الأمة والفهم الواقعي لحِكم التَشريع
كتبه: أنور عزّالدين
حرر في: 2017/02/13
القراءات: 108

نقطة بداية التفكير القيمي في الشريعة الإسلامية، هي البحث عن أُمّ القيم، أو قيمة القيم، لتمثل لنا قمة الهرم الذي تنساب منه بقية القيم، وهي النقطة التي بدأت منها كثير من المدارس الأخلاقية، التي بحثت عن جوهر الأخلاق، فنجده عند المسيحية الحب، وعند الزرادشتية المسؤولية، وعند الكونفشيوسية البرّ بالآباء.

أما المذاهب الحديثة، فقال (كانت): سيادة الغايات، وأن تجعل إرادتك متفقة مع إرادات الآخرين، وتحافظ على كرامة البشر، وعند (كير كيجارد): هي قلق داخلي، وأصلها الإيمان الخالص، وعند (توماس مور): التماثل الرياضي، وعند (هوبز): الاهتمام بالدوافع والمنفرات، وعند (دي ميستر): تحديد القيمة حسب المردود، وعند (متشنيكوف): التضامن المنفعي، وعند (فرويد): إطلاق الحرية الجنسية وفك عقدها، وعند (نيتشه): الحيوية الفردية والحياة لمن غلب، وعند (هيوم): حساسية فيزيائية تصنعها التربية، وعند (راو): الفاعلية (تجربة ذاتية)، وعند (برغسون): الاندفاع الذي يقاوم به الإنسان جبر المادية، وعند (سارتر): ممارسة الحرية الذاتية، شريطة أن تكتمل بممارسة الآخرين لحرياتهم.

وهكذا نجد أن كل مذهب من المذاهب، يختار مرتكَزاً ليكون الأساس للبناء الأخلاقي والسلوكي، فالقيمة العليا وجوهر الأخلاق هو المحور الذي تدور حوله بقية القيم، مُشكِّلةً فيما بينها منظومة قيمية متكاملة، تُبنى على أساسها المواقف، وتُحدَّد على ضوئها الاتجاهات، وبغياب هذه القيمة أو فقدانها، ينفرط عقد القيم وتضيع معها الأولويات.

ومن هنا، كان البحث عن أُمّ القيم ضرورةً تفرضها الطبيعة المنهجية، فلا يمكن الكلام عن نظام قيمي شرعي، من دون الإجابة على هذا السؤال؛ ما هي قيمة القيم في التشريع الإسلامي؟

في قمة الهرم القيمي يتجلى نور التوحيد، ومن ثم أسماء الله الحسنى، وبعدها يأتي دور الإيمان كصلة بين الحق والخلق، ومن الإيمان تجري روافد القيم، لأن الإيمان في واقعه هو التسليم للحق، وفي البدء التسليم للحي القيوم الذي به قامت السماوات والأرض، ثم التسليم لأسمائه الحسنى التي تتجلى في سننه، وفي الخليقة، وفي الشريعة وحدود أحكامها.

 أما كيف يتحقق ذلك؟

إذا نظرنا لحقيقة الإيمان، نجد أنه في الواقع تعبير عن الاعتراف بالحق، وإن العقل هو مصدر إيماننا به؛ لأن العقل الذي يثق بذاته حين يكشف عن حقيقة لا يرتاب فيها، حينئذ يتحقق الاعتراف بوجودها، بما للاعتراف من أبعاد وامتدادات، فحين تؤمن بوجود شخص لابد أن تعترف بحقه في الحياة، وحقه في أن يشغل حيزاً من الأرض، وحقه في أن يتنفس وأن يفكر وأن ينطق، هكذا أيضاً حين نعترف بالله وبأسمائه، وبالشمس والأرض والحياة، فنشرع في بناء الحقوق الموضوعية، ويُعد هذا الاعتراف بذرة الحق في أرض القانون.

