هيام يشرع في وجه الريح
كتبه: محمد طاهر الصفار
حرر في: 2017/01/04
القراءات: 347

- «إني أخير نفسي بين الجنةِ والنار»..، إن من يرى النور لا يستطيع العيش في الظلام.

هكذا قال الفارس المخضب بالعشق وهو يشير إلى قلبه.

إنها رؤية، واستشراف، وتأمل، ومن ثمّ، اختيار لحظة من برزخ الذات بين الخلود والفناء، بين الخمول والمجد، بين السمو والوضاعة.

الريح ترفع خصلات الرمال، فتمطره بصوت العشق.

ملامح تتخطى حاجز التبعية، وتتحرر من قيود العبودية فتتألق، وتشرق.

دويّ الضمير يقرع في أنفاسه، وصدى الإنسان (الحر) يردد نداءه، فإذا الإرادة الحرة تنبلج فيه.

لم تُخطئ أمه في تسميته، لقد استهان بالجبن والموت، بل لم يعرف لهما وجوداً، ورافق الشجاعة، فهما صنوان لا يفترقان.

لم يك محتاجاً إلى شهادة الشاهد، وقرب البعيد، وحضور الغائب، فالشمس تعرف وجهه أكثر من المرايا، ونسبه صليل السيف:

ـ «لو قيل لي من أشجع أهل الكوفة لما عدوتك» نعم؛ فما جرى..؟

ـ «فما هذا الذي أراه منك»؟!

ما هذه الرعدة؟

كان سكوته يعجّ بآلاف الصور والأصوات، وعليه أن يصغي لأحدها كما يصغي الفيلسوف إلى الحكمة، أو كما يختار الشجاع موته:

ـ «والله لا أختار على الجنة شيئاً؛ ولو أحرقت».

عندما يرنّم المطر لحنه تصغي الأرض، وعندما تتغازل العصافير تبتسم الأشجار، وعندما يغرد العشق يسكت الشعر.

هي استفاقة المعنى كما يستفيق الصبح على أشعة الشمس فتشرق الألوان على حقيقتها، إنه الهاجس بالانتماء الذي يتحول إلى الضمير المحاور.

رفع الأشرعة بوجه الرياح، وتخطّى الأمواج، وانتصب كالصخر أمام الشاطئ الأمين، وكهيام نبيٍ بصلاة، أو كعشق أرضٍ للمطر قال:

ـ «يا أبا عبد الله إني تائب فهل ترى لي من توبة»؟ إنه صميم الانتماء.

كانت الملائك تظللّه بأجنحتها، والعشق يغسل قلبه الواجف، والريح تحمل ندى الصباح لتتلألأ على شفتيه وهو يبوح بهذا العشق الذي لم يزل مشرقاً في عينيه حتى أسرى.

إنه النهر الذي يغسل الروح من عذابات الأرض.

إنه الأمل الذي يشع في خطوط العتمة.

إنه (الأمر)، (الصعب المستصعب الذي لا يتحمله إلّا نبي مرسل، أو ملك مقرّب، أو مؤمن امتحن الله قلبه بالإيمان).

حينما خرج من الكوفة تخطى هذا الأمر الصعب بنجاح:

ـ «أبشر يا حر بالجنة»..!!!

فانطلق الصوت بهويته الصريحة في ذلك اليوم:

 

إني أنا الحر ومأوى الضيفِ

أضربُ في أعناقكِم بالسيفِ

عن خيرِ من حلَّ بأرضِ الخيفِ

أضربكم ولا أرى من حيفِ

 

وهل سمتك أمك حراً إلّا لهذا اليوم؟

وهل الحر من يقبع في زوايا الذل ويركن إلى قعقعة الأغلال؟

سماء تميم مفعمة بالشموس، هو لم يكن أول قبس أضاء ولكنه كان أشرقها، ونبعه كان أغدقها، وفرعه كان أورقها، زها من تلك الشجرة الشماء، أبوه، جده، بنو عمه، أوتاد وأعلام في رأسها النار، ترشد الضليل، وتهدي التائه، وتطعم السغب.

