«البنية التحتية» لا تكون من خلال الشركات الاجنبية إنما بتفكير وتخطيط ومبادرة العراقيين
كتبه: هيأة التحرير
حرر في: 2012/10/25
القراءات: 941

«من عمل للدنيا وأقامها على اساسٍ منهار و أرضية رخوة وعلى قيم غير صحيحة، و أسس غير واضحة المعالم، تنتهي بل وتصير وبالاً عليه، حتى وإن كانت تبدو  في الظاهر شيئاً جيداً .. والقران الكريم يضرب لنا الامثال المرة بعد الاخرى لبيان هذه الحقائق، ومن ذلك قصة الحوار في سورة الكهف بين رجلين احدهما مؤمن لا يملك من متاع الدنيا شيئاً، والآخر مشرك مغتر بماله وبجنتيه، أي بأرضه وبستانيه الكبيرين، ولكن ملكه هذا  قائم على اساس باطل، فهو اغتر بملكه وماله والتفاف الناس حوله قائلاً للأخر : «وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا» (الآية34). وقد أخذه الزهو واستبد به العجب والغرور، «وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا» الآية35)، فهو بات مملوكاً لماله وجنته وليس العكس.. وهذا مما يُبتلى به الناس، فالسلطة تكون وسيلة له، ثم تتحول الى هدف من اهدافه، و المال كذلك، يفترض أن يكون وسيلة لخدمته، لكنه هو يصبح خادماً للمال

بهذه المقدمة استهل سماحة المرجع المُدرّسي - حفظه الله- كلمةً له امام جمع من الوفود الزائرة لمكتبه في كربلاء المقدسة، تناول في جانب منها الجدل القائم حول «قانون البنى التحتية» في العراق.

واضاف سماحته: وهكذا بلغ الغرور بذلك الانسان الى أن يقول: «وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً»، ثم توقف، و برر، وجادل، بغروره  وانحرافه وقال: «وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا « (الآية36). وهكذا نرى الانسان يبرر لنفسه ويغتر بنعم الله تعالى في الدنيا، ويدعي ان ذلك دليل على انه على صواب، وان الله تعالى يحبه، وانه سينال ذلك، وما هو افضل منه، في الآخرة ايضا.. وهذا مقياس غير سليم، فمجرد وجود الصحة والعافية والأمن والمال و ما شابه، لا يدل على ان عملك صحيح، إنما هو دليل الامتحان، فالنعم؛ كالصحة والعافية والفراغ والأمن والسلطة والجاه و العلم وغيرها، كلها عبارة عن امتحان و فتنة، فهي ليست دليلاً على ان الله يحب هذا الانسان او ذاك، او يبغضه.. فصاحب الجنة، هذا كما هم الكثير من الناس، اغترّ بالدنيا وجعلها مقياساً وميزاناً للاخرة، انطلاقا مما يملك من امكانيات، بينما الامر ليس كذلك.. وهذه الحقيقة الدامغة توضحها الآيات الكريمة حيث يقول ربنا تعالى عن مآل هذا الانسان: «وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا» (الآية 42)، حيث بدأ يلوم نفسه.

وعلى ضوء ذلك خلص سماحته في جانب من  كلمته الى الاوضاع في العراق والمنطقة قائلاً: ومن هنا وبخصوص اوضاعنا، نقول: أننا حينما نريد ان نبني بلداً مثل  العراق، علينا أن لا ننسى اننا نختلف عن الآخرين، فلنا تاريخنا وقيمنا وخصوصياتنا وحاجاتنا واهدافنا، ولا يصح ان نجري وراء استنساخ تجارب ومناهج الآخرين، فلا يصح ان نترك كل ذلك وراء ظهورنا ونتوجه مرة واحدة الى استنساخ الحياة الموجودة عند الغربيين مثلاً، او غيرهم ..

واضاف سماحته: هذه الايام هناك جدل وبحث في الحكومة والبرلمان في بغداد، حول قانون «البنى التحتية» في العراق، فالبلد بحاجة الى بنى تحتية واسعة ورئيسية، ولكن على الاخوة المسؤولين، قبل أي خطوة وقرار مهم، أن يدرسوا الشعب العراقي، ويدرسوا قيمه وامكاناته وحاجاته وتطلعاته، فلايأتينا خبيراً، او احداً من الخارج، ولديه تجارب و افكار قد تبدو جميلة ولكن تصلح له ولوضعه و ليس لنا، و قد تضر بنا ولا تصلُح ، فالامور تحتاج لتخطيط واع ودارسة وافية، وعلينا التفكير الدقيق بالاوضاع المحيطة والتخطيط الدقيق لكيفية اسثمار ثروات واموال البلد، لا ان نأتي وندفع بثروات العراق وقدراته مرة واحدة،  ونبدأ زحفاً كبيراً في هذا المضمار دون ضوابط ومحاذير من تبديد الثروة، فربما نواجه اثناء ذلك مشاكل وازمات لم نحسب لها حساباً، حيث اننا الآن في منطقة غير هادئة، و متفجرة، فيها الكثير من الازمات التي هي بمثابة القنابل الموقوتة، قد تنفجر الواحدة بعد الاخرى، وتصيب بلدنا، وفي ظل هكذا ظروف يجب علينا ايضا الى جانب التخطيط للانفاق، ان نفكر بجد في أن ندخر اموالنا للمستقبل والمستجدات.. فصحيح اننا يجب ان نبني ونعمّر، ولكن ليس كل ذلك بإنفاق المال، واستجلاب الشركات الاجنبية، بل  يجب ان نتحول نحن الى  شعب فاعل ومنتج.. كما أن القرار والتفكير في هذه القرارات والقوانين الهامة يجب ان لا تكون دراستها محصورة بين الخبراء او السياسيين، بل تكون دراسة شاملة، موسوعية، تشمل جميع المؤسسات و الطبقات المختلفة في مجتمعنا، من جامعات و حوزات ومفكرين ومثقفين ومؤسسات المجتمع المدني، كل هذه نجمعها ونصل الى نتيجة مثمرة ترتبط باوضاعنا.

وخاطب سماحته الحاضرين: أقول لشعبنا وقواه المختلفة ايضاً: لا تنتظروا دائماً ما يقوله الآخرون، بل بادروا و ابدعوا ، فنحن لابد ان نفكر ونخطط ونبدع ونعمل لبناء بلدنا وحياتنا، حتى لا نكون اسرى حاجتنا  للاخرين.. والى متى نبقى معتمدين  في معيشتنا وميزانية البلد على النفط فقط؟!، اين مصانعنا وانتاجنا وتخطيطنا في ذلك..؟ لماذا نحتاج مثلا الى شراء كل رصاصة من هذه الدولة وتلك وبالعملة الصعبة؟ ولماذا – مثلاً- انتهى التصنيع العسكري في العراق، الذي نستطيع جعله يخدم الجانب المدني ايضا وليس العسكري فقط، فالجهود والاموال التي أنفقت على منشآت التصنيع العسكري، وايضاً تربية الكفاءات والخبرات، وغيرها، لم تأتي من جيب الطاغية البائد، إنما هو ملك الشعب... فنحن بحاجة الى أن نفكر بشكل موضوعي، ونبدأ بتحول جذري قاعدي، لنحول بلدنا باتجاه بناء البنى التحتية، وحتى المؤسسات الاقتصادية المتينة القادرة على تحدي العواصف.


ارسل لصديق