كيف نفهم القرآن؟
كتبه: السيد جعفر العلوي
حرر في: 2017/03/27
القراءات: 582

القرآن كتاب الله الرب العظيم المتعال، والمنزل على نبيه المصطفى محمد، صلى الله عليه وآله، وهو نهج الهداية والسعادة والصلاح لكل البشر، وهو يتوفر على كم هائل من المعارف والمفاهيم والأبعاد ما يجعلنا نحتاج أن نبذل جهداً وبحثاً مع طهارة في القلب لنحصل على تلكم الفوائد الكبيرة والواسعة.

ولأن لا مقارنة بين كلام الناس وكلام الله - تعالى-، فان القرآن يمثل الحق المطلق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ويحتاج منّا الى مفاتيح سليمة للوصول الى عمق معانيه ومقاصده، وفي الحديث عن الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله: «فضل القرآن على سائر الكلام، كفضل الله على خلقه».

وهنا محاولة لوضع أهم مفاتيح التعامل مع كتاب الله الجليل:

أولاً: الوحي والعقل

إن الاستضاءة بنور القرآن الكريم لن يتم إلا بالوحي - عبر سنّة النبي وآل بيته - ومنه نعرف الطريق السليم لفهم القرآن، إذ إن الوحي يصحح بوصلة تفكيرنا ويرشدنا للحق، فلا نضل ولا نضيع.

وبالعقل نستطيع أن ننطلق في الطريق السليم ذاته، إذ لا يكفي معرفة المسار الصحيح، بل لابد من المضي والاستمرار فيه، والاستفادة من الخيرات الموجودة فيه، وفي الحديث عن الإمام زين العابدين، عليه السلام: «آيات القرآن خزائن العلم، وكلما فتحت خزانة ينبغي لك أن تنظر ما فيها»، وهو حديث يجمع بين الوحي والعقل وأن الاستفادة من كتاب الله يكون؛ أولاً: عبر آلية التفكير والتدبّر في آيات الله وربطها بواقع الحياة، وثانياً: عبر العمل بما تقتضيه تلك الآيات بوعي مركّز وسليم.

ثانياً: مرجعية القرآن بمرجعية الرسول وأهل بيته

حتى نفهم القرآن، علينا أن نقرأ الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للأمة، في ماضيها وحاضرها من خلال نور القرآن الكريم، وايضاً بنور أحاديث وسيرة النبي الكريم وآله الهداة، فبهذين النورين والثقلين نستكشف تفسير وحقيقة كل ما جرى ويجري في الحياة العامة، ومن ثم نستمد من نور الثقلين، التوجيه السليم والهداية الربانية في التعامل مع عموم وتفاصيل الحياة.

والدليل على ضرورة النظر لقضايا الحياة بهدى نور الكتاب والرسول وعترته هو قول الله تعالى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}، (سورة النحل: 64)، فأوضحت الآية الكريمة مرجعية القرآن من جهة، ومرجعية الرسول ومن يلي دوره في تبيين وتوضيح توجيهات القرآن للأمة، وحسم الاختلافات الطارئة لدى الناس، بل من هذه الآية المباركة نستمد عقلاً؛ ضرورة وجود مَن يكمل مسؤولية النبي، صلى الله عليه وآله؛ فالاختلافات لا تتوقف في أية أمة بل هي من طبيعة الوجود البشري، ولأن وظيفة القرآن في حسم الخلافات الناشئة وسط الأمة في غاية الأهمية، وليست مختصرة على زمن النبي فقط، إذ إن القرآن لكل الأجيال، فلابد من وجود من يكمل هذه المسؤولية الهامة وهم أئمة أهل البيت، عليهم السلام.

والدليل الآخر؛ حديث الثقلين المشهور، حيث أوضح الرسول، صلى الله عليه وآله، مرجعية القرآن وعترته من بعده في حفظ مسارات الأمة من الارتكاس الى الضلال، بقوله: {إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً، كتاب الله وعترتي أهل بيتي}.

 ثالثاً: ربط القرآن بالواقع

استفاضت آيات عديدة في أن ما يجري على الواقع الخارجي مرصود ومكشوف عنه في القرآن، وما على المؤمنين سوى الربط بين الأمرين، وتصحيح الحياة الفردية والاجتماعية بما يؤدي إلى النتائج السليمة الإيجابية بعيداً عن الهلاك والدمار، فكتاب الله - تعالى- فيه ذكرٌ لحركة وسلوك البشر بأنواعهم المتعددة، والإرشاد السليم لتلك الحركة وذلك السلوك، قال تعالى: {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}، (سورة الأنبياء: 10).

وقد قال الإمام علي، عليه السلام: «ذَلِكَ الْقُرْآنُ فَاسْتَنْطِقُوهُ ولَنْ يَنْطِقَ ولَكِنْ أُخْبِرُكُمْ عَنْهُ أَلا إِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا يَأْتِي والْحