حوار حول سورة الفجر - القسم الأول ... (من أول السورة حتى الآية الخامسة منها)
حوارات حول القرآن الكريم (37)
كتبه: السيد جواد الرضوي
حرر في: 2016/12/29
القراءات: 439

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5) ﴾

تمهيد

سورة الفجر مكية، آياتها ثلاثون. نزلت بعد سورة الليل، وهي السورة التاسعة في ترتيب النزول، والتاسعة والثمانون في ترتيب القرآن الكريم.

وورد عن الإمام الصادق، عليه السلام، في فضلها أنه قال:

"اقرؤوا سورة الفجر في فرائضكم ونوافلكم؛ فإنها سورة الحسين، عليه السلام. من قرأها كان مع الحسين، عليه السلام، يوم القيامة في درجته من الجنة، إن الله عزيز حكيم".(١)

 

 التدبر المباشر

 ماهي أهم بينات هذه السورة المباركة؟

- الأدب الأصيل البديع يكثف حول القارئ الظلال، والإيقاعات، والإيحاءات، والمعاريض حتى تجد نفسك في سواء الحقيقة من حيث تدري او لا تدري.

وفي ذروة الآداب البديعة، نجد آيات الذكر الحكيم كأنها «بساط سليمان» تحملنا الى آفاق الحقيقة، وتجعلنا نشاهدها، ونلامسها، ونعيشها، ونمتزج بها. ويعجز القلم عن متابعة لطائف هذا الأدب الأسمى؛ لأن في اختيار الكلمات، وطريقة تركيبها، وجرس الفاظها، وتماوج معانيها، وآفاق بصائرها تياراً من المؤثرات التي لم يبلغ الانسان مستوى إحصائها ومعرفتها.

هل يمكن لريشة رسام، مثلا، أن تنقل على القرطاس كل مشاعره من مراقبة الغروب في الأفق؟ وهل هو يستوعب كل جمال الأفق لحظة غياب الشمس؟ كذلك المفسرون لا يستطيعون وصف كل أحاسيسهم عن لحظات معايشتهم لآيات الذكر الحكيم؛ إنها - حقا - فوق قدرة القلم. من هنا؛ فإنهم يعجزون عن ملاحقة معارفهم التي يستوعبونها من القرآن؛ فكيف يشرحون كل معارف القرآن، وهذا - أيضا - سر اختلافهم الواسع في العديد من الكلمات والآيات القرآنية، وفاتحة سورة الفجر منها حيث اختلفت آراؤهم الى أكثر مـــن ثلاثين قولا في بعض كلماتها (٢).

إذن؛ كيف نفسر هذه الآيات؟ وكيف نستفيد من تفاسير الآخرين لها؟

إنما باتباع منهج التدبر المباشر؛ فانت بدورك تقرأ القرآن، وعليك أن تنفتح أمام تيار المعرفة، وموجات الإبداع، وبصائر الوحي في آياته. افتح منافذ قلبك وشغاف فؤادك، واعرج بنفسك الى مستوى القرآن. أَوَلَم تسمع ان الله سبحانه قد تجلى في كتابه لعباده ولكنهم لا يبصرون؟

بلى؛ إن كلمات المفسرين إشارات مفيدة على الطريق؛ ولكنها ليست بديلا عن سعيك بنفسك في ذلك الطريق.

وإذا طويتَ دربَ المعرفة بنفسك؛ فان العلم الذي تكتسبه ينور قلبك، ويصبح جزءاً من نفسك؛ فيرتفع مستواك، وإنك لا تنساه؛ بإذن الله.

 

 الإجمال في القَسَم

 نتساءل - مع من تساءل من المفسرين -: ما الفجر؟ وما الليالي العشر؟ وما هو الشفع؟ وما هو الوتر؟ ولماذا جاءت هذه الكلمات مجملة وليست تفصيلية؟

- لأن هذه الكلمات قَسَم، ولأن القَسَم يهدف استثارة القلب وطَرْقَ أبوابه المغلقة؛ فان إجمالها يزيد حالة التهويل والتفخيم.

ولكن بين التفاسير العديدة يبدو اثنان منها أقرب:

الأول: عموم المعنى حتى يشمل أغلب المصاديق التي ذُكرت في التفاسير. فالفجر هو الفجر سواء كان فجر يوم العيد؛ العاشر من شهر ذي الحجة، او فجر أول يوم من أيام محرم حيث الساعات الأولى من السنة الهجرية، او فجر الرسالة، او فجر الثورة الحسينية المباركة في ارض كربلاء المقدسة، او أي فجر آخر ينبلج به نهار يوم جديد او حياة جديدة او مسيرة جديدة. وهكذا الليالي العشر تتسع لعشر ليال من كل شهر، وكذلك الشفع والوتر فانهما يتسعان لكل ما هو شفع وكل ما هو وتر.