وعليه، يصبح الإيمان «قيمة القيم»، وعندما نقول: الإيمان؛ نقصد كلا جانبيه؛ الإيمان بالغيب، والإيمان بالشهود، أو حقوق الله وحقوق الناس؛ أما حق الله، فهو الذي يضفي على الإنسان قيم التسامي والطموح نحو الكمال، وهو حق العبادة التي تتفرع منها بقية القيم العبادية، أما حقوق الناس فهي التي تخلق الانسجام مع الآخر، بحيث تصبح حركة التكامل صفة جماعية لا تعوقها تصادم الإرادات البشرية.

أما كيف تتدرج بقية القيم من الإيمان، فإني أكتفي بنقل ما ذكره سماحة السيد المرجع المدرسي في كتابه «التشريع الإسلامي»، كنماذج لكيفية تدرج القيم من الإيمان.

يقول: «وكلمة الفصل في معرفة أُمّ القيم وجوهر الأخلاق، وأُمّ الفضائل أنها الإيمان، وأبسط تعريف له، تقبُّلُ الحق كله، والتسليم له طوعاً، ويتشعب من الإيمان: الحب، والعدل، والحياة؟» ومن كل شعبة تفيض قيم أخرى حسب التفصيل التالي:

أ/ الحب:

إن أعظم تطلّع عند النفس تجاوزها، وقد فُطرت النفس البشرية على أن رسالتها الأولى تتمثل في التكامل بها، إلى حيث نفي ذاتها لمصلحة ذات أخرى، أو لا أقل بالتحول من حالها إلى حالة أسمى. وهذا مصدر حب الله سبحانه، والانجذاب إلى جماله وكماله، والبحث عن أية وسيلة للتقرب إليه زلفى.

ومن الحب؛ الإحسان إلى الآخرين (الأديان السماوية)، والبرّ بالآباء (كونفوشيوس)، والزهد والتبسيط (الطاوية)، وتربية الذات على الطهارة والتنسك والعدل (فيثاغورس)، حب الله وحب الغير (المسيحية)، ولعلّ هدف المذاهب الصوفية كان في البدء تعميق هذا الأصل في روح الإنسان، ولكنهم شطّوا فيه إلى الحالة العدمية، فمثلاً، تبدو الأخلاقية (عند البوذية) وسيلة تقنية، مهمتها تدمير الذات لكل ميل متمركز حول الفرد، وكل تطلّع إلى امتلاك حياة شخصية، حتى يصل المرء إلى (النيرفان) أو (العدم المحض- الوجود الأعلى)، كما تفيض من هذه القيمة العيش مع الآخرين، يقول كانت: «الحب مبدأً والنظام أساساً والتقدم هدفاً»، ولذّة الصداقة (أبيقور)، واللذّة الأسمى؛ الإخلاص للآخرين (النفعية)، وإشراك الآخرين في الخير (أخلاقيات أمريكا)، وفاعلية العطاء وتجاوز الذات (برغسون)، والعمل المفيد للفرد وللمجتمع وللكون (وليم جيمس).

جاء في الحديث الشريف: (وهل الدين إلا الحب)، وقال تعالى:

{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ}، (سورة آل عمران: 21)، وقال:

{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}، (سورة المائدة: 54)، وقال:

 ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ، (سورة البقرة: 165).

ب/ العدل:

ومعناه أن تُقسط للناس في حقوقهم، ولا تبخس منها شيئاً، وإعطاء كل جانب من الحياة حقه، وذلك كله انطلاقاً من قيمة الإيمان، فما دام البشر مؤمناً بالله سبحانه، وبما خلق، وبكل حق في العالم، فهو معترف بحق الناس وحرمتهم، وملتزم سلفاً بالوفاء بهذا الحق، كما هو معترف بحق جسده وروحه وعقله، وبالنسبة إلى مختلف الحاجات معترف بحقها كل بقدره، (مثلاً الطعام والشراب والسكنى والجنس والترفيه و...).

