حوار حول سورة الفجر - القسم الثالث
(من الآية الرابعة عشرة حتى الآية الثانية والعشرين)
كتبه: السيد جواد الرضوي
حرر في: 2017/03/27
القراءات: 439

بسم الله الرحمن الرحيم

إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14) فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلاَّ بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمّاً (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً (20) كَلاَّ إِذَا دُكَّتْ الأَرْضُ دَكّاً دَكّاً (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً (22)

تمهيد

في العدد الماضي، وصل بنا الحوار إلى قوله تعالى:

{فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ}، وهو العذاب المتواتر كالسوط، والمؤلم مثله.

وفي هذا العدد، نكمل الحوار ونسأل عن قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ.

 الرب بالمرصاد

* هل قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} جواب للأقسام السابقة؟

- إن الله يقف للطغاة والمجرمين بالمرصاد؛ ولذا قال: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}؛ وهو جواب الأقسام السابقة؛ والله أعلم.

تلك هي ذروة السورة، في ما يبدو، ومحور آياتها، وخلاصة دروسها. فمن هَمَّ بمعصية أو فكَّر في ظلم أحد فكر في نفسه: أَوَليس الله يراقبني وهو بالمرصاد؟ وإذا تمادى في الظلم ولم ينزل به العذاب، تذكر أن ذلك قد يكون كيداً متينا له حتى يؤخذ بشدة.

وأما المظلوم والمستضعف والثائر المقهور؛ فإنهم - جميعاً - يزدادون أملاً واستقامة وتحدياً عندما يعرفون أن الله من الظالمين بالمرصاد؛ فلا ينهزمون نفسيا، ولا يستسلمون.

 

 حكمة المال والقدرة

* لماذا جاء بذكر المال والثروة في آيتين متقابلتين وقال: {فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ}؟ وماذا أراد بهذا التقابل؟

- ليست الثروة دليل كرامة الإنسان عند الله واجتبائه من لدنه؛ فلا يستبد به الغرور؛ فيزعم أنه على حق؛ ثم يتسافل فيزعم أنه بذاته الحق؛ ثم يبلغ به السفه والطغيان إلى الزعم بأنه الرب الأعلى!

كلا؛ الثروة مادة اختبار، وعلى الإنسان أن يتخلص من إغرائها بإنفاقها والتقيد بالحدود الشرعية في جمعها؛ ولذا قال:{فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ}.

بلى؛ الثروة بذاتها نعمة وكرامة؛ ولكنها - في الوقت ذاته - ابتلاء واختبار، وهذا هو الخط الفاصل - والدقيق في ذات الوقت - بين البصيرة الإلهية والتصور البشري؛ فليست الثروة رجساً دائما، وليست كرامة دائما؛ بل هي حقيقة بلا هوية وبلاصبغة؛ وإنما تكتسب هويتها وصبغتها من طريقة تصرف الإنسان فيها.

كما أن الفقر ليس بذاته نقمة، وإنما النقمة الاستسلام له، والاعتقاد بأنه دليل مهانة عند الله؛ وذلك قوله: {وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ}.

وكانت حكمة ضيق الرزق ابتلاءه؛ تراه فَقَدَ ثقته بنفسه، وزعم أنه رجل مهان منبوذ، وأن واقعه لا يتغير؛ ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ.

كلا؛ ليس الأمر كذلك؛ فالفقر ليس إهانة، بل هو اختبار، ورُبَّ فقير ذي طمرين ولا يُؤبه به عند الناس، ولو أقسم على الله؛ لأبره.

 

 إكرام الضعفاء

* إذن؛ كيف يتخلص الإنسان من جواذب المادة وأثقالها ؟ ولماذا جاء بحرف الزجر ﴿كَلاَّ؟

- يتخلص الإنسان من جواذب المادة وأثقالها بإكرام الضعفاء والإنفاق عليهم، وعدم انتهاب أموال المحرومين.

أولئك الذين جعلوا المادة قيمة تراهم ممسوخين عن الفطرة السليمة، فلا تجدهم يكرمون اليتيم الذي يستثير الرحمة والعطف عند البشر السوي؛ أنى كان دينه ومستواه؛ ولذا جاء بحرف الزجر والردع ﴿كَلاَّ؛ فليس كما تزعمون أن الغنى دليل كرامة الفرد عند الله، وأن الفقر دليل هوانه؛ إنما هما ابتلاء وفتنة.