تدرّج بمدرجة الفحول، وأشرق في سماء العز والشرف والبطولة، وفي بيت أقامت دعائمه المآثر والمناقب، شعّ الى الوجود نجم الحر بن يزيد بن ناجية بن قعنب بن عتاب بن هرمي بن رياح بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد بن مناة بن تميم، من أشراف الكوفة وساداتها وأبطالها المعدودين.

بيت توسم بشهادة أمير المؤمنين، عليه السلام، وتشرف بوصيته لابن عباس: «وَقَدْ بَلَغَنِي تَنَمُّرُكَ لِبَنِي تَمِيم، وَغِلْظَتُكَ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّ بَنِي تَمِيم لَمْ يَغِبْ لَهُمْ نَجْمٌ إِلاَّ طَلَعَ لَهُمْ آخَرُ، وَإِنَّهُمْ لَمْ يُسْبَقُوا بِوَغْم فِي جَاهِلِيَّة وَلاَ إِسْلاَم، وَإِنَّ لَهُمْ بِنَا رَحِماً مَاسَّةً، وَقَرَابَةً خَاصَّةً، نَحْنُ مَأْجُورُونَ عَلَى صِلَتِهَا، وَمَأزُورُونَ عَلَى قَطِيعَتِهَا».

من أعلامهم؛ عتاب بن هرمي الذي كانت له ردافة ملوك الحيرة في عهد المنذر بن ماء السماء.

ومن نجومهم؛ عتيبة بن الحارث اليربوعي، الذي يعد من أشجع العرب، حتى قيل عنه: «إنه لو وقع القمر على الأرض لما التقفه إلّا عتيبة، لثقافته في الرمح».

ومن أبطالهم: معقل بن قيس الرياحي، أحد قادة جيش أمير المؤمنين، عليه السلام،، وأعمدة حربه.

في هذا الجو المفعم بالبطولة والشجاعة والمجد، المتوَهِّج بالفروسية لمع نجم الحر، وساد رياحاً وتميماً، وفاق أعلامها سؤدداً ومجداً، ورفع اسمها في تاريخ المفاخر.

أيذعن وهو المتدرج من نفوس حرة لعبد!؟ وأي عبد!؟ عبد الدرهم والشهوة، ومن ترك بصمة الخزي في صحائف سود وتدرج في الأحضان الموبوءة فوضعت التواريخ صفة جده:

ـ «كان أبو سفيان بخيلاً».

 

قومٌ إذا استنبحَ الأضيافُ كلبهم

قالوا لأمهم بولي على النارِ

فتمسكُ البولَ بخلاً أن تجودَ به

وما تبولُ لهم إلّا بمقدارِ

 

وهل يطامن وهو ابن الحرة التي غذته بحليب الكبرياء، لمن غذته أمه بحليب الزناء ولاكت أكباد الشهداء:

 

صار الدعيُّ إمام الآبقينَ بها

فالحرُّ مستعبدٌ والعبدُ معبودُ

العبدُ ليسَ لحرٍ صالحٍ بأخٍ

لو أنه بثيابِ الحرِّ مولودُ

 

كان حراً في روحه، وفي قلبه، وفي ذاته، فمن ينشأ على صهوات المجد لا يختار لحياته سواها، ولا يموت إلّا وهو شامخ عليها، ولو اقتحم الشمس وخاض الأعاصير ونازل الجبال:

 

لنعمَ الحرّ حرّ بني رياحِ

صبورٌ عند مشتبكِ الرماحِ

ونعمَ الحرّ إذ فادى حسيناً

وجادَ بنفسهِ عندَ الصباحِ

 

حتى فرسه أبى وأنف أن يُنزله إلّا وهو في سوح الشرف والمجد مضرجاً بدمائه، ألم يذكر القرآن الكريم الخيل بقوله: {وأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ}، (سورة الأنفال: 60)!

