الأسرة ودورها في حماية الشباب من التطرّف
كتبه: حسام الدين محمد
حرر في: 2017/02/13
القراءات: 142

شاع مصطلح «التطرّف» في السنوات الاخيرة عندما أضيف اليه «الديني» ليكون السمة الخاصة به، مع الحديث المسهب سياسياً واعلامياً عن مخاطر هذا النوع من التطرف على السلم الأهلي والأمن والاستقرار اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، مما يوحي للبعض أن التطرف لن يكون إلا في الدين وإظهار الهوية والانتماء، حتى بات كل من يحمل مظهراً دينياً أو يدلي برأي أو حكم شرعي فانه يُوسم بـ «التطرف»، بيد أن «التطرف الديني» الذي يتحدثون عنه، لم يكن ليظهر في الساحة لولا تطرف حصل قبل هذا في القاعدة الفكرية المنتجة للوعي والثقافة.

واذا عرفنا أن الشباب يمثلون دائماً القلب النابض للمجتمع ورمز القوة والاقتدار الذهني والعضلي للأمة، فان المعروف ايضاً عن الشباب سرعة التفاعل مع القضايا والافكار المحيطة بهم، وغلبة جانب العاطفة على العقل عند اتخاذ المواقف والاحكام، الامر الذي يجعلهم دائماً على حافة التطرّف في كل شيء.

والتطرّف؛ مفردة واردة في قواميس اللغة قبل ان تتحول الى مصطلح سياسي، فقد جاء لسان العرب: «وطرّف الشيء وتطرّفه: اختاره»، كما جاء ايضاً: «...وتطرّفت الشمسُ: دنت الى الغروب»، فيما جاء في العباب الزاخر: «تطرّف، وقيل: بمقدار ما يبلغ البالغ الى نهاية نظرك»، وهناك تعريفات أخرى للمفردة في هذه القواميس لسنا بوارد الخوض فيها، سوى الاشارة الى أن المفردة تنصرف الى تفضيل اتجاه وطرف معين على آخر.

وفي ظل هذا المعنى يكمن خطر نشوء التطرف في فكر الشباب الباحث في هذه المرحلة العمرية عن الجديد والمثير دائماً، وما يشبع فضوله ويصنع شخصيته، فعندما نلاحظ التفاعل الشديد مع عنوان كتاب، او مع موقع على الانترنت، او مع القنوات الفضائية، او حتى مع جماعة او مؤسسة او أي مصدر إلهام فكري وثقافي آخر، فهذا ربما يكون علامة ايجابية للتطلّع الى المعارف والعلوم والافكار، كما يمكن ان يستحيل بذرة تطرف نحو فكرة معينة تجره - من حيث لا يريد غالباً- الى ما يلحق الضرر بأبناء مجتمعه وأمته، وقبلهم افراد أسرته والمقربين منه.

 

البداية من الأسرة

اذا كانت هنالك عوامل ذات مدخلية في خلق ظاهرة التطرف، مثل المدرسة والجامعة والاعلام والتنظيمات والجماعات السياسية، فان الاسرة تبقى صاحبة التأثير الأكبر والمباشر، فمن الممكن ظهور شباب متطرفين لصالح قيمة دينية تنتمي اليها الأسرة، كما هو الحال في بعض المجتمعات الاسلامية التي أفرزت الانتحاريين والتكفيريين، كما يمكن ظهور شباب متطرفين بافكارهم في غير صالح المجتمع والامة بشكل عام، عندما يكون التطرّف عنواناً للتمرد وللعلاقة المختلّة بين افراد الأسرة، ولاسيما مع رب الأسرة.

إن المعروف عن العلاقة الأسرية تميزها عن سائر أنواع العلاقات بالسمة الحميمة والعاطفية والحميمية النابعة من ينبوع الفطرة الانسانية، فالأب والأم وحتى الأخ الأكبر إنما يقسون احياناً او يتخذون اجراءات شديدة ويتابعون تصرفات الصغار، بدافع الحرص على حاضر ومستقبل الصغار في السن من البنين والبنات، وهو ما لا يتوفر - على الاغلب- في سائر أنواع العلاقات مثل علاقات الصداقة والزمالة وغيرها.

وقد أشّر الخبراء والمتابعون في مجال التعليم على هذه النقطة بشكل مركز مؤكدين تأثير الأجواء الأسرية السليمة في وجود طالب مجد وذكي وذي نفسية مستقرة، مشبع بالعواطف والحنان، وبالعكس تماماً في حالة الطالب المشتت في فكره وذهنه وما ينعكس ذلك على مستواه الدراسي والسبب يعزوه فوراً الى التشتت العائلي والازمات العاطفية والأزمات العاصفة في محيط الأسرة.

وهذا يؤكد أكثر من أي وقت آخر على دور الأسرة في التنشئة الفكرية للأبناء وتمكينهم الذهني والعقلي لصياغة منظومة فكرية تواكب حياتهم تستقي جذورها من الثوابت والأصول، وبالنتيجة يكون الشاب ذا فكر معتدل يزن الامور والقضايا وفق معايير صحيحة بعيدة عن أي نوع من الانفعال والتسرّع.