وهذه هي (العدالة) التي عدّها أفلاطون حاكمة على عالم المثل، ولا بد من تطبيقها على الأرض، عدّها أرسطو القيمة الأولى من قيمه الثلاث (بالإضافة إلى العقل والحب)، ولعلها (العدالة) هي مراد أبيقور، في الحياة المتوازنة، إذ إن التوازن بين سائر اللذّات نوع من العدالة الفردية (الاعتدال في السلوك).

ويبدو أن هوبز اتخذ من أبيقور هذه النظرة، حين دعا إلى إيجاد التوازن بين الشهوات الجزئية، كما جعلتها اليهودية الأصل الثاني (بعد طهارة القلب)، وعدّتها المسيحية أقل الواجب.

أما المذاهب الأخلاقية الحديثة، فقد أشادت بها، وإن اختلفت في تبريرها، فقد اعتقد كانت (بسيادة الغايات) وأن يجعل الإنسان إرادته متفقة مع إرادات الآخرين، والتضامن المنفعي عند (متشنيكوف) والذي عدّهُ ذروة السعادة إنما هو جانب من جوانب العدالة، والنظرات السائدة في أميركا (الواقعية)، تدعو إلى إيجاد توازن بين مختلف الحقوق والقيم (رسكو باوند مثلاً(، أما القرآن الحكيم فقد عدّ العدالة هدف الرسالات، حيث قال ربنا سبحانه:

{لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}، (سورة الحديد: 25)، وقال عن العدالة حتى مع الأعداء:

{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ للهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى}، (سورة المائدة: 8).

ج/ الحياة:

 الإيمان بالله سبحانه، وبأسمائه الحسنى، يثير في الإنسان تطلّعه الفطري نحو الكمال، والتخلق بصفات الرب، والتوسل بأسمائه إليه، ومن ثَمَّ يزيده اندفاعاً نحو التسامي، على أن حب الله وحب عباده يحفزه نحو العطاء أكثر فأكثر، كما أن العدالة تفتح الطريق أمامه للتحرك بفاعلية كبيرة.

إن هذه الحيوية، هي جوهر المذاهب الأخلاقية، التي سُمّيت بالفاعلية، وأبرزتها المزدكية (المجوسية)، حيث تمحورت فلسفتها حول دور الإنسان في إعادة الكون إلى سابق صلاحه، وأن كل فعل من أفعالنا يمكنه أن يؤثر في المعركة، حيث الخير هو ما يخدم قضية (اهورا مزدا) إله الخير، وحتى عند الأبيقورية والمذاهب التي تشيد باللذة كتبرير للأخلاق، نجد اهتماماً بممارسة الحياة. أما في اليهودية، فلعلنا نجدها في وصيتها بالصحة العامة والخلاص، أما في المسيحية فلعلها تتجلى في السياحة. أما في الإسلام، فإنها تظهر في صور شتّى أبرزها الجهاد (حيث قمة الفاعلية)، بينما كان لها نصيب وافر في المذاهب الأخلاقية الحديثة (التي سميت بالفاعلية)، فقد زعم نيتشة: أن جوهر الأخلاق يتمثل في الحيوية الفردية، وأشاد بالفاتحين أيما إشادة، وزعم راو: أن التجربة الشخصية تجعل الإنسان أقرب إلى القيم المثلى، وقد عدَّ بلونديل: الفاعلية قمة القيم، واعتقد أنها تأتي نتيجة إحساس الإنسان بالنقص، وممارسة الحرية عند سارتر (الوجودية) تعبير عن هذه النظرة.

والتقدم الذي عدّهُ الكثير (كانت مثلاً) أصل القيم وهدف القانون، هو الآخر نتيجة الفاعلية، وقد عدَّ سان سيمون: أصل القيم؛ الإخلاص للعمل الهادف، واستثمار خيرات الأرض لخير الجميع، وهو تعبير آخر عن التقدم، وقد استوحت المذاهب الاشتراكية هذه الفكرة منه، أما الفلسفة السائدة في أميركا والتي تقدس الإنتاج، فقد كانت نتيجة المذهب النفعي (وليم جيمس) ومنه الكالفانية.

