حوار حول سورة الفجر - القسم الثاني
(من الآية السادسة حتى الآية الثالثة عشرة)
كتبه: السيد جواد الرضوي
حرر في: 2017/02/12
القراءات: 49

بسم الله الرحمن الرحيم

أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13)...

تمهيد

في العدد الماضي، توقف الحوار القرآني عند قوله تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ، وتناول - في ما تناوله - معاني ومدلولات كلمات القَسَم التي اقسم بها الله تعالى، وعرفنا أن القَسَمَ يهدف استثارة القلب، وقد جاءت تلك الكلمات مجملة وليست تفصيلية لزيادة حالة التهويل والتعظيم.

 وفي هذا العدد، نكمل ذلك الحوار، ونبدأ بالتساؤل عن قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، لماذا جاء بهذه الشواهد؛ رغم أن القَسَم الذي أورده في الآيات السابقة كان كافيا لمعرفة الحقائق؟

 - إذا كنت ممن يكتفي بالقَسَم ويكتشف الحقائق بعقله بعد أن يُذَكّرَ بها؛ فقد جاءك ما يكفي من القَسَم؛ إلا أن البعض لا يعي الحقائق إلا بالمزيد من الشواهد، وبالذات العِبَر التاريخية التي تهز الضمير هزا، وحتى ذوي العقول اذا استمعوا الى تلك العبر ازدادوا يقينا؛ وهكذا ساق القرآن طائفة من تلك العبر، وأجملها؛ لأنه كان قد فصلها في مواضع أخرى من القرآن الكريم وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ.

إنها حقائق مشهودة، تُرى بالعين المجردة، وكلما كانت الحقيقة واضحة، استُخدم مثل هذا التعبير (أَلَمْ تَرَ)؟

 هؤلاء هم «عاد»

 من هم عاد؟ هل هم «عاد» الأولى من قبيلة «إرم»؟ أم الذين سكنوا قرية «إرم» فبنوا القصور العالية؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ؟ ولمَ وصفهم بقوله: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ؟

 - قال بعضهم: «إرم» جد عاد(١)، وقال آخر: إليه يجتمع نسب قبيلة «ثمود» ايضا، وقال ثالث: إن معنى «إرم» القديمة، وأصلها من الرميم حيث أن هناك عادَين؛ الأولى وهي القديمة التي قال عنها ربنا: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الأُولَى، (سورة النجم: 50)، وقال بعضهم: إن الكلمة ليست اسم أشخاص؛ بل منطقة كان يسكنها قوم عاد، ولا يتنافى أن يكون الاسم مشتركا بين القبيلة وأرضهم حيث كانت العادة تقضي تسمية الارض باسم أهلها؛ فتكون كلمة ذات صفة لـ «ارم»؛ تلك المدينة التي سكنتها عاد. وكلمة العماد بمعنى الأبنية المرتفعة المرفوعة على العمد؛ ولذلك قالت العرب: فلان طويل العماد اذا كان منزله مَعْلَمَا لزائره.

 تلك القبيلة الشديدة التي راجت حولها الأساطير، وتلك المدينة ذات العمد التي لم يكن لها مثيل في بلاد العالم ذلك اليوم كما قال تعالى: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ؛ الم تر كيف دُمرت عليهم؟

أين المفر؟

لماذا جابوا الصخور؟ وأي واد قصد في قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي

 - إنما يبني الانسان المدن لصيانة نفسه من أهوال محتملة؛ من اعتداء مفاجئ، مثلا، او سيل منهمر، او زلازل وانهيارات أرضية، او ما أشبه، والذي يدفعه الى ذلك كله تهربه من الموت ومن عاقبة أعماله؛ ولكن تلك الجهود تنفعه مالم يأت قدره؛ فاذا جاء القدر فأين المفر؟

إن المدينة، وبالذات اذا كانت بمستوى مدن «عاد» العظيمة، علامة بارزة لحضارة الانسان حتى سميت الحضارة بالمدنية؛ لأنها رمز تعاون بناء بين مجاميع كبيرة من الناس، وسيادة نوع متقدم من القوانين عليهم؛ كما أنها تأتي نتيجة تراكم تجارب وجهود عظيمة يتوارثها أهلها جيلا بعد جيل؛ ولكنها عرضة للدمار الشامل اذا تسلط عليها المترفون، ووجهوها عكس مسيرة الخير والفضيلة، واتخذوها وسيلة للبطش بالآخرين؛ كما فعلت «عاد»؛ فدمرها الله شر تدمير؛ فأين «الأحقاف»(2) التي كانت مساكنهم بين اليمن وحضرموت؟ وأين قبورهم وآثارهم؟

كذلك «ثمود» الذين سكنوا شمالي الجزيرة العربية بين المدينة والشام؛ فشيدوا لأنفسهم القصور التي اقتطعوها من الجبال المحيطة، وحفروها - أيضا - ملاجئ ومخازن لهم؛ إن مصيرهم كان ايضا الدمار ﴿وَ ألم تر كيف فعل ربك بـ ﴿ثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ

جابوا؛ أي: قطعوا، ويقال: يجوب البلاد؛ أي: يقطعها، والوادي: المسير بين الجبال.

فرعون وأوتاده

لماذا انتقل من داخل الجزيرة العربية الى العالم الخارجي والى فرعون كما قال: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ؟ وما المراد بالأوتاد؟

- كانت «عاد» و«ثمود» وقصة إبادتهم معروفة عند العرب في الجزيرة؛ لأنهما كانتا في طرفي الجزيرة؛ أما آل فرعون فقد كانت قصتهم مشهورة عند الأمم؛ لأنها كانت ذات صبغة عالمية، وقد سمعتها العرب من أهل الكتاب الذين اتصلوا بهم، وقد فصلها القرآن تفصيلا في موارد كثيرة، واجملها هنا بكلمات؛ فقال: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ.