ولن تتمكن الأسرة من توفير هذه الاجواء المساعدة لنمو فكري سليم، ما لم تتوفر لديها هي، أدوات البناء لهذا الفكر، فالاعتدال والاتزان المطلوب من الشباب، يتطلب في الوقت نفسه، اعتدالاً واتزاناً من الأبوين في طريقة الحديث مع ابنائهم، ومناقشة ما يريد الشاب طرحه من افكار مثل الحرية والإصلاح والتنمية والحديث عن المستقبل والتقاليد وغيرها من الامور ذات العلاقة ببناء شخصيته.

ويمكن الإشارة الى عدّة أمور في هذا المضمار:

أولاً: الصبر

فالمعروف عن الآباء في ظروف كالتي نعيشها اليوم، شعورهم الدائم بالارهاق البدني والذهني بسبب زحمة المشاغل والاهتمامات داخل وخارج البيت، مما يجعلهم في محيط الأسرة افراداً قليلي التحمّل وسريعي الغضب، وعندما يحصل أن يطرح الشاب او الشابة فكرة او قضية حساسة عن عمل البنات الخريجات من الجامعة، او العلاقات بين الجنسين في الجامعة او طرح افكار معينة، او ربما يصدر اعتراض من الشباب على شيء معين في البيت، فان هذا وغيره يكفي لأن يكون سبباً لإثارة الغضب والاستنكار من الأب او الأم، الامر الذي يتطلب إطالة حدود الصبر بغية التفهّم الكامل، للإيحاء الى الابناء أن لديهم الأذن الصاغية في الأسرة، وثمة من يحترم مشاعرهم ويستمع اليهم بأناة.

ثانياً: الوعي.

من المهم جداً تحلّي الكبار في الأسرة بدرجة جيدة من الوعي بمختلف شؤون الحياة، مما يمكنهم من التعامل مع المستجدات والتطورات المحيطة بالشباب، فالوعي الاجتماعي والثقافي وقبلهما؛ الديني، يوفّر على الابوين الوقت والجهد الذهني لمحاكاة الشباب ومعايشة اوضاعهم والاسهام في حلّ المشاكل والتحديات التي يواجهونها سواءً في الجامعة او في محيط العمل.

ثالثاً: النظرة الايجابية.

وبعكسها النظرة السلبية إزاء الشباب والتي من شأنها ان تكون من كبير الأسرة معولاً لهدم المشاعر والطموحات في نفوس الشباب، فعلى الكبار أن يتذكروا دائماً أصالة الحالة الايجابية لدى الشباب كونهم باحثين في هذه المرحلة العمرية عن الجديد في الحياة من خلال النظرة الايجابية الى مختلف شؤون الحياة، مع التذكير بمسؤولية الآباء بتقويم هذه النظرة وحمايتها من دخول بعض الشوائب تحت غطاء الايجابية والجمالية المثيرة لمشاعر الشباب.

 

الحالة النفسية والمنطقة الحرام!

بحث علماء النفس والمهتمين بالشأن التربوي أزمة التوافق الفكري بين الآباء والابناء، وكيف أن التباين في نمط ومستوى التفكير أسفر عن تمزقات خطيرة في العلاقات الأسرية تمثلت في انشقاق بعض الشباب عن كيان الأسرة او نشوب خلافات ومشاجرات، وفي أحسن الفروض؛ تحكّم حالة التشنج في العلاقة بين افراد العائلة على طول الخط. 

هذا المآل السلبي يدفع الشاب للبحث عن أجواء التوافق مع طريقة تفكيره وما يوفر له أجواء الاحترام والتقدير لشخصيته، وهنا يأتي دور بعض الجماعات والمؤسسات التي ترفع عناوين جميلة ومحببة لنفس الشاب مثل؛ التنمية البشرية والرياضة والفن وغيرها.

وكما هي الظواهر اللاأخلاقية التي تشكو منها بعض المجتمعات والبلاد بسبب ظهور شريحة من الشباب المتشظّي من أسر قاصرة ثقافياً وتربوياً، فان ظواهر التطرّف الفكري -هي الاخرى- تعبر عن ذات الحالة غير الطبيعية في أسر من هذه المواصفات، حيث الجفاء والإلغاء سيد الموقف في العلاقات الأسرية، ويكون من الصعب على الشاب او الشابة التعبير عن مشاعرهم وآرائهم في زمن يموج بالافكار والمعلومات السريعة عبر العالم بالصوت والصورة، بل إن مجرد الاصطدام بكتاب ما في البيت، او باتصال معين عبر وسائل التواصل الاجتماعي بما يسمى بـ «القروبات»، او حتى بحديث معين، يعدّ بحد ذاته كافياً لاتخاذ قرار صعب وغير سليم بالبحث عن مكان آخر أكثر هدوءاً وراحة، وهذا لا يتم دائماً بشكل مسموع، إنما يكون على الأغلب خلف جدار الصمت، وهو الاكثر خطورة.