 

 النظام الفاسد

* كيف تنعدم العاطفة في الإنسان فلا يُكرم اليتيم ؛ كما قال: ﴿بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ؟

- إن بني آدم مفطورون على العطف على الضعيف، وبالذات الطفل الذي يفيض براءة وطيبا.

وإذا كان الطفل يتيما لا يملك قوة ذاتية يدفع عن نفسه الأخطار والأطماع، وليس له حام يقيه الشرور، ولم يحظ بالقدر الكافي من العطف الأبوي - إنه يذيب القلب حنانا - فما أقسى من يهينه ويجافيه؟

كل ذي وجدان يحكم بأن المجتمع الذي يقسو على اليتيم مجتمع ممسوخ منكوس، وأن قِيَمَه باطلة ونظامه فاسد؛ وذلك مقياس سليم وفطري يبينه القرآن في المعرفة، حيث إنه يدلنا على عاقبة النظام لمعرفة صلاحه أو إفساده. فإننا لا نستطيع الحكم على نظام اجتماعي بادعاءاته أو شعاراته؛ ولكن نحكم عليه بعاقبته؛ فان وافقت وجداننا الإنساني وانتهت إلى حماية الضعيف وإكرام اليتيم والإنفاق على المحتاج وما أشبه، نعرف صلاحه.

 

 المسكين في المجتمع

* من هو المسكين الذي أفرد ذكره وقال: ﴿وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ؟

- في المجتمع الجاهلي حيث يصبح المال قيمة، يعيش المعدمون الذين أسكنتهم الفاقة في عناء كبير؛ إذ لا يشجع الناس بعضهم بعضاً للاعتناء بهم؛ وذلك قوله تعالى:

{وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ}.

والمسكين بشر مثلي ومثلك؛ أقعدته عوامل قاهرة عن اكتساب رزقه؛ ألا ترحمه؟

تصور لو كنت - لا سمح الله - مثله، كيف كنت تتوقع من الناس؟ أَلَيس من الممكن أن تصبح أنت أو واحدٌ ممن تحبهم مسكيناً؟

فهل ترضى أن يطوي ليله جائعاً، ويعيش الناس من حوله التخمة؟ وهل يرضى بذلك إنسان ذو ضمير؟

إن أقل ما نقدمه للمسكين الطعام؛ إنه حق البهائم والنباتات! فكيف بمن هو نظير لنا في الخلق؟

وقد ذكر الرب إنهم لا يأمرون بعضهم بإطعام المسكين لبيان انتكاس المجتمع عن قيم الإنسانية؛ فربما منع الواحدَ بخلُه عن إطعام المسكين؛ ولكنه مستعد لأمر غيره بذلك، بل نرى البخيل - عادة - يتمنى لو أن غيره تكفل بإطعام المحتاج.

أما إذا تردى المجتمع إلى عدم حض بعضهم على إطعام المسكين، فقد هبط إلى أسفل السافلين، وهذه هي نهاية اعتبار الغنى كرامة إلهية، والفقر ذلاً وهواناً.

 

 لا لحرمان اليتيم

* لا تنفك الآيات تتحدث عن أموال اليتامى، فتقول هنا: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمّاً؛ لماذا؟

- الأسوأ من عدم إكرام اليتامى، أكلهم التراث، والتهام أموالهم جميعا؛ حتى إذا كبروا، لم يجدوا أمامهم إلا الحرمان والحسرة؛ ولذا قال:

 ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمّاً؛ يعني: جمعا، ومنه قولهم: لمَّ الله شعثه؛ أي: جمع. ولعل هذه الكلمة تشير إلى الإسراع في أكل التراث لئلا يكبر أهله فيطالبون به، كما قال سبحانه:

{وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا}، (سورة النساء: 6).

 

 الثروة ليست كرامة

* أساسا؛ لماذا يحب الإنسان المال حبا جما كما في قوله:﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً؟

- هكذا ينحدر الذي يزعم أن الثروة هي أقصى كرامة عند الله إلى درك عبادة المال، والانسياق مع مصادره ومن يملكه من المترفين.

{وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً}، أي: حبا كثيرا، ومنه: جم الماء في الحوض إذا اجتمع وكثر.

هذه هي ملامح المجتمع الذي يقدس المال؛ إنه لا يكرم اليتيم الذي يستدر عطف كل بشر، ولا يأبه بمسكين، ويسترسل مع المال.

