آفة الأسرة الآمنة الطلاق
كتبه: الشيخ علي الخزاعي
حرر في: 2017/02/13
القراءات: 206

ارتفاع نِسب الطلاق في بلادنا الإسلامية بشكل فظيع، يشكل ظاهرة اجتماعية خطيرة غير مسبوقة، رغم أن بعض الزيجات يجهدن انفسهن للعيش مع أزواج يتصفون بغلظ الكلام، وصعوبة المزاج، فيبدين الاحترام، ويبذلن من عليهنّ من الحقوق الزوجية، وهذا ربما لا يدلّ بالضرورة على خوف من الرجل، أو ضعف في شخصية المرأة، إنما دلالة على سمو أخلاقها وعمق إيمانها بالله، مما يجعلها مأجورة لديه - تعالى-، وأيضاً؛ تكون محترمة بين مجتمعها، بصبرها على سوء خُلق زوجها، وتحمّل بعض التصرفات والسلوكيات غير اللائقة منهُ.

هنا يقع التساؤل؛ عن السبب وراء انتشار الطلاق في مجتمعاتنا الإسلامية؟.

البحث عن الأسباب الحقيقية

لكل أثر مؤثر؛ فمَنْ الذي جعل كلمة الطلاق تنطلق على لسان بعض المتزوجين بسهولة؟

بحث العلماء والمختصون بالشأن الاجتماعي أسباباً عدّة لظاهرة الطلاق، نذكر منها:

أولاً: وجود المسلسلات المدبلجة في حرم الأسرة.

فيما يتعلق بالمسلسلات التلفزيونية، نستطيع القول: إنها تسهم في تفكيك الروابط الأسرية ولكن بنسب متفاوتة في حجم الضرر والمتضرر من أفراد الأسرة، مثل الولد أو البنت أو أحد الزوجين، وهؤلاء جميعهم أو بعضهم نجدهم - للأسف - يجعلون هذه المسلسلات ضيفاً عزيزاً عليهم في معظم الليالي، ويخصصون لها أوقاتاً غالية.

وقد كثرت التقارير والإحصائيات حول ارتفاع معدلات الطلاق في بلادنا بسبب انتشار المسلسلات المكسيكية والتركية وغيرها، حتى باتت توازي الأسباب الأخرى للطلاق، بسبب الإثارات الجنسية الرخيصة التي تنتهك حرمة العلاقات الزوجية المقدسة.

ثانياً: مواقع التواصل الاجتماعي.

صحيح أن لمواقع التواصل الاجتماعي فوائد لتبادل الأخبار والمعلومات المفيدة وبعض الإيجابيات، بيد أن المؤكد أيضاً انه يُعد عملة ذات وجهين لابد من الانتباه إلى الوجه السيئ منها، وهو الذي يتيح لجميع أفراد العائلة التواصل والاتصال بشكل عشوائي مع أي شخص يصادفهم على هذه الشبكة العنكبوتية، ومنهم بعض الزوجات اللاتي يقضين ساعات عديدة لوحدهن - أحياناً - ويكون الاتصال بدوافع مختلفة أحياناً؛ بدافع الفضول أو الاطلاع أو التعرف على بعض المعلومات وغير ذلك، بيد أن كل ذلك يصبّ في المحظور ومنزلق الانحراف الذي طالما ورد التحذير منه في النصوص الدينية، ومنها روايات المعصومين، عليهم السلام، فقد نهى رسول الله محمد، صلى الله عليه وآله، عن محادثة النساء مع غير المحرم عليها، قَاَلَ صلى الله عليه وآله: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ فَمَا مِنْ رَجُلٍ خَلَا بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ الشَّيْطَانُ ثَالِثَهُمَا»؛ والخلوة الحديثة هذا الزمان هي المواقع المتوفرة من خلال الهاتف الجوال، بعد أن كانت الخلوة في غرفة مغلقة، وعن الإمام جعفر الصادق، عليه السلام، أنهُ قَاَلَ: «حَدِيثُ النِّسَاءِ مِنْ‏ مَصَائِدِ الشَّيْطَانِ».

ثالثاً: التدخّل السلبي في حياة الزوجين.

من المعروف أن المجتمع العربي والإسلامي يتميّز بوجود تماسك أسري يجعل المتزوجين حديثاً محميين من أي انحراف أو أزمة في حياتهم، بوجود الأب والأم وحتى الأعمام والأخوال للطرفين، فالجميع يمثلون الجدار الذي يستند إليه الشباب المتزوجون حديثاً والحديثي العهد بالمسائل الزوجية والاجتماعية.

 يُقال كانت العرب تنصح البنت في ليلة زفافها بما يفيدها في حياتها، ومما ينقل أن امرأة من نساء العرب أوصت ابنتها ليلة زواجها، وقالت لها: «لو تُركت الوصية لأحد لحُسن أدب، وكرم حسب، لتركتها لكِ، ولكنها تذكرة للغافل ومئونة للعاقل، إنكَ قد خلفت العش الذي فيه درجت، والوكر الذي منه خرجت إلى منزل لم تعرفيه وقرين لم تألفيه فكوني له أمة يكن لك عبداً...»، إلى آخر المقال.

أما اليوم - للأسف - نلاحظ التوجيه السلبي يصدر من الأقارب، سواءً للزوج أو للزوجة، بما من شأنه أن قطع الوشائج الرقيقة وخنق الحب الحديث النشوء بين المتزوجين، وبالنتيجة تنمو الكراهية والأنانية والتنافر ثم الانفصال في نهاية المطاف.