نعم؛ ترد الكثير من الانتقادات على ما تروجه وسائل التواصل الاجتماعي وايضاً القنوات الفضائية والكتب وسائر وسائل التثقيف، ولكن؛ في نفس الوقت يجب ان نتذكر أن ما هو خاطئ لدينا، ربما يكون صحيحاً لدى الشاب او الشابة، بحكم التنوع في الاستيعاب والفهم والادراك، لنأخذ الطفل وتفاعله العميق مع مشاهد افلام الكارتون، حتى يكاد تجسيد ابطال القصة واحداثها داخل غرفته الصغيرة بحركاتها واصواته...! فهل يدفع هذا الابوين الى محو القنوات الخاصة بالاطفال؟

إن محاكاة فهم ومشاعر الشباب ليس بالأمر الهيّن، فهو يحتاج الى مستوى من الثقافة والمعرفة والاخلاق لاستقطاب الشباب، وتطمينهم بأن مشاعرهم و افكارهم محل عناية واحترام وتفهّم، ومن مصلحة الجميع التبادل الفكري والثقافي في أجواء ودّية يسودها الاحترام المتبادل.

وخير تجربة تفيدنا في هذا المجال، ما نُقل عن النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، أنه كان شديد الحرص على اختيار الكلمات الاكثر تناسباً مع افراد المجتمع، فلم يكن يختار - في كثير من الاحيان- الاسلوب المباشر في الارشاد لعلمه المسبق بتنفر النفس منه، ونُقل عنه، صلى الله عليه وآله، بأنه كان يعبّر عن حرمة عمل ما بـ «إني أكره هذا...».

هذا النوع من الاعراب عن مشاعر معينة من قبل الابوين أو كبار الأسرة، قطعاً يستتبع السؤال عن السبب من قبل الشباب وحتى الصغار في السنّ، وهو ما يفتح باب الحوار الهادئ بالدليل والبرهان، وربما خلال دقائق معدودة، يكون بالامكان تصحيح مسار تفكير معين او التخلّي عن فكرة خاطئة.

 

ثقافة القرآن الكريم

يمثل الخطاب القرآني نموذجاً متكاملاً للحوار الناجح بين افراد المجتمع لاعتماده العقل في طرح المسائل العقائدية وما يتعلق بالخالق والوجود، لان أعزّ ما عند الانسان هو عقله الذي يميّز له الصواب عن الخطأ، وبين الخير وبين الشر، ولذا نقرأ في غير سورة الاشارة الى العقل والتذكير والتفكير بصيغ مختلفة، مثال ذلك ما جاء في سورة البقرة في سياق الاجابة غير العقلانية للرافضين الرسالات الإلهية: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ}، والآية الأخرى في سورة يونس، عن ابتعاد الأمم عن السبيل المؤدي الى معرفة الخالق: {...أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}؟! وبذا نجد أن سبل المعرفة القرآنية تعتمد الاقناع بالدليل والبرهان، واذا ما فشل الانسان في الوصول الى هذه المعرفة، فانه لن يكون متطرفاً يدّعي صحّة ما يقول، إنما يكون كافراً وجاحداً، ويكون السبب في شقاء نفسه، كما يتحدث القرآن الكريم عن الأقوام التي تنكّرت لخطاب العقل وركبت رأسها واستجابت لأهوائها ومصالحها الآنية فكان مصيرها الى زوال.

ان مشكلة التطرف الفكري التي تعاني منها المجتمعات والشعوب في الوقت الحاضر، تدخّل السياسة والامن وحتى الاقتصاد لمعالجة ظاهرة ليست من اختصاصها، وربما يكون التجنيد الواسع لمواطنين من اوربا و اميركا في صفوف تنظيم «داعش» خير دليل على أن المشكلة ليست اقتصادية ولا سياسية، إنما هي اجتماعية - أسرية بامتياز، فالنجاح الذي حققه هذا التنظيم الارهابي في عقر دار الغرب، إنما جاء من خلال فشل الأسرة في الغرب من الحؤول دون تسرّب ابنائها الى مهاوي التطرف والارهاب ، ومن ثم الانتقام من المجتمع ومن الانسانية جمعاء. وهنا يقفز التساؤل عن حجم اهتمام الأسر في البلاد الاسلامية بالثقافة القرآنية، وليس بالقرآن الكريم تلاوةً وحفظاً؟

ان التلاوة والقراءة، مع ما لها من فضل وآثار عميقة على النفس، فان القراءة مع المذاكرة والمدارسة تترك آثاراً ذات ابعاد واسعة في حياة الفرد والمجتمع، لاسيما اذا رافقها الاستعانة بالكتب والمؤلفات التي تشرح الدلالات والمضامين القرآنية وتستخرج العبر منها، بما يسهل عملية رسم خريطة سليمة للتفكير.


ارسل لصديق