وقد جاء في القرآن:

﴿وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ، (سورة الحج: 78)، واعتبر الجهاد سبيلاً للهداية، وقال ربنا سبحانه:

{وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}، (سورة العنكبوت: 69)، وجعل شرط الحب الاتّباع:

{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ}، (سورة آل عمران: 31)، وجعل الهداية إلى سبل السلام مشروطة باتّباع رضوانه، فقال سبحانه:

{يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ}، (سورة المائدة: 16).

ومن هنا نكتشف، أن الإسلام هو الإطار الجامع لكل القيم التي نادت بها الأديان والمذاهب الفلسفية، فلم يؤكد الإسلام على تلك القيم فحسب، وإنما قام بتنظيمها وترتيبها وبيان الأولويات بينها، وبذلك لا يمكن أن نجد فهماً ينسجم مع حقيقة الدين، إلا ذلك الفهم الذي يخلق أمام الإنسان كل فرص التكامل.

فبالقيم يتجلى الله لخلقه عبر أسمائه، فيكون كل اسم منها في الحقيقة ينبوعاً لقيم سامية تؤسس لنا فهماً لسنن الكون، ووعياً لقيم الشريعة، كل ذلك يكون متاحاً إذا اتخذنا القرآن منطلقاً وتدبرنا في آياته، فننطلق من القرآن لنشرف على الواقع، ونعود إليه في تفاعل دائم لا ينقطع، وحينئذ يكون القرآن حاضراً بما فيه من قيم في كل أبعاد وجودنا.

والفهم القشري الذي يفرغ الدين من محتواه، هو ذاته الفهم الذي يهمل قيم الدين وحِكم التشريع، فيتحول الدين بدونها إلى مجرد واقع فرضته الظروف التاريخية، حتى أصبح جزءاً من التقليد الاجتماعي، والفولكلور الشعبي، وهذا الحكم القاسي ليس نتاج تمرد على واقع الدين، وإنما تمرد على واقع الإنسان المسلم.

وقد عملت المذاهب الإسلامية التي ولدت في أحضان السلطة السياسية والنظم الشمولية، على تكريس حالة الوعي السلبي للإسلام، بوصفه الوعي الذي تنمو وتترعرع فيه النظم الطاغوتية، أما الوعي الذي يتحول به الإسلام إلى قيم سامية يتفاعل بها الفرد والجماعة، هو الوعي الذي يشكل قطيعة حقيقية بين الإنسان المسلم الطامح للكمال، وبين الواقع السياسي الذي يعوق مسيرة الإنسان؛ لأن قيمة العدل، والحرية، والمساواة، والكرامة .. وغيرها من القيم، تكون حينئذ هي التي تمثل الانتماء الحقيقي للإنسان المسلم.

ومن هنا، فإن فلسفة الإسلام إذا كانت هي فتح الطريق أمام الإنسان ليتكامل، فلا بد أن يكون وعينا بالإسلام في إطار القيم التي تحقق هذا التكامل.

من هنا يبدو أن التكامل الذي يمثل سبب الخلق وفلسفة الوجود، لا بد أن يكون معياراً لضبط حركة الإنسان المسلم، على مستوى السلوك وعلى المستوى العلمي والثقافي، وبهذا الشكل يتحول الإنسان المسلم إلى طاقة إيجابية فاعلة في كل ميادين الحياة، ويتحول الإسلام بكل عقائده وأحكامه وتعليماته، إلى قيم تشكل وقوداً لانطلاقة الإنسان دوماً إلى الأمام، ومن هنا لا بد أن نحقق معياراً جديداً لتقييم ما توارثته المذاهب من تصورات وأفكار، حتى يتم تقييمُها وفرزُها بناءً على مدى مساهمة هذه الفكرة أو هذه العقيدة، في توفير فرص تكامل الإنسان على مستوى الفرد أو الأمة.


ارسل لصديق