خيار العنف المشروعية والأخطار
كتبه: الشيخ فارس الجبوري
حرر في: 2017/03/26
القراءات: 534

منذ أقدم العصور أيقن الانسان بحاجته الفطرية الى الجماعة للعيش معها، ثم أيقن في مرحلة لاحقة ضرورة وجود نظام ينظم العلاقة بين افراد هذه الجماعة، وضرورة وجود سلطة تطبق هذا النظام، وقد كانت العلاقة بين السلطة والمجتمع - ولازالت- مثار نقاش وجدل كبيرين، وكثيراً ما اتسمت هذه العلاقة بالتوتر والمجابهة و إراقة الدماء؛ فكان العنف هو السمة البارزة لهذه العلاقة، وخاصة من طرف السلطة التي تمتلك كل وسائل القمع والظلم لقمع المطالب المشروعة للشعوب؛ مما دفع الجماهير الى موجات عنف بالمقابل، في مسعى للحصول على مطالبها في العيش الكريم.

إن العنف، والعنف المضاد يتسبب بآثار خطيرة، وتبعات عميقة جداً على المجتمعات والبلدان في جوانب الحياة كافة؛ مما يتطلب وقفة جدّية للحيلولة دون حدوثه، او تقليل حدته قدر المستطاع.

 

مخاطرالعنف

للعنف مخاطر كثيرة وخطيرة جدا، فهو يحطم كل اشكال الثقة بين السلطة والجماهير، كما قد يدفع السلطة للاستعانة بالغير لقمع ذلك العنف، وما لذلك من أخطار في فرض إرادة الغير على سلطة البلاد، وايضاً زعزعة الامن والاستقرار؛ حيث ان العنف قد يفتت النسيج الاجتماعي بين مؤيد للعنف ورافض له؛ مما يسبب حالة من الاحتقان الشعبي؛ وربما يتسبب في حروب او فتن عديدة، اضف الى ذلك امكانية هروب الاستثمارات من البلد وتوقف التنمية الاقتصادية والاجتماعية بسب انعدام الامن، والاخطر من كل هذا؛ تحول العنف من وسيلة تكتيكية للحصول على حق ما، الى ثقافة سلوكية تحكم تصرفات المجتمع.

 

العنف السياسي.. الشرعية وعدمها

يعد البعض أن مشروعية العنف ترتبط بمشروعية الهدف المراد تحقيقة من القيام به، فان كان الهدف مشروعاً كان العنف مشروعاً ايضاً، بغض النظر عن كونه وسيلة مناسبة او غير مناسبة، في حين يتخذ البعض الآخر من طبيعة النظم السياسي معياراً للمشروعية، فيذهب الى ان اسلوب العنف لمواجهة المتظاهرين في ظل النظام الديوقراطي يُعد ممارسة طبيعية، سالبين الشرعية من تحرك الجماهير حتى وإن كان مطالبةً لحقوقهم المشروعة، على أنه يمثل تجاوزاً على القانون الذي تعاهد الناس على احترامه، وأنه ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، فيصبح هذا العنف ضرورياً لحفظ كيان الدولة والمجتمع.

أما في ظل السلطات الدكتاتورية، فان الأعم الأغلب يذهب الى ان العنف الذي تمارسه الجماهير للمطالبة بحقوقها، يُعد عملاً مشروعاً لعدم وجود مؤسسات دستورية وجهات فاعلة تنظيم العلاقة بين الحاكم والجماهير.

 

النتائج معيار للشرعية

في بعض الاحيان قد لا تكون الاهداف لوحدها، ولا نوع النظام السياسي لوحده، معيارين لمشروعية العنف، إنما يكون للنتائج المترتبة على العنف ايضا، كلمة الفصل في تحديد مشروعيته؛ فقد تمارس بعض السلطات، الاستبداد والظلم بحق شعوبها، وحينها يكون من الواجب مقاومة هذه الاستبداد، وقد تكون هناك خيارات متعددة قد يكون العنف أحدها، او لربما يكون هو الخيار الوحيد، فسلوك خيار العنف في هكذا حالة يتوقف -والى حد بعيد- على حساب النتائج المترتبة عليه؛ فقد يجر خيار العنف في ظرف ما، و زمن ما، البلاد والعباد الى الهلاك، وهنا يجب ترك هذا الخيار والتريث فيه، حتى يتحقق ظرفه المناسب، وتوفر شروط القيام به.

