لننطلق من الأيام الفاطمية
كتبه: رئيس التحرير
حرر في: 2017/02/08
القراءات: 214

لم يتكرر ذلك اليوم على المسلمين ابداً، عندما ظهرت فيه ابنة رسول الله، صلى الله عليه وآله، أمام الجموع وهي تكشف مواطن الخلل في الايمان والاخلاق المسبب لسكوتهم عن ذلك الانحراف الكبير، ففي تلك الخطبة العصماء، أضاءت الصديقة الزهراء، عليها السلام، حقيقة فضل الرسالة على المسلمين وعلى الانسانية جمعاء، وكيف أنها الأجدر بين كل الرسالات السماوية والافكار البشرية لتحقيق ما يصبو اليه الانسان في حياة تحكمها قيم الحق والفضيلة، وتمكنه من تسخير كل شيء لما هو أفضل.

كانت الزهراء، عليها السلام، في تلك اللحظات التاريخية امرأة شابة في الثامنة عشرة من عمرها، وألقت خطبتها الفدكية الصاعقة على جمع من كبار القوم المدّعين الحق، فمزقت حجاب تصورهم بالأفضلية وبالمشروعية، بحكم صحبة النبي الأكرم، فهي انطلقت من بيتها للمطالبة بحقها في أرض فدك فورطت الغاصبين ومعهم الصامتين لهم، بثغراتهم النفسية والعقدية، من «حسيكة النفاق وسَمِل جلباب الدين»، في إشارة منها الى داء النفاق والازدواجية المزمن لدى البعض، والهشاشة في العقيدة المؤدية الى انتهاك حرمة الدين، فاتسع المطلب الى بناء انساني مركّز: «أَنْتُمْ عِبادَ الله نُصْبُ أمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَحَمَلَةُ دينِهِ وَوَحْيِهِ، وِأُمَناءُ اللهِ عَلى أنْفُسِكُمْ، وَبُلَغاؤُهُ إلى الأُمَمِ...»، يعيد الناس الى رياض الايمان والقيم السماوية التي جعل الاسلام قواعدها في الاسرة وعلى يد المرأة (الأم)، ويقطع طريق العودة الى قيم الجاهلية، مثل التطرّف للفئوية والذاتية التي ظهرت بوادرها آنذاك وماتزال تغذي شجرة الانحراف الاجتماعي والسياسي في الامة.

نتحدث اليوم عن ظواهر اجتماعية مثل الفساد المالي والاخلاقي، او عن حالة التصدّع في المنظومة الفكرية لابناء الامة، ثم نقرأ ونسمع بالتنظير للحل، وكلها تمطر الرجل بسهام النقد واللوم على ما جنت يداه، ثم نصحه بالعدول عما هو عليه الى جادة الصواب، فيما لسان حاله أن دوافعه لسلوك ذلك الطريق لم تكن ذاتية مئة بالمئة، إنما للدوافع الأنثوية مدخلية مؤثرة بنسب عالية، وإلا ما الذي يدفع بموظف الدولة مع امتلاكه السكن والسيارة والراتب المجزي، لأن يبحث عما يميزه ليتفوق على الآخرين بمزيد من المال والامتيازات؟ وما الذي يجعل بعض الشباب ينتهك حرمة المجتمع وحقوقه بممارسات غير لائقة؟ وما الذي يجعل بعض الفتيات والنسوة يتمردن على الحشمة والتحفّظ بشكل صارخ؟!

تحدث العلماء عن دور الأم في ترسيخ الولاء لأهل البيت، عليهم السلام، فكانت من ابرز ثمار هذا الجهد التربوي؛ المشاركة الواسعة والفعالة في الشعائر الحسينية والاصرار على زيارة الامام الحسين، عليه السلام، وسائر المراقد المقدسة، ومع تطور الزمن وتلاحق الاحداث، ظهرت المرأة بدورها الحضاري والبناء في مظهر الزوجة وتسهم ببراعة في خلق مشاهد تطوع الآلاف من الرجال المؤمنين للدفاع عن الارض والعرض والدين بما أذهل العالم العاجز عن مواجهة عصابات التكفير والارهاب الجاهلي.

إن الأيام الخاصة بإحياء مصاب الصديقة الزهراء، عليها السلام، خلال شهري جمادى الاولى وجمادى الثانية، يعد فرصة أخرى بتذكير المرأة؛ الفتاة المتعلمة والزوجة والأم، بأنها قادرة على الإسهام بقوة، ليس فقط في الحؤول دون استفحال الازمات القائمة، بل وفي البناء والتنمية، على الصعيد الانساني والاجتماعي وحتى السياسي، فبدلاً من الحديث عن «حقوق المرأة» او «حرية الفتاة المتعلمة» يكفي الالتفات الى المساحة الرحبة التي وفرها الاسلام لبنات حواء لأن يوظفن قوة العاطفة التي وهبها الله لهنّ في بناء المجتمع بالاشتراك مع قدرات الرجل، وعند حصول أي طارئ في هذه المسيرة، فإنّ لهنّ الاقتداء بما فعلت الصديقة الزهراء، عليها السلام، بالتحول بالقوة العاطفية من الايجاب الى السلب، بإشهار سلاح المظلومية أمام مجتمع ذلك الزمان وأمام التاريخ والاجيال، فهي، عليها السلام، وقفت وتحدّت وقالت كلمتها بقوة ثم تحولت الى صف المعارضة متبعة اسلوب الصمت القاتل، ومحاربة اعدائها بالمظلومية التي صنعوها بأنفسهم، فبقيت رمزاً للنقاء والعفّة، كما هي - في الوقت نفسه - رمزاً للمرأة الناجحة في حياتها في الميادين كافة.


ارسل لصديق