شيئاً معيناً يفرضه مع القيم التي يحملها، ففي القرآن الكريم أكثر الآيات التي تتحدث عن الصلاة تتحدث في نفس الوقت عن الزكاة {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}، (سورة البقرة: 43)، وإذا تحدث عن العبادات فإنه يتحدث عنها في إطار التقوى أيضاً: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، (سورة البقرة: 183) فالإسلام كل لا يتجزأ. الكل إذا طبق تحصل نتيجة، أما إذا طبقنا الجزء، فإننا سنحصل على نتيجة عكسية تماماً..

فالإنسان إذا أراد أن يفهم هل الإسلام يستطيع أو لا يستطيع أن يقود الحياة؟ عليه أن يطبق الإسلام في كافة الجوانب.. عليه أن يفهم أن الدين خريطة متكاملة لها أجزاء متعددة.. هذه الخريطة لو وضعت موضع التنفيذ فإنها تصنع المعجزات.

لكن يبقى هنا الدور المحوري في هذه القضية للقيادة الدينية والحوزات العلمية، إنها المسؤولة في الأخذ بزمام المبادرة والتبشير بالدين الذي يقود الحياة، فإن التحديات المعاصرة التي تواجهها الشعوب، قد لا تجد حلولاً عند الآخرين لكن وبكل تأكيد لا يمكن أن تبقى بلا حل عند القيادة الدينية.

وليت شعري هل ننتظر أن يقدّم لنا الغرب أو الشرق، أو المؤسسات العلمية والأكاديمية النسخة الكاملة للدين؟ وهل هي من سترسم لنا خارطة الطريق للعودة الى الدين الذي أراده الله؟ أم أن القيادة الدينية والحوزات العلمية هي المسؤولة عن هذا الأمر؟

---------------------

* أستاذ في الحوزة العلمية


ارسل لصديق