{...وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ} طوق نجاة من الفوضى
كتبه: زكي الناصر
حرر في: 2017/02/13
القراءات: 217

طالما سعى المفكرون والعلماء فضلاً عن الساسة لصياغة أطر ومفاهيم تحقق النظام العام في الحياة، لما ينعكس إيجاباً على مسيرة العمل والإنتاج والتنمية في المجالات كافة، وفي الوقت نفسه، نلاحظ الحذر من أي فوضى مسببة للخسران والدمار.

ولكن؛ كيف يتحقق هذا النظام العام في حياة الانسان؟

في سورة القمر، ينبّه القرآن الكريم في مطلع هذه السورة المباركة الى وجود عامل أساس في تحقيق النظام والاستقرار؛ ليس في حياة الانسان، وإنما في الكون كله، ألا وهي السنن والقوانين الإلهية الثابتة: ﴿...وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ، مثل الموت والحياة لجميع الكائنات الحيّة، {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}، (سورة آل عمران: 185) وما يعمله الانسان يرى نتيجته؛ ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى، (سورة النجم: 39)، وهكذا سائر القوانين الثابتة.

هذه الحقيقة التي تواجه الانسان طيلة حياته، تثير فيه نوازع التمرّد ومحاولة خلق الجديد بغية التميّز بأي ثمن، حتى وإن كان بالتطاول على القوانين والسنن الإلهية، لذا نجد تبيين حقيقة ثبات السنن والقوانين في الآية الكريمة بعد الحديث عن تكذيب رسالة النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، رغم معاجزه الظاهرة وبراهينه القاطعة بالنبوة بصدق رسالته السماوية، وهذا بسبب؛ {وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ}، (سورة القمر: 3).

 

الحكمة من القانون الإلهي الثابت

هكذا يتساءل البعض ممن يبحثون في علوم حديثة ومتطورة جداً، مثل علم الجينات في العصر الحاضر، وما أنجزوه من تحليل «DNA»، وقبلهم ممن بحث في علم الأحياء الطبيعية، وفي طليعتهم «دارون» التي تمخضت تجاربه وتحليلاته عن نظرية «النشوء والارتقاء» و»أن الطبيعة قادرة على العمل بتناغم وتوازن تاميّن لوحدها، دون مساعدة وتوجيه قوة أكبر»، وبغضّ النظر عن الجانب العلمي فيما يتعلق بالقوانين السائدة في الحياة، فان تجارب ونظريات كهذه فاحت منها - منذ البداية - رائحة التنكّر لقوانين وسنن السماء، ومن ثمّ القول بعدم الحاجة للهيمنة الإلهية، فكل شيء يجري وفق سياقات طبيعية وذاتية، ومثال ذلك التصوّر الذي شغل بال العالم والعلماء ايضاً لفترة طويلة، بأن الانسان لم يكن على هذه الشاكلة منذ بدايته الأولى، بل كان عبارة عن قرد!

القرآن الكريم، لا يناقش المخرجات العلمية والإبداعية لفكر الانسان، لأن هذا أمر مشروع، بل ومحبب للإنسان بأن يتعلّم ويرتقي حتى أن ينفذ ﴿مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، (سورة الرحمن: 33)، بيد أنه يناقش العامل النفسي المسؤول عن خلق الدوافع والمحفزات لهذه الفكرة او تلك، ويعبّر عنه بـ»الهوى»، وهو ما يتصف به المتمردون على القوانين الإلهية الثابتة، لذا فانهم {وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ}، فوجود الثوابت من السنن والقوانين الإلهية، تحد من تدخّل الهوى في تقرير مصير الانسان والحياة.

ولذا نجد أن رسالة السماء، وخطاب القرآن الكريم يدعو الانسان دائماً الى الهدى لمساعدته في صراعه الدائم مع هوى نفسه وما تستدعيه من ميول بعيدة عن العقل والمنطق والمصلحة الحقيقية له ولمن يعيش في المحيط، وفي الوقت ذاته ثمة تحذير من اتباع الهوى، كون الهوى انعكاس من ذات الانسان، بينما الهدى انعكاس للحقيقة التي تتجلى في السنن الثابتة، وكما أن المعروف عن الهوى، تغيّرها وتبدلها المستمر، فان الهدى معروف بخطه المستقيم والثابت لأنه حقيقة وليس خيالاً او ناشئاً من تصورات ذهنية.

من هنا نفهم سر تعكّز الحكام الطغاة على الفوضى في الحياة، وهي ليست بالمعنى السلبي الذي يطيح بكراسيهم، إنما المعنى الذي يريدونه في المجال الذي يخشون صدور مخاطر على كرسي الحكم، فأحياناً تكون الحاجة الى الفوضى الأخلاقية والدينية، واستحسان التحلل الخلقي، كما فعل صدام وحزبه الحاكم في فترة حكمه، لان مصدر الخطر المحدق كان ينبع من الدين والأخلاق آنذاك، فيما نجد في بلاد أخرى، الفوضى الأمنية والسياسية، كما حصل في اليمن وسوريا وغيرها.

وهذه الرسالة القرآنية موجهة الى العراق اليوم؛ حكومة وشعباً، إذ إن الفوضى الاقتصادية والسياسية والخروج بعيداً عن القوانين والسنن الإلهية، من شأنها أن تزيد من الازمات في حياة الفرد والمجتمع وتبعده عن بصيص الأمل بالنجاة.


ارسل لصديق