كيف يحمي العلماء أنفسهم؟!
كتبه: محمد هادي علم الدين
حرر في: 2017/02/13
القراءات: 133

القدرات العسكرية والشركات العالمية الضخمة وأجهزة المخابرات ومؤسسات الأعلام وغيرها، توحي للناس في كل مكان أن رجل السلطة والحكم الذي يمتلك عوامل القوة هذه، ولو بدرجات متفاوتة، هو وحده القادر على التأثير على حياتهم وتوجيهها بالشكل الذي يريد؛ فهذا الوجه الاول للصورة، أما الوجه الآخر؛ فهو العلم والمعرفة وأصحابها، إذ لولا العلم ومسيرة تطوره، لما كانت لعناصر القوة تلك، التأثير الذي تتبجح به اليوم، إنما القضية في عامل الإثارة والتحكّم الآني في الحياة، ولعل هذا يفسّر ظاهرة الاحترام والتفخيم لصاحب مصنع او شركة تجارية او ضابط عسكري كبير، اذا كان يسير في الشارع او في مجلس من المجالس، بينما التجاهل يكون من نصيب عالم كبير في الكيمياء او الهندسة او اللغة، مهما بلغت درجته العلمية وكانت الحاجة اليه ضرورية.

ولمعرفة الانظمة السياسية في معظم بلاد العالم بحقيقة المكانة التي يحظى بها العالم في البناء الحضاري وفي مصير الدولة والمجتمع، فإنها تسعى دائماً لإبعاد العالم عن الأضواء وعن أعين الرأي العام أولاً؛ ثم محاولة توجيه القدرات العلمية نحو مسارات ربما تبتعد عن الأهداف النبيلة والإنسانية.

ولأجل ذلك نرصد صراعاً عنيفاً وخفياً في آن، بين أهل العلم وأهل السلطة على مر التاريخ، وأين ما نقرأ عن ظهور جبابرة وطغاة، نرى ظلال علماء السوء بالقرب منهم، وأين ما نقرأ عن حروب كارثية رهيبة، مثل الحرب العالمية الأولى وبعدها الثانية، وحتى الحروب الضروس التي تطحن الملايين في عالم اليوم، علينا رصد بصمات العلماء على التقنيات المذهلة في الطيران الحربي والأسلحة الموجهة بالليزر والدبابات والمدرعات ومختلف اشكال القنابل ومعدات الاتصال والهندسة العسكرية وغيرها.

بالمقابل، أين ما نقرأ عن ثورات تحررية كبرى في العالم قصمت ظهور قوى عالمية وأطاحت بأنظمة سياسية عتيدة، لابد أن نرى الطليعة العلمائية في مقدمة هذه الثورات، فقد أعطت من علمها ومعرفتها وثقافتها لجموع الطامحين الى الحرية والكرامة ففعلوا المستحيلات، كما حصل في الهند مع غاندي، وفي عراق ثورة العشرين مع الامام الشيرازي، وفي ايران مع الامام الخميني الراحل، والأمثال عديدة في هذا المجال.

كل هذا يضع العالم في الدين والدنيا على المحك في مواجهة مفتوحة؛ إما غالب أو مغلوب؛ إما الانتصار للعلم ثم الانتصار لطموحات الأمة والغايات النبيلة والسامية، وإما الهزيمة أمام السلطة والتحول الى عربة تجر موتى الحروب والمعارك الأهلية والخارجية.

هنالك عدة مخارج للعالم الى سبيل النجاة بنفسه وبعلمه وتحقيق الاستقلال المنشود للعالم بعيداً عن ضغوط الحكام ومصالحهم، منها:

أولاً: العلم قيمة اجتماعية

اذا اكتسب العلم قيمة ذاتية ثم اجتماعية، بإمكانه ان يكون محور استقطاب قدرات الجماهير بدلاً من المال والسلطة.

وقد اتفق معظم المفكرين على أن العلم وحده، هو الذي يحدد قيمة الانسان وليس المال، وإنما أكد الإسلام على العلم كمحور لحركة الانسان في الحياة، كون الحضارة البشرية قائمة على قاعدة العلم، ولذا منح الإسلام العلم قيمة اجتماعية رفيعة ليكون العلم والعلماء هم محور استقطاب المجتمع، بعيداً عن تأثيرات وضغوطات الثروة والقوة.

لقد استفاد الشعب الياباني من هذه المعادلة بالوقوف صفاً واحداً الى جانب العلم، فظهر الإبداع والتطور التقني المذهل الذي حيّر العالم، علماً أن اليابان، كبلد، يُعد من البلدان الفقيرة من حيث الثروات المعدنية، بيد أنهم حولوا فقرهم هذا الى غنىً بمنح المعلم في المرحلة الابتدائية، حقوقاً تساوي حقوق الوزير في الدولة!

وهذا يعني - مما يعنيه - مكافحة الأمية والتخلف من الجذور وبشكل قاطع من بنيان المجتمع، ولطالما دعا الإسلام الى ذلك، وحثّ النبي الأكرم والأئمة المعصومون، عليهم السلام، على أن يكون هذا من نصيب المسلمين ولا يسبقهم اليه غيرهم.

وفي هذا الاتجاه، وردت أحاديث كُثر عن قيمة العلم في حياة الانسان والمجتمع، ففي أحدى وصايا النبي الأكرم لأمير المؤمنين: «يا عليّ؛ لا فقر أشد من الجهل»، ويمثل الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله العلماء كنجوم السماء يُهتدى بهم في ظلمات البر والبحر، يقول: «ان مثل العلماء في الارض كالنجوم في السماء يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فاذا طُمست أوشك أن تضل الهداة».

