الاستقرار العائلي مهدد بعواصف الحرب الكلامية
كتبه: إيمان عبد الأمير
حرر في: 2017/01/01
القراءات: 436

الحياة مليئة بالوقائع المختلفة، وقد تصدمك في بعض الأحيان تصرفات غير متوقعة من أشخاص تكنّ لهم الاحترام، فيصفك أحدهم بأوصاف بذيئة وكلمات نابية، عندها كيف ستتصرف؟ وماذا سيكون جوابك؟ هل سترد على تلك الإساءات أم إنك ستصمت؟

 

امتصاص الصدمة وتوظيفها إيجابياً

لدى كل واحد منّا نقاط ضعف قد تكون سبباً لزعزعة استقراره العاطفي والنفسي، فإذا كان هناك ما يعكر صفو حالة الطمأنينة التي تشعر بها، فما عليك إلا أن تستوعب تلك الصدمات بفضل ما تملكه من إرادة قوية و روح رياضية، وتحوّل الصدمة السلبية إلى قوة إيجابية تكون في خدمتك بدلاً من أن تصبح قوة مدمرة ضدك.

فلو اعترض أحدٌ على أمــر وكان الحــق إلى جـــــانبه، حــاول تحاشي انتقاده ولا تحاول أن تنبش عن عيوبه ونقاط ضعف شخصيته، بل الواجب عليك أن تؤيد حقه فيما ذهب إليه من الرأي أو الموقف، وفي ذلك تتحقق فائدتان:

الأولى: دعم المفاهيم الحق والعدالة في المجتمع.

الثانية: منع استمرار حالة الخلاف إلى شجار، وقبل أن تدلي بشيء يجب عليك أن تعتذر إذا كنت مخطئاً بحق صاحبك، ومن ثم تسأله بشكل مهذب عن الحل المناسب للمشكلة.

استمرار الخلافات دائما تتجه نحو التعقيد، فعادةً ما نجد أن طرفي الخلاف متمسكان بأن الحق إلى جانب أحدهما، لذلك فان الطريق الأنسب؛ ليس هو إدامة النقاش في الموضوع، وإنما قطع الحوار والشجار بصورة مهذبة، لأن الحوار الذي لا يكون هدفه الوصول إلى الحقائق، بلا شك سيتحول إلى جدل عقيم كما يقول المثل الروسي: «لا يمكن إعادة الكلام الذي قيل لأنه أصبح كالطائر في السماء».

وبطبيعة الحال، إن نيران الغضب ستشتعل في قلبك عندما يقابلك أحدهم بالإساءة، ولكن ماذا سيكون تصرفك حيال ذلك، فهل ستختار الصمت؟ أم سترد وبعدها ينتابك الندم؟

هنـاك من لا يستطيع أن يسيطر على شعوره ولسانه، فتنطلق الكلمات مبعثرة في الأجواء وهي تمثل كلمات متقاطعة وسيئة، ولن تساعد على حل الأزمة بل تضيف إليها الوقود والحطب.

إذا اشتكى أحدهم من أمرٍ وكان محقاً في شكواه فليس من اللائق أن تأتي له بما ينسف شكواه ويثبت عكس ما يذهب اليه، وإنما أن تعتذر إليه لما حدث.

يقول أحدهم أنه شاهد أحد المراجعين لعيادة الطبيب وهو متوتر الأعصاب وينظر إلى ساعته باستمرار وفجأة قام من مقعده وتوجه نحو الشباك في قاعة الانتظار وضربها بيده بعصبية قائلاً: أين الطبيب؟ كان المفروض أن أدخل عليه في الساعة الثالثة؟ ما الذي جرى؟ فردّ عليه موظف الاستقبال: أنت محق يا سيد، وأنا أعتذر لأنك انتظرت طول هذه المدة، للأسف الطبيب لديه عملية جراحية، ولو تسمح لي كي أتصل به وأستعلمه عن الوقت الذي سيأتي به إلى العيادة، وبشكل عام فإني أشكرك على تحملك وصبرك هذا.

لو عبرت عن أسفك لأحدهم فإن ذلك لا يدل على أنك ارتكبت خـــــطأ مـــــا، فــــــمع قـــــليل مــــــــــن الانتباه والـــــتركيز بالإمكان حل إشكالية ما ينبغي فعله، من خلال منع امتداد المشكلة وتضخمها إلى مديات لا يمكن السيطرة عليها.