هذه من جملة الأسباب المؤثرة في انتشار حالات الطلاق في المجتمع، وربما هنالك أسباب أخرى لها علاقة بالوضع الاقتصادي أو الصحي أو النفسي، بيد أن الملاحظ أن البعض من الباحثين يسعى لأن يقحم سبباً آخر تحت عنوان: «الزواج المبكر» بدعوى صعوبة إيجاد التفاهم بين زوجين صغيرين في السن.

والذي يفند هذا الرأي ما جاءت به الروايات الشريفة من تأكيد على فوائد الزواج المبكر، فقد جاء عَنْ أبي عبد اللهِ، عليه السلام، قال: «مَنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ أنْ لِا تَطْمَثَ ابْنَتُهُ فِي بَيْتِهِ»؛ أي لا تحيض، وجاء ايضاً عنه، عليه السلام: «إنَّ اللهَ عَزَّ وجلَّ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئاً مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ إلّا عَلّمَهُ نَبِيَّهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلهِ وَسلمْ، فَكَانَ مِنْ تَعْلِيمِهِ إيَّاهُ أنَّهُ صَعِدَ الْمِنْبَرَ ذَاتَ يَوْم فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ جَبْرَئِيلَ أَتَانِي عَنِ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ فَقَالَ: إِنَ‏ الْأَبْكَارَ بِمَنْزِلَةِ الثَّمَرِ عَلَى الشَّجَرِ، إِذَا أَدْرَكَ ثَمَرُهُ فَلَمْ يُجْتَنَ، أَفْسَدَتْهُ الشَّمْسُ، وَنَثَرَتْهُ الرِّيَاحُ، وَكَذَلِكَ الْأَبْكَارُ، إِذَا أَدْرَكْنَ مَا يُدْرِكُ النِّسَاءُ فَلَيْسَ لَهُنَّ دَوَاءٌ إِلَّا الْبُعُولَةُ، وَإِلَّا لَمْ يُؤْمَنْ عَلَيْهِنَّ الْفَسَادُ لِأَنَّهُنَّ بَشَرٌ، قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنْ نُزَوِّجُ، فَقَالَ: (الْأَكْفَاءَ) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنِ الْأَكْفَاءُ، فَقَالَ: الْمُؤْمِنُونَ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ، الْمُؤْمِنُونَ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ».

جَاَءَ في كتابٍ «ما وراء الفقه»، لآية الله الشهيد السيد محمد محمد صادق الصدر - قدس سره - يقول: «الزواج المبكر: وهو ما أكد عليه قادة الإسلام في النصوص الواردة عنهم سلام الله عليهم. وهو - في حكمته - يندرج في الحث على زيادة الذرية التي يكاثر ويفاخر بها رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، يوم القيامة. لوضوح أنه كلما كان الزواج أبطأ أو ابعد كانت الفرصة للإنجاب اقل، لا من حيث الزمان فقط، بل من حيث صحة الوالدين أيضاً وقابليتها للإنجاب».

 

الأسرة والقدوة الحسنة

لم يعد خافياً؛ حرص الإسلام على بناء شخصية المرأة والحفاظ على كرامتها وحقوقها، بينما نلاحظ بالمقابل؛ الثقافة الغربية التي تدّعي الدفاع عن المرأة وحقوقها، فإنها تتجه دائماً إلى جعل المرأة مجرد سلعة تجارية تدر الأرباح، من خلال إظهار مفاتنها في مجالات عدّة منها؛ السينما والتلفزيون والاستعراضات الهابطة فنياً والتسويق التجاري.

إن الإسلام يرى في المرأة نقطة الانطلاق إلى التقدم، كما يُشاع بيننا المقولة:

«وراء كل عظيم امرأة»؛ هذه العظمة لم تأت من فراغ لولا وجود رموز عظيمة تقتدي بها المرأة المسلمة، مثل رسول الله، محمد صلى الله عليه وآله، وسلم مما يدعو المجتمع للـتأسّي به والاقتداء بنهجه، وكيف أسس لنظام اجتماعي وكيان أسري، وشدد على الزواج من خلال تخفيف المهور، واعتماد معيار الأخلاق والإيمان لاختيار الزوج.

والقدوة الأخرى للمرأة المسلمة؛ الصديقة الزهراء، عليها السلام، فما أجدر بالزوجات في مجتمعنا بأن تتخذ سيدتنا فاطمة الزهراء، عليها السلام، أسوةُ لها.

كانت، عليها السلام، شاكرة ربها عند الرخاء، راضية بقضاء الله - تعالى - ومن سماتها الحميدة؛ الجود والإحسان والسَّخاء، فقد ظلّت فاطمة الزهراء، عليها السلام، طيلة حياتها مع زوجها؛ وتربيَّت أولادها ؛ وذابت في حبهما كما تذوب الشموع.

ولم تكتفِ بهذا حتى سألت بعلها أمير المؤمنين عليَّاً، عليه السلام، - حتى يطمئنَّ قلبها - عندما أحست نعيت إليها نفسها قالت عليها السلام: «يَا ابْنَ عَمِّ، مَا عَهِدْتَنِي كَاذِبَةً، وَلَا خَائِنَةً، وَلَا خَالَفْتُكَ مُنْذُ عَاشَرْتَنِي»؟!. فقال، عليه السلام: «مَعَاذَ اللَّهِ أَنْتِ أَعْلَمُ بِاللَّه».

وفي الختام؛ نجد أن كل الفرص متوفرة اليوم أمام المرأة (الزوجة) لتحقيق السعاد الزوجية والابتعاد عن مواطن النزاع والشقاق وانهيار الحياة الزوجية، يبقى الإرادة التي يجب أن توفرها المرأة في نفسها.


ارسل لصديق