دخان العنف ومِنحة الأمان
كتبه: رئيس التحرير
حرر في: 2017/03/25
القراءات: 244

طيلة نحو قرن من الزمن حاول حكام الانظمة الديكتاتورية تثقيف الشعوب على أن الحصول على شيء يتم مقابل شيء آخر؛فكما الخبز والغِنى والمُلك، فان الأمان من هبات الزعيم والرئيس مقابل تحقيق الأمان له ولنظام حكمه، كما أن العمل والسكن وسائر الامتيازات وسبل العيش الطبيعية مرهونة بالولاء والانتماء له، او السكوت عنه،وهكذا؛ عاشت الشعوب في ظل حياة ميكانيكية؛ يومها يشبه أمسها، وتستنسخ أياماً قادمة، فالطالب في مدرسته والموظف في دائرته الحكومية والعامل في مصنعه والمزارع في حقله، والكاسب والتاجر في الاسواق.

ولكن؛ ما إن يستيقظ الزعيم على وعي الناس بحقوقهم وأنهم كانوا يعيشون وهم الأمان والاستقرار، وأنهم يريدون الإصلاح والتغيير نحو الأحسن، حتى وإن كان من خلال المرور بالقصور الرئاسية،نراه ينتقم بإضرام نار العنف في هذا الأمان، فأي مطالبة بالحرية او المشاركة الحقيقية باتخاذ القرار (الديمقراطية) او توفير فرص العمل أو حتى تحسين مستوى الخدمات، نجد الجواب سريعاً في رسالة عنيفة ودموية، بأن الثمن غالٍ جداً وهو فقدان الأمان والاستقرار، إذ ليس من قاموس السلطة - على الأغلب - مفردة الحقوق بمعزل عن مفردة الأمان، كما هو الملاحظ في الغرب او الدول المتقدمة - بعض الشيء - ديمقراطياً، حيث تطالب الشعوب هناك بتغييرات وإصلاحات وهي تعيش الأمن والاستقرار، وإن حصل بعض الاضطراب في حياتها بفعل «الارهاب» فان اصابع الاتهام توجه فوراً الى الخارج، ومن يريدون «تغيير نمط الحياة» كما تحدث عن هذا، معظم زعماء الغرب تعليقاً على أعمال القتل التي تمارسها الجماعات المتطرفة في بلادهم، والتي تستّرت بنظرية «الدولة الإسلامية».

ولتجنب المشاكل والدماء، توصلت بعض الشعوب الى نتيجة غريبة بأن: لنتخلّ عن الحريات السياسية ولندع الحاكم والزعيم يفعل ما يشاء، حتى نأمن على أموالنا وبيوتنا وأهلنا وعملنا! فما الذي جنيناه من سقوط الديكتاتوريات وصعود الاحزاب، فقد استبدلنا الجيش الواحد بالمليشيات المسلحة، والحكومة الواحدة بحكومات متعددة في الدولة الواحدة، بفعل «المحاصصة»؟! فحتى الاحزاب او الرموز السياسية التي كانت يوماً تناضل خلف اسوار السلطة والقصور الرئاسية، حملت عدوى «الزعيم المانح»، فباتوا مانحين جُددا للأمان!

ما نعرفه من منظومتنا الثقافية؛ أن الأمان - كما الصحة البدنية - نعمة موهوبة من الله - تعالى- الى الانسان، وفي الظروف الطبيعية، هو الوحيد الذي بامكانه الاحتفاظ بهذه النعمة او التفريط بها، فاذا ادرك هذه الحقيقة، سينتزع أهم سلاح من جعبة الزعيم والطاغية للتحكم بمقدرات الناس، وهذا الإدراك لا يكون من جماعة صغيرة في حي سكني أو من نخبة متعلمة ومثقفة، إنما من الغالبية العظمى بما تحصر الزعيم في زاوية الاقلية وتفقده مصداقيته السياسية ومشروعيته في ممارسة أي نوع من انواع العنف الذي يراه مبرراً لحفظ الأمن والاستقرار للاغلبية المستفيدة من هذه المنحة.

ان الفرصة كبيرة جداً امام الشعوب للتخلّص من دخان العنف في الشوارع واختزال الطريق نحو الحرية والحقوق المشروعة، في وسم شخصية الحاكم الديكتاتور، أو أي خلل يحصل في نظام الحكم، بأنه نوع من الاخلال بالأمن والاستقرار في مختلف جوانب الحياة؛ من الخدمات الى التعليم والأسرة والمجتمع، الى الصناعة والزراعة والانتاج، وليس انتهاءً بمؤسسات الدولة.

وهل الفساد الذي تشهده بلادنا؛ سواء في الدوائر الحكومية أم في السلوك الاجتماعي، إلا سبب من اسباب انعدام الأمن والاستقرار، بحيث لا يكون المواطن البسيط آمناً على لقمة عيشه وعلى كرامته إلا بالكفاح المرير والتنازل عن الكثير؟


ارسل لصديق