قالوا: أوتاده أركان سلطته من جنود وعساكر وأموال وأساليب قهر وسلطان، وقال بعضهم: بل كان يعذب الناس بالأوتاد حيث يشدهم بها الى أن يموتوا؛ وهكذا فعل بآسية؛ زوجته وماشطة ابنته، وقال بعضهم: بل الأهرامات التي تشبه الوتد في الأرض. وأنى كان؛ فقد زعم فرعون ان تلك الأوتاد تنقذه من مصيره. 

المؤمن لا يطغى

ما الذي جعل فرعون يطغى كما ورد في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ؟ وهل هو اسم لفرد أو لسلالة؟

- يبدو أن المراد بفرعون هم آل فرعون، او هو وأوتاده الذين أيدوه؛ فلذلك قال عنهم ربنا سبحانه: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ بصيغة الجمع.

ذلك أن للإنسان قدرة محدودة لتحمل ضغوط التملك؛ فمن الناس من تُبْطره نعمة تافهة، ومنهم من إذا امتلك الدنيا يظل قادرا على التصرف بحكمة ورشد؛ وإنما يرتفع الى مستوى ضبط النعم وعدم الوقوع في أسرها والاسترسال مع رياحها اذا كان مؤمنا بالله وباليوم الآخر.

وآل فرعون أبطرتهم النعمة؛ فلما رأوا النيل يجري في بلادهم بالخيرات، وقد دانت لهم الشعوب المستضعفة من حولهم، وقد عرفوا بعض العلوم الجديدة في فن العمارة، والزراعة، وتحنيط الأموات؛ وما أشبه، فاستكبروا في الأرض، وطغوا.

النهاية المدمرة

كيف نشروا الفساد كما قال تعالى: ﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ؟ ويبدو أن نهايتهم كانت واحدة لقوله تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ؛ أليس كذلك؟

- لقد ركب كلّ من «عاد»، و«ثمود»، و«فرعون» مطية الطغيان الجامحة، وأسكتوا الأصوات المعارضة، وتسلحوا بمنطق القوة، واتبعوا نهج الدجل والتضليل. 

وأصبحت السلطة مركزا لكل فاسد مفسد، وكل منافق متملق، وكل قوَّال كذَّاب محب لنفسه، وكل معقد من الناس.

وبدأوا رحلة النهاية إذ أخذت السلطة تنشر الفساد في الأرض بدل الصلاح، والظلم بدل العدالة: ﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ.

حتى اذا طفح بهم كيل الفساد، وجاءهم النذير فهمُّوا به ليقتلوه؛ هنالك نزل عليهم العذاب الشديد؛ ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ.

فقد جاء العذاب كما السيل المنهمر، يصب عليهم من عل انصبابا؛ فأين المفر؟ 

وكان كلذع السوط وسرعته، يسوطهم فيخالط لحمهم ودمهم.

قالوا: العرب كانت تسمي العذاب الشديد سوطا، وقيل: بل أصل معنى السوط خلط الشيء بالشيء؛ ولان العذاب الشديد يخالط اللحم والدم يسمى بالسوط.

وهكذا جاءت نهاية «عاد» و» ثمود» وآل فرعون واحدة لأن أعمالهم كانت متشابهة بالرغم من اختلاف بلادهم وعصورهم وسائر تفاصيل حياتهم والجرائم التي ارتكبوها.

تبيين الآيات

﴿أَلَمْ تَرَ الحقيقة الواضحة: ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِ قبيلة ﴿عَادٍ؛ وهم قوم النبي هود، عليه السلام؛ فدمر عليهم مدينتهم القديمة ﴿إرَمَ التي كانت ﴿ذَاتِ الأبنية المرتفعة على ﴿الْعِمَادِ؛ أي: أعمدة، و﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي تلك ﴿الْبِلادِ وَ الم تر الحقيقة الواضحة الأخرى: قبيلة (﴿ثَمُودَ؛ وهم قوم النبي صالح، عليه السلام ﴿الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ؛ أي: قطعوا الصخور، وجعلوها بيوتا لهم ﴿بِالْوَادِ؛ أي: في الوديان التي تقع بين الجبال، والمراد: وادي القرى ﴿وَ الم تر الحقيقة الواضحة الثالثة: ﴿فِرْعَوْنَ ذِي: صاحب ﴿الأَوْتَادِ: السلطة، او الأوتاد التي كان يعذب بها الناس.

الم تر الحقائق الواضحة لهؤلاء الثلاثة ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ التي حكموها ﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ؛ فنزل عليهم العذاب الشديد ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ انصباباً كلذع السوط وسرعته؛ وجواب هذه الأقسام: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ لأعمال الناس.

﴿فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ أي: اختبره ﴿رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ بالمكانة بين الناس ﴿وَنَعَّمَهُ بالمال والثروة ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ لقربي منه؛ ونسي أن ذلك اختبار له؛ لا كرامة به. ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ أي: اختبره ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ؛ أي: ضيق عليه ﴿رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ لأنني منبوذ؛ ونسي أن ذلك اختبار له؛ لا مهانة به.

----------------------

(١) ذكروا في نسب عاد: انه عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح، عليه السلام.

(2) الأحقاف: الأودية التي كانت تسكنها قبائل «عاد». والحقف: تلال عظيمة مع وجة من الرمال.


ارسل لصديق