الثاني: تفسير الكلمات بأيام الحج من شهر ذي الحجة الحرام؛ فالفجر يكون فجر الأول من أيامه، او فجر العيد؛ بينما الليالي العشر هي العشرة الأولى من هذا الشهر الذي يشهد أعظم مسيرة دينية في السنة.

وأما الشفع والوتر فهما: يوم عرفة (باعتباره التاسع، والتسعة وتر)، ويوم العيد (باعتباره العاشر، والعشرة شفع)، أما الليل الذي يسري فهو ليلة الإفاضة من عرفات الى المشعر؛ فمنى.

 

 اللحظات الحاسمة

 إذا ذهبنا الى عموم المعنى للقسم؛ فما هو عموم معنى القسم بالفجر كما اقسم وقال: ﴿وَالْفَجْرِ؟

- قسماً بلحظة انبلاج النور من الأفق حيث ينتظره الجميع بعد أن أخذوا قسطا كافيا من السبات والراحة؛ وقسماً بلحظة انطلاقة المسيرة الرسالية التي فجرت رحم الظلام الجاهلي فوق روابي مكة في غار حراء مع جلجة الوحي: اقرأ: اقرأ يا محمد، صلى الله عليه وآله، اقرأ باسم ربك الذي خلق؛ وقسماً بلحظة انبعاث الدم من أوداج السبط الشهيد، عليه السلام، بكربلاء ليبعث ثورة الحق ضد ظلام الجاهلية المقنعة، وتنطلق المسيرة من جديد؛ وقسماً بكل لحظات الانبلاج والانطلاق في مسيرة البشر بعد تراكم ظلمات الظلم والجهل والقمع والتضليل؛ وقسماً بفجر العدالة الشاملة مع ظهور شمس المجدد الأعظم لرسالة الإسلام الامام المهدي المنتظر، عجل الله تعالى فرجه، الذي وعد الله أن يظهر به دينه الحق على الدين كله ولو كره المشركون؛ وقسماً بكل تلك اللحظات الحاسمة: أن الحق منتصر، وأن الله للظالمين بالمرصاد.

الليالي العشر

 واضح أن الليالي العشر تسبق فجر العيد، فلماذا سبق الفجرَ بالبيان ثم أردف بالليالي العشر فقال: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ؟

- بعد عشر ليال من الجهد المكثف، والعمل الدؤوب، وبعد تحمل وعثاء (٣) السفر والسعي الى مكة من كل فج عميق، وبعد الإحرام والكف عن الشهوات، وبعد التطواف والسعي والوقوف بعرفة ثم بالمزدلفة (المشعر الحرام)؛ بعد كل الإجهاد يأتي فجر عيد الأضحى المبارك ليمســح بأصابع من نور الرحمة والبركات على رؤوس الحجيج ويمنحهم جائزتهم الكبرى.

وبالرغم من أن الليالي العشر سبقت الفجر؛ إلا أن الفجر هو الهدف منها؛ ولذلك سبقها بالبيان؛ لنعلم أن عاقبة العسر يسر، وأن ليالي الجهاد والصبر والاستقامة على ظلم الطغاة ستنتهي بفجر النصر المبين بإذن الله؛ كما تنتهي ليالي الحج بفجر العيد.

 

 تعظيم الليالي

 ما دلالة عدم دخول الألف واللام على «ليال عشر»؟

- قالوا: جاءت «ليال» بلا ألف ولام للدلالة على التعظيم. بلى؛ فليلة الجهد والتعب طويلة كما ليلة الترقب والانتظار، وليالي المؤمنين مزيجة - أبدا - بالجهد المكثف والانتظار معا؛ فما أطولها!

وقال بعضهم: إن هذه الليالي إشارة الى العشرة الأخيرة من شهر رمضان المبارك لما فيها من عظمة.

 

 الشفع والوتر

 ما هو الشفع والوتر الذي اقسم بهما وقال: (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ)؟

- الشفع والوتر؛ يوم العيد ومن قبله يوم عرفة؛ فقسماً بهما وبما هو من العبادات شفع؛ كركعات الصلاة الثنائية والرباعية، وبما هي منفردة؛ كالوتيرة وصلاة المغرب؛ وقسماً بكل زوجين، وبكل شيء منفرد؛ فليذهب خيالك أنى شاء؛ فانه لن يجد سوى زوج او فرد؛ فقسماً بكل ذلك: إن ربك لبالمرصاد.