يقول أحدهم أنه ذهب مع زوجته إلى منزل والدها حيث كانوا في استضافة العائلة على العشاء، فبدأت الحديث عن الشارع الذي أوقفوا العمل به، فرد والد زوجتي قائلاً: من المفرح أن يحدث ذلك لأنه ما كان ينبغي أن يفتتح هذا الشارع في هذه المنطقة بالذات، لأن تعبيده كان سيعرض مبنى تاريخياً إلى الدمار.

فقلت: مع عدم وجود هذا الشارع فإني مضطر إلى التأخير ساعة كاملة حتى أصل إلى المنزل، وأعتقد من الضروري وجود هذا الشارع لرفع الازدحام عن بقية الشوارع التي أثقلت بالسيارات التي فاق عددها أربع أضعاف السيارات قبل عشرة أعوام، ولكن عدد الشوارع لم يتغير. فردّ والد زوجتي قائلاً: الأنانية هي من أهم سمات جيلكم فأنتم لا تفكرون إلا بتغيير الزمان والحياة ولا يهمكم بعد ذلك أي شيء حتى ولو كان ذلك الشيء جزءاً من تاريخكم!

فقدت السيطرة على أعصابي وقلت: أنتم لا تستطيعون أن توقفوا عجلة التطور...! فنهض والد زوجتي من مقعده ورجع إلى الوراء قليلاً ثم قال: لست مجبراً على الجلوس إلى طاولة الطعام وأن أستمع إلى هذا الكلام!

وكنتُ آمل أن لا يحدث كل ذلك، فلو فكرتُ قليلاً بأهمية هذا الموضوع بالنسبة إلى والد زوجتي لعرفت كيف أتصرف بذكاء مع هذا الموضوع، ولا أدع الأمور تسير على المنوال التي سارت عليه، وكان الأجدر بي أن أتهرب من الموضوع من خلال تحويل مسار الحديث إلى شيء آخر، لا يثير الخلاف.

 

فن إدارة الحوار لتجنّب الفتن

بعض الناس يتقنون فن إدارة الحوار والخروج من المأزق الكلامي، وهم أكثر ذكاء في التخلص من مواقع إثارة الفتنة والجدل، من خلال إتباع أساليب دبلوماسية تكون مرضية لأنفسهم وللآخرين، فليس من المناسب دائماً أن يصر المرء على صحة أقواله وأن يستند في ذلك على أدلة عقلية أو علمية، لأن الجلسات الشعبية أو حتى لقاءات الزوج مع زوجته هي ليست طاولة للبحث العلمي او التفاوضي حتى يمكن للمرء التنازل عن بعض ما يعتقد بأنه صواب من أجل إضفاء روح الود والمحبة على الجلسة التي لا يراد منها حل المشاكل العويصة كالمشكلة الفلسطينية!! فلماذا التعصّب للرأي؟ وما هي الضرورة أن يثبت المرء صحة رأيه للآخر ويدخل معه في جدل عقيم وينتهي إلى الشجار والخصام؟

إذا كانت طاولة البحث هي طاولة علمية والمراد منها هو استخلاص نتيجة علمية من البحث الجاري، سيكون لزاماً على المرء أن يتعصب لرأيه وأن يجادل بكل الطرق والوسائل لإثبات صحة ما يذهب إليه.

ولكن إذا كانت الجلسة عائلية والغرض منها تقوية أواصر المحبة بين أفراد الأسرة، فإنها لن تكون مكاناً مناسباً للنقاشات الحادة والمثيرة للجدل والشجار، وللأسف نلاحظ أنه بعض الأزواج وبرغم علمه أن شريكه يثار بمجرد طرح المسألة الفلانية، فإنه يدأب على طرح الأمور المثيرة للجدل والشجار، ويحاول كل واحد من الزوجين أن يعيد الى أذهان الطرف الآخر الكلمات والأفكار والتعليقات المثيرة لاشمئزازه وكأنه يتخذ من هذه الطريقة كوسيلة للانتقاص منه وتحقيق الغلبة عليه، وهو لا يعلم بأن الشجار العائلي ليس فيه رابح أو خاسر بل الجميع هم الخاسرون.


ارسل لصديق