إذن؛ تجب مواجهة هذه القيمة الشاذة التي تحسب الكرامة في الثروة، والهوان في الفقر؛ ولكن أنى يستطيع الإنسان التسامي من أرض خلق منها، وعجنت طينته بحبها وحب شهوتها وزينتها!

بلى؛ إذا آمن بالله، وتطلع إلى لقائه، عرف أن الحياة حقا هي حياة الآخرة؛ آنئذ تعزف نفسه عن الدنيا، ويقدم من جهده وماله لبناء مقره النهائي في الآخرة.

من أجل هذا؛ يصور لنا السياق مدى الحسرة التي تشمل الناس الذين لم يعمروا حياتهم الأخرى، وأذهبوا طيباتهم في الدنيا؛ تلك اللحظات الزائلة التي سرعان ما تبخرت ولم تخلف لهم سوى الندم والحسرات في يوم الزلزال الكبير.

 

 نهاية الدنيا

* كيف انتقل السياق مباشرة إلى مشاهد الآخرة؛ فقال: ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتْ الأَرْضُ دَكّاً دَكّاً؟

- ليست الدنيا نهاية المطاف ﴿كَلاَّ، وليست الثروة قيمة عند الله، وليست تصوراتهم عن أنفسهم صحيحة، ومتى يتجلى لهم ذلك؟

إنما عند قيام الساعة ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتْ الأَرْضُ دَكّاً دَكّاً، فإذا بالأبنية التي هي نتيجة تراكمات جهد الملايين تنهار بفعل الزلزال الرهيب الذي يدك الأرض؛ فيسويها ويدعها قاعا صفصفا.

قالوا: أي: زلزلت الأرض؛ فكسر بعضها بعضا، وتكسرت الأشياء على ظهرها. وقال بعضهم:

بل دكت جبالها وأنشزها(1) حتى استوت.

وأنى كان؛ فإن الأرض تنبسط كالأديم لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، ولا حفرة ولا ارتفاعا. فهل تبقى - يومئذ - قيمة لعقار، أو ركاز(2)،أو ذهب وفضة؟!

 

 عظمة الرب

* كيف نفهم قوله تعالى : ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً؟

- في يوم القيامة يتجلى الرب بعظمته للعالمين؛ فلا أحد يقدر على الهرب من سطوته أو الشك في قهره وقدرته، حيث ترى المَلَك صافين ينتظرون أوامره.

أي آية عظيمة من آيات الله تلك التي عبر القرآن عنها:

﴿وَجَاءَ رَبُّكَ؟

 لست أدري؛ ولكنه يوم عظيم لا يمكننا - ونحن نعيش بحدود الدنيا الضيقة - أن نتحسس آفاق عظمته.

تبيين الآيات

{إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} يراقب أعمال الناس.

{فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ}؛ أي: اختبره ﴿رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ بأن جعله ذا مكانة بين الناس ﴿وَنَعَّمَهُ بأن أعطاه الثروة؛ ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ؛ أي: أكرمني؛ لكرامتي عنده.

{وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ}؛ أي: اختبره ﴿رَبُّهُ فَقَدَرَ؛ أي: ضيق ﴿عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ؛ أي: أهانني؛ وإلا لما ضيق علي.

﴿كَلاَّ؛ ليس الأمر كما تزعمون؛ ﴿بَل يصل بكم الأمر إلى أن {لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ}؛ فما أقسى قلوبكم!! ﴿وَلا تَحَاضُّونَ؛ أي: لا يأمر بعضكم بعضا ﴿عَلَى طَعَامِ إطعام ﴿الْمِسْكِينِ الذي أقعدته عوامل قاهرة عن اكتساب رزقه ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ؛ أي: ميراث اليتيم ﴿أَكْلاً لَمّاً؛ أي: جمعا، وسريعا؛ لئلا يكبر أهله فيطالبون به ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً؛ أي: كثيرا؛ فلا تدفعون حقوق الله وحقوق الناس.

﴿كَلّا؛ ليست الدنيا نهاية المطاف﴿إِذَا دُكَّتْ الأَرْضُ دَكّاً دَكّاً بفعل زلزالها ﴿وَجَاءَ أمر ﴿الْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً؛ أي: في صفوف متعددة لتنفيذ أوامر الرب.

-------------------

1- رفعها عن مكانها.

2- كنز مدفون في الأرض.


ارسل لصديق