ألم يصفها رسول الله، صلى الله عليه وآله، بقوله: «الخيلُ معقودٌ في نواصيها الخير الى يوم القيامة»؟ ألم تستأثر الخيل بمكانة كبيرة في نفوس العرب، حتى فضلوها على نسائهم وأولادهم واهتموا بأنسابها وجيادها وكرائمها اهتماماً بالغاً؟ ألم يقولوا: «إن فيها الشريف، وفيها الدنيء..» و»فيها الصبور كالرجال، وفيها الخوّار»؟ ألم يصف المتنبي الخيل بالمقاتلة:

 

لها في الوغى مثل الفوارسِ فوقها

فكل حصانٍ دارعٍ متلثمِ؟

 

ألم يصف لنا البطل أسامة بن منقذ بطل الحروب الصليبية الجياد من الخيل بقوله:

«أنه رأى حصاناً طعن في رقبته فمالت رقبته من شدة الطعنة وما تزعزع الحصان من تلك الطعنة»، «و جرح تحته حصان ثلاثة جراح وهو يقاتل عليه ولا يعلم أنه قد جرح؛ لأن الحصان ما أظهر ما يدل على ألمه من شدة الجرح»، «وجرح تحته حصان شقت الطعنة بطنه وأصابته عدة سهام فأخرجه من المعركة ومنخراه يدميان وما أنكر منه شيئاً أي لم يظهر ما عليه من ألم الجراح ولما وصل أسامة إلى أصحابه سقط الحصان ميتاً»!

وهكذا كان فرس الحر اقتحم كفارسه الحرب وكان له نصيبه منها: «فما هي إلّا ساعة وإن فرس الحر لمضروب على أذنيه وحاجبيه والدماء تسيل منه»، ما أروع هذه الصورة الاقتحامية التي جمعت كل معنى الفروسية وشارك الفرس فارسه في القتال!

ينتفض الحر عن فرسه مستهيناً بالجمع وينظر إلى الفرس وكأنه يشكره ويمدحه على اقتحامه وتحدّيه فيتمثل بقول عنترة:

 

ما زلتُ أرميهم بثغرةِ نحرهِ

ولبانه حتى تسربلَ بالدمِ

 

(فلم يزل يرمي الأعداء بنحر فرسه حتى جرح وتلطخ بالدم وصار له بمنزلة السربال ، أي عم جسده عموم السربال جسد لابسه).

 

هم فتية صلّى على أحداقهم

فجرٌ، ففُتّحت السنابلُ بالضياء

مسحوا تجاعيدَ الزمانِ بكفِّهم

ليشعَّ منها بالخلودِ الكبرياء

 

هو الحر كما توسمته وسمته أمه، وكما بارك قولها الإمام الحسين، عليه السلام: «أنت حرٌ في الدنيا وسعيدٌ في الآخرة».

الطف كان محك النفوس، سمت فيه الطاهرة منها، المتفرعة من أصلاب الفضيلة، وهوت فيه الصاغرة منها، المتدرجة من أرحام الرذيلة.

كان سؤال من أفلح لمن خاب: «أمقاتلٌ انت هذا الرجل»؟

فكان جواب من خان لمن أوفى: «إي والله قتالاً أيسره ان تسقط الرؤوس وتطيح الأيدي».

ـ «أدعوتموه حتى إذا أتاكم أسلمتموه»؟ إنها لأحدى الكِبَر

أوتي وحده اليقين، وأحرز عاقبة المتقين، ما أكثر الشجر وليس كلها بثمر!

تمخّض ذلك اليوم عن هذه الصفوة التي أضاءت بدمائها قناديل الحرية في طريق الأجيال، فتوسّمت بشهادة أجلّ وأشرف ما توسمت به الرجال:

«إني لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي».


ارسل لصديق