الحوار ... دعوة للتأمّل
كتبه: العلامة الشيخ محمد علي المحفوظ
حرر في: 2017/01/03
القراءات: 419

الحوار قضية سامية وحالة أخلاقية متقدمة ولكن؛ لكي يكون الحوار سلوكاً وسمة طبيعية من دون تكلف، فإنه بحاجة إلى قابلية نفسية ومعنوية، وذلك بحاجة إلى ثقافة واعية تعمل على صياغة السلوك وترشد التعامل مع الآخرين من دون أية حواجز مادية أو نفسية تقف حائلاً دون الانفتاح على الناس ومحاورتهم والتواصل معهم، فتتقارب المسافات مهما بعدت وتتلاشى المسميات والمواقع التي يرى فيها البعض امتيازاً ومفاضلة بينه وبين الآخرين.

ولو تأملنا قليلاً لرأينا أن الكون قائم على لغة الحوار والتواصل في أسلوب بديع ودقيق نظمه رب الكون وخالق الخلق، حيث يقول ربنا -عز وجل-: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} (سورة الإسراء : 44)، وإذا ما أردنا، فليس هناك ما هو أفضل من أن نتعلم من ربنا -عز وجل- وقد جاء في الحديث الشريف: «تخلقوا بأخلاق الله»، فمع أن الله -عز وجل- غنيّ عن العالمين، وهو القاهر فوق عباده، إلا أنه -سبحانه- يخاطبهم ويتواصل معهم وجعل أبوابه مفتوحة دائماً وأبداً لعباده من دون تفريق فقال -عز وجل-: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} (سورة غافر: 60)، بل إن الله تبارك وتعالى ألغى كل المسافات والفواصل أمام عباده، حتى قال -عز وجل-: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (سورة البقرة: 186)، وجعل رحمته تسع كل شيء، وأبوابه مفتحات للسائلين، وأعطى من سأله ومن لم يسأله ومن لم يعرفه تحنناً منه ورحمة، ولم يكتف ربنا -عز وجل- بل أرسل ملائكة حفظة وداعية ومسددة وخاطب عباده: «يا عبادي إني لم أخلقكم لكي أربح عليكم بل لتربحوا عليّ».

ومع أن الله -عز وجل- أعطى الإنسان العقل امتيازاً وتفضيلاً على سائر المخلوقات، إلا أنه -تبارك وتعالى- أرسل الأنبياء والرسل، عليهم السلام، لكي يتواصلوا مع عباده وينوروهم ويرشدوهم من خلال استثارة العقول، ومن دون قسر أو إكراه، وأرسل معهم الكتب هداية ونوراً وتبياناً وعلى رأس ذلك القرآن الكريم؛ هذه الكلمات الإلهية من الله -عز وجل- للإنسان في حوار بديع ومؤثر، ومع كل ذلك فان الكثير من الناس لا ينفتحون على هذه الثقافة الربانية السامية، فيفقدون أجمل ما في هذه الحياة وهي لغة الحوار والتواصل، ولذلك تنشأ الخصومات والنزاعات وتسود الكراهية بدلاً من الحب والاحترام والتفاهم.

إننا -فعلاً- بحاجة للانفتاح على ثقافة الحوار، ولكن علينا قبل ذلك أن نتحرر من أغلال الكبر والاستعلاء والتباهي، فربما رأى البعض نفسه رجلاً فنظر بدونية إلى المرأة، وجعل منها أقل شأناً وأعطى لنفسه الأفضلية كونه رجلاً حتى لو كان جاهلاً وهي متعلمة، أو خاملاً وهي عاملة، ولربما وصل الأمر عند بعض العوائل ذات الشأن الاجتماعي في أنها تفرض على المرأة زوجها وحياتها من دون اختيار منها ومن دون أية مراعاة لمشاعرها خلافاً للقيم الدينية ولأبسط الحقوق الإنسانية، وحتى من يدعي القول بحرية المرأة وحقها فإنه نظر إليها كسلعة أو مجرد صورة جميلة بعيداً عن كونها إنسانة لها الحق في التعبير عن نفسها كما الرجل.

وبين رؤيتين قاصرتين ضاع الحوار على الصعيد الاجتماعي أو الأسري؛ بالنسبة للمرأة فان كثيراً من الرجال لا يرون أهمية في الحوار مع نسائهم، ولربما حتى بناتهم، ولا يتوقف الأمر عند ذلك بل إنك قد تجد كثيراً من العوائل في مجتمعاتنا تعاني من غياب الحوار فيما بينها فضلاً عن غيابه مع الجيران والآخرين فتنعكس هذه الثقافة الجامدة على مفاصل الواقع الاجتماعي والسياسي والتعليمي، ولذلك ليس غريباً أن تجد معلماً في مدرسة لا يعرف كيف يتحاور مع تلاميذه، أو مدير مدرسة مع المدرسين في مدرسته، أو مسؤولاً مع موظفيه، أو وزيراً مع الناس في دائرة اختصاصه، أو عالماً مع الناس من حوله، أو نائباً مع ناخبيه، أو حاكماً مع شعبه أو رئيس حزب أو جمعية مع أعضاء حزبه، أو جمعيته وهكذا، والعلّة في ذلك؛ غياب ثقافة الحوار التي لا يعترف بها البعض لمبررات غير مقنعة وغير معقولة قد ترتبط بالعادات والتقاليد الاجتماعية أو الأعراف السياسية أو ينظر إليها البعض الآخر على أنها جزء من الشكليات التي تصبغ الكثير من الصور.

والمشاهد التي نراها في مجتمعاتنا؛ سواء على الصعيد الاجتماعي أو السياسي، من خلال ابتسامة هنا أو معانقة هناك أو بيانات مدبّجة، لكنها لا تعبر عن الحقيقة ولا تعكس واقع الحال الذي يعاني من أزمة انعدام الثقة وغياب لغة الحوار الحقيقية التي توصل إلى تفاهمات وقواسم مشتركة على صعيد الواقع وتعالج العقد وتزيل الحواجز النفسية والأوهام التي تجد لها مكاناً فتكبر يوماً بعد آخر نتيجة للجهل بالآخر وعدم الانفتاح عليه وإعطائه الفرصة لكي يعبر عن نفسه من دون خجل أو خوف أو رهبة ومن الحاجة للتملق.

 إننا بحاجة إلى إعادة النظر في ثقافات موروثة أو مصطنعة فرضت نفسها على واقعنا فجعلتنا نعيش حالة «الضدية» و»الكيدية « أو «التهميش» أو «الإقصاء» بدلاً من التفكير في «التواصل» و»التكامل» و»التقاطع» وهنا دعوة صريحة لإعادة النظر من جديد والعمل على صياغة ثقافة حية قوامها الحوار الحر الذي يحفظ لكل فرد حقه؛ رجلاً كان أو امرأة، حاكماً كان أو محكوماً، بعيداً عن اللون والجنس وكل أشكال التمييز والتفاضل، ولنا في كلام الله -عز وجل- في القران الكريم؛ كتاب الحوار والعلم والقيم الحيّة؛ النموذج الأرقى والأسمى، حيث يقول ربنا -عز وجل-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (سورة الحجرات : 13).

------------------

الأمين العام لجمعية العمل الإسلامي في البحرين.


ارسل لصديق