 

 مسيرة التوحيد

 هل يسير الليل؟ فقد قال: مع جلجة الوحي ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ؟

- هل وفقت للحج؟ او تذكرت الإفاضة حيث ينهمر سيل الحجيج من عرفات عبر شعاب الوديان وفوق أكتاف الروابي نحو مزدلفة؛ مهللين مكبرين، وقد تجردوا عن سماتهم المميزة، حاسري الرؤوس، معتمري ثياب الإحرام البسيطة، وأمامهم هدف واحد يبتغونه وهو مرضاة ربهم؟

إنها حقا مسيرة التوحيد، مسيرة الوحدة، مسيرة التقوى، مسيرة الرحمة. في تلك الساعة؛ لو كُنْتَ قادرا على تجريد نفسك من مؤثرات المسيرة والنظر اليها من الخارج لرأيت عجبا؛ رأيت وكأن الارض والسماء تسيران، وأن الليل بذاته يسير معكم.

فقسما بتلك الليلة المشهودة وهي قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ، إن مسيرة الحق منتصرة؛ لأن الله من الطغاة بالمرصاد.

وقالوا: إن المراد من «يسر» انه يسري فيه، كما يقال ليل نائم ونهار صائم.

 

 الحدث والمكان

 لماذا ننسب - بعض الأحيان - الحدث الى الزمن؛ كما في هذه الآية المباركة؟

- أظن أن ذلك يتم عندما يستوعب الحدث الزمان كله؛ فالليل النائم هو الذي لا ترى فيه ساهرا؛ وكذلك النهار الصائم لا تجد الناس فيه إلا صائمين؛ كما قال الله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ}، (سورة فصلت: ١٦)، لأنه لم يكن في تلك الأيام غير النحوسة، وهكذا إذا استوعب الحدث المكان، سُمّي به؛ كما قال الله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا، (سورة يوسف: ٨٢)، أي: واسأل كل أهل القرية؛ كذلك الليل هنا كان يسري؛ لان السري استوعبه.

 

 العقل القليل

 قوله تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ؛ هل هو قسم آخر؛ مثلا؟ وهل الحجر هو العقل بعينه؟

- قالوا: معناه لذي لب وعقل، وقالوا: أصل الكلمة من المنع اذ العقل يمنع الانسان التردي في الضلال، وحتى كلمة العقل مأخوذة من ذات المعنى؛ أي: المنع والكف؛ فهي من العقال.

ويبدو لي أن ﴿الحِجْرَ أقل قدراً من العقل، وان المعنى - على هذا - هو: هل في هذا القسم كفاية لمن يملك عقلا أنى كان قليلا؟ ألا يكفي كل ذلك قسما لمن يملك مسكة من عقل؟ والله العالم.

 

تبيين الآيات

﴿وَ؛ أي: قسما بـ ﴿الْفَجْرِ: الصبح، أو فجر الإسلام، أو فجر ظهور الإمام الحجة، عجل الله تعالى فرجه، ﴿وَ؛ أي: قسما بـ ﴿لَيَالٍ عَشْرٍ من شهر ذي الحجة، أو ليالي العشرة الأخيرة من شهر رمضان المبارك ﴿وَ؛ أي: قسما بـ ﴿الشَّفْعِ: كل شيء زوج، أو يوم عيد الأضحى المبارك، ﴿وَ؛ أي: قسما بـ ﴿الْوَتْرِ: كل شيء فرد، أو يوم عرفة ﴿وَ؛ أي: قسما بـ ﴿اللَّيْلِ؛ أي: ليلة الإفاضة من عرفات الى المشعر؛ فمنى ﴿إِذَا يَسْرِ: إذا يمضي ﴿هَلْ؛ أي: ألا يكفي ﴿فِي كل ﴿ذَلِكَ؛ أي: في هذه ﴿قَسَمٌ الأقسام ﴿لِذِي؛ أي: لمن يملك ﴿حِجْرٍ مسكة من عقل. أي: ألا يكفي كل هذه الأقسام مَن يملك مسكة من عقل حتى يصدق ما يقوله الله تعالى؟ وجواب هذه الأقسام محذوف؛ تقديره: الله يعذب الكافرين؛ او قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ.

----------------------

(١) التفسير الهادي/ الشيخ خليل رزق ص ٥٤٦.

(٢) ذكر العلامة الطباطبائي أن في تفسير الشفع والوتر ٣٦ قولا؛ راجع تفسير الميزان/ ج٢٠/ ص٢٩٧.

(٣) وعثاء: مشقة وتعب.


ارسل لصديق