ثانياً: العلم والنزاهة

عندما يكون للعلم كل هذا التأثير على الحياة، نعرف أن النزاهة يجب ان تتجه الى العلماء قبل الحكام، لأن «اذا فسد العالِم فسد العالَم»، ولعل هذا يفسّر الحكمة من تقديم التربية على التعليم في مسمّى الوزارة المختّصة بهذا الشأن.

فعندما ينحني الطالب الجامعي أمام إرادات الحكومات وأصحاب الشركات التجارية الكبرى او مصانع السلاح، فانه بذلك يبيع علمه ومواهبه وذكاؤه لأصحاب مصالح شخصية ربما تكون على حساب صحة وسلامة الملايين او حتى على حساب حياتهم.

من أجل ذلك أكدت النصوص الدينية على ضرورة نظافة نوايا ودوافع طالب العلم، بأن طلب العلم عنده لوجه الله - تعالى- وحينما يكون كذلك، من الطبيعي أن يتجه علمه نحو خدمة أبناء شعبه وأمته، فالله - تعالى- يأمر بالعدل والإحسان، فالفطرة السليمة والضمير الحيّ والقلب النظيف يدفع العالم، بأي اختصاص كان، لأن يكون في خدمة الانسان لا في ضرره.

ولعلنا نكون أمام لوحة رائعة تحمل أصناف أهل العلم، رسمها أمير المؤمنين، عليه السلام، في حديثه المروي عن طلاب العلم واختلاف أحوالهم:

«طلبة هذا العلم على ثلاثة أصناف، ألا فاعرفوهم بصفاتهم وأعيانهم: صنف منهم يتعلمون للمراء والجهل، وصنف يتعلمون للاستطالة والختل، وصنف منهم يتعلمون للفقه والعقل. فأما صاحب المراء والجهل، تراه مؤذياً ممارياً - مجادلاً - للرجال في أندية المقال، قد تسربل بالخشوع وتخلّى عن الورع، فدقّ الله من هذا حيزومه - أي قصم ظهره - وقطع منه خيشومه - أي أرغم أنفه -. وأما صاحب الاستطالة والختل، فانه يستطيل على أشباهه من أشكاله، ويتواضع للأغنياء من دونهم، فهو لحلوائهم هاضم، ولدينه حاطم، فأعمى الله من هذا بصره وقطع من آثار العلماء أثره. وأما صاحب الفقه والعقل، تراه ذا كآبة وحزن، قد قام الليل في حندسه خائفاً وجلاً من كل أحد إلا من كل ثقة من إخوانه، فشدّ الله من هذا أركانه، وأعطاه يوم القيامة أمانه».

ثالثاً: التمايز عن علماء السوء

للأمم تجارب مريرة مع علماء السوء الذين باعوا علمهم بأبخس الأثمان لقاء وصلة الحاكم والحصول على حفنة من الاموال او بلوغ المرتبة الأعلى إرضاءً لنزعة الاستعلاء والشهرة. لذا فان الاسلام يشن حملة عنيفة ضد علماء السوء ويحذرنا من مغبة انتشارهم وتكرار تجاربهم مع الشعوب والأجيال.

ولفضح علماء السوء وتعريتهم أمام الناس، يعطي الإسلام للمجتمع قيماً ثابتة وواضحة يستطيعون عبرها التعرف على علماء السوء، بغية تمييزهم عن الصالحين، ومن ثم طردهم من الساحة نهائياً.

والقرآن الكريم يضرب لنا أمثالاً تاريخية لعلماء السوء، فسمّى بعضهم «كلباً»، وآخر «حماراً»!، يقول الله - تعالى- عن بلعم بن باعورا، العالم المعروف في بني إسرائيل صاحب الإسم الأعظم، الذي استخدم علمه لضرب نبي الله موسى، عليه السلام، ورسالته: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}. (سورة الأعراف: 175-176)

ولكن؛ من هم علماء السوء؟ وكيف نعرفهم بشكل محدد؟

تقدم لنا السنّة الشريفة ثُلة من الاحاديث تهدف ذات الهدف القرآني وهو فصل علماء السوء عن المجتمع وتحذيره منهم، ففي الحديث عن الامام علي، عليه السلام، أن رسول الله، صلى الله عليه وآله قال: «العلماء رجلان؛ رجل عالم أخذ بعلمه فهذا ناج، وعالم تارك لعلمه فهو هالك، وإن أهل النار ليتأذون من ريح العالم التارك لعلمه، وإن أشدّ أهل النار ندامة وحسرة رجل دعا عبداً الى الله - عزّوجل - فاستجاب له وقبل منه، فأطاع الله فأدخله الله الجنة، وأدخل الداعي النار بتركه علمه واتباعه الهوى». ثم قال عليه السلام: «ألا إن أخوف ما أخاف عليكم خصلتان؛ اتباع الهوى وطول الأمل، أما اتباع الهوى فيصدّ عن الحق، وطول الأمل ينسّى الآخرة».

فالإمام، عليه السلام، يشير هنا الى السبب الذي يدعو العالم الى ترك علمه، وهو اتباع الهوى وطول الأمل، فالعالم الذي يعلم أن الموت وراءه، لا يفكر ابداً بالانحراف. ولا ننسى أن الهلاك والدمار الذي يسببه العلم المنحرف عن هدفه النبيل، لن يستثني العالم، مهما ضمن لنفسه الامتيازات والقرب من السلطة والحكم، وربما تكون عاقبته أدهى وأمر لأنه سيكون لعنة التاريخ والأجيال.


ارسل لصديق