ولعل في سيرة امامنا الحسن المجتبى، عليه السلام، ما يجسد هذه الحقيقة في تعامله مع معاوية - عليه لعنة الله- وكما جسدتها سيرة إمامنا امير المؤمنين،عليه السلام، حينما ترك خيار العنف في مواجهة الظلم العظيم الذي تعرض له بعد رسول الله، صلى الله عليه وآله، وما ذلك إلا في ضوء حساب النتائج المترتبة على خيار العنف، بيد أن التحدي الاكبر يكمن في تحديد ماهية الاسس والقواعد التي يمكن ان نعتمدها في حساب النتائج المترتبة على العنف وهل هذه النتائج تبرر خيار العنف أم لا؟

 

الاسباب الكامنة وراء العنف

اصبح العنف السياسي المتبادل بين السلطة والجماهير ظاهرة شائعة في الكثير من بلدان العالم، ومنها بلداننا الاسلامية، ولهذه الظاهرة عدد من الاسباب المتداخلة فيما بينها:

1- السلطة القمعية:

تأتي دكتاتورية السلطة وقمعها على رأس الاسباب التي تؤي الى العنف في الدول الدكتاتورية، فغياب المؤسسات الشعبية المشاركة بالقرار السياسي، واستئثار السلطة بالقرار؛ يولد النقمة والسخط الاجتماعي؛ فتبدأ حركة الاحتجاجات، ثم ترد السلطة بالقمع العنيف، كما حدث ويحدث اليوم في البحرين والمنطقة الشرقية للسعودية - مثلا- هذا القمع هو الذي يضطر الجماهير الى الرد على عنف وقمع السلطة بالعنف المضاد، وتفجير الاوضاع في هذين البلدين، إنما هو نتيجة للسياسات القمعية لكلا النظامين الدكتاتوريين. ولا تتوقف ممارسة الاستبداد والقمع على السلطات الدكتاتورية، وانما قد نجده حتى في السلطات التي تصل عبر صندوق الانتخابات، فما نشاهده اليوم في تركيا من قمع لاصحاب الفكر الآخر و إقصائهم من مناصبهم، والقمع الموجه ضد أكراد تركيا الباحثين عن حقوقهم، ما هو إلا دليل على قمع واستبداد ما يسمى بالأنظمة الديمقراطية.

 2-غياب العدالة الاجتماعية:

حينما تغيب العدالة يشعر الشعب بانه اصبح خارج اهتمام السلطة، ويشعر بان ثروات البلاد وخيراته اصبحت حكراً على السلطة و أعوانها من اصحاب النفوذ، ثم عليه أن يتحمل كل الاخطار التي تحيط بالبلد، ويدفع ضريبتها، أما السلطة فانها لا تتحمل شيئاً من ضريبة هذه الاخطار، فخيرات الوطن حكراً للسلطة، ومآسيه حكراً على الشعب.

هذا الشعور يشمل حتى شعوب البلدان التي تتمتع بقدر من الديمقراطية، اذا ما غابت العدالة فيها، فهذا الشعور، لسان حال المواطن العراقي -مثلاً- رغم ان سلطته منتخبة، في حين أننا لا نجد هذا الشعور في دولة يتم توارث السلطة فيها كالكويت -مثلا- فنرى التظاهرات تعم العراق مطالبة بأبسط الحقوق من ماء وكهرباء ومدرسة وفرصة عمل وغيرها، بينما لا نجد مطالبات من هذا النوع في الكويت، وما ذلك إلا لان العدالة متحققة بقدر ما في الكويت على ارض الواقع، بينما في العراق فانها افضل مما هي في الكويت، ولكن؛ حبر على ورق في الدستور والتشريع، في الوقت الذي تُنحر فيه العدالة على مذبح الاستبداد يومياً ملايين المرات.

و إذا ما غابت العدالة فان الشعوب تفقد الثقة بالسلطة القائمة ومؤسساتها، كما يفقد الشعب الامل في حل المشكلات، ومكافحة الفساد؛ فيدفعهم اليأس للقيام بأعمال عنيفة على أمل تغيير الواقع الفاسد.

واذا ما غابت العدالة، فان المواطن يفقد ثقته بالقانون الذي يطبق حسب مقاسات السلطة المستبدة، ويفقد مشروعيته كميثاق يربط ابناء البلد، فيرفضه داخليا ولا يلتزم به؛ فتزيد ممارسات الخروج على القانون، ويصبح الشعب مستعداً لقبول أي تغيير بغض النظر عمن يقوم به، وبأي وسيلة كانت، كما حدث مع العراقيين الذين قبلوا الاحتلال الامريكي لانهاء استبداد البعث وطغيانه.

3-غياب ثقافة الحوار:

تتسم مجتمعاتنا بسمة وظاهرة بارزة أَلا وهي غياب ثقافة الحوار والإصغاء الى رأي الآخر، أو أن تقبل رأياً خاصاً للآخر، وهذه الثقافة منتشرة على كل الاصعدة وخاصة الاجتماعية والسياسية منها، ولها أخطارها الحقيقية على النسيج الاجتماعي وعلى وحدة وكيان الوطن، ومردّ هذه الظاهرة الى مرض وظاهرة الاستبداد بالرأي الذي يلغي مفهوم الاختلافات الايجابية بين الناس، ويعطل الاستفادة منها للتكامل الانساني، اذ يقول تعالى: {وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}.

 

لنحذر الانجرار الى العنف!

وفي ضوء هذه الرؤية، و أهمية توفر الظروف والشروط المناسبة لخيار العنف، فان الانظمة الدكتاتورية عندما تجد أن خيار العنف الجماهيري، يحقق مصلحة السلطة، ويسهم في القضاء على الحراك السلمي؛ فانها تحاول جرّ هذا الحراك الشعبي السلمي الى العنف بأي طريقة كانت؛ لإيجاد ذريعة لقمعه بالعنف المضاد؛ واتهامها بذلك العنف، رغم انها لم تشارك فيه؛ فتكون النتيجة تصفية الحراك وقياداته، ولم يزل عوده غضّاً طرياً لم يشتد بعد؛ وبذلك تضيع على الامة الفرصة التاريخية في امكانية حشد الطاقات والامكانات اللازمة أولا؛ ومن ثم سلوك الخيار الافضل - بما فيها خيار العنف لكن في ظرفه المناسب - للحصول على مطالبها المشروعة في الحرية والعيش الكريم، وإذن؛ فقد يصب خيار العنف الجماهيري - في ظروف معينة - في مصلحة الطاغي لا الجماهير.

 

العنف ضرورة لا خيار

إن العنف، الذي كثيراً ما يكون خياراً ضمن خيارات متعددة، ربما يغدو المسلك الوحيد ولا مسار غيره؛ فيصبح ضرورة لابد منها، فإمامنا الحسين، عليه السلام، والذي تعرض لأشنع عنف في تاريخ البشرية، حاول جاهداً ان ينصح القوم بترك خيار العنف ضده، وتركه ينصرف الى مأمنه من الارض، إلا ان القوم لم يستجيبوا؛ فكان مواجهة عنفهم مسلكاً وحيداً وضرورةً لابد منها.

واليوم؛ فان ما تقوم به الدولة العراقية -مثلاً- من اتخاذ العنف مسلكاً تجاه الارهاب، فانه ضرورة لا خيار، وهكذا قد يتحول العنف من خيار الى ضرورة لابد منها! إلا ان الصعوبة الكبرى تكمن في ماهية القواعد التي تحدد كون العنف - من قبل جهةٍ ما وفي ظرفٍ ما وزمنٍ ما وضد حاكمٍ ما او جماعةٍ ما- ضرورة أم خيار، لذلك فان لهذا الشان أهله أفاض الله عليهم من علمه، ولعل فتوى الجهاد المقدس التي اعلنها مراجعنا العظام وغيرها من فتاوى الجهاد المقدس، تبين ان مراجعنا العظام هم مستودع هذا العلم في زمان غيبة إمامنا الحجة المنتظر، عجل الله فرجه.

 

منهج الاسلام في معالجة العنف

وللاسلام منهج رائع في معالجة هذه الظاهرة؛ فقد وضع علاجات لكل اسبابها؛ فالاسلام يأمرنا بالعدل الذي يُعد فقده أهم اسباب العنف، اذ قال تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان...، كما أمرنا بالتشاور وعدم الاستبداد بالرأي، إذ قال تعالى:

﴿...وأمرهم شورى بينهم، كما أمرنا بالحوار مع الآخر بالحسنى، إذ قال تعالى: ﴿... وجادلهم بالتي هي أحسن، وحرم علينا الاعتداء على الابدان والارواح:

{ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم...}، كما حمّل الاسلام السلطات الحاكمة مسؤولية العباد، فحملها مسؤولية رعايتهم، وتوفير سبل العيش الكريم لهم، والرفق بهم، ولعل في وصية الامام علي، عليه السلام، الى مالك الاشتر، خير ما يدل على اهتمام الاسلام الشديد بنزع فتيل العنف؛ بإرشاد السلطات الى أفضل سبل القيام بمسؤولياتها، وكيفية التعامل مع الشعوب.

وهكذا فان خيار العنف، يعود بالضرر على السلطة والجماهير معا؛ فحريّ بالسلطة ان تعمل على تحييده ولا تعتمده اسلوباً في التعامل مع المعارضين من جهة، والعمل على استئصال اسبابه بقيام السلطات بمسؤولياتها تجاه الجماهير، من جهة اخرى، بالمقابل؛ يتوجب على الجماهير الابتعاد كل البعد عن العنف في تحقيق مطالبها؛ مازال هناك خيار آخر متاح، وان حقق سقف مطالب أدنى مما يمكن تحقيقه بالعنف، كما يتوجب على الجماهير حساب نتائج العنف جيداً عندما تغلق المسالك الاخرى؛ لكي لا تجر البلاد الى الدمار والخراب، وما حدث ويحدث في سوريا واليمن خير شاهد على حجم الدمار الذي تسبب به العنف في هذين البلدين المسلمين.

ان قمع السلطة، وإن نجح في إخماد الحراك السلمي فترة من الزمن، فانه لن يطفئ مشاعر الغضب والاحتقان، بل يزيدها مع كل فعل قمعي ترتكبه السلطة، وهذا معناه ان الوسيلة التي تستخدمها السلطة لقمع الحراك والرفض الجماهيري انما هي في حقيقتها وسيلة لاذكاء وتفعيل هذا الرفض والتسريع من الزمن اللازم لتفجير العنف المضاد، وتكون النتيجة عكسية عليها، حيث تكون ضمن العد العكسي للزمن باتجاه نقطة الصفر والانهيار.


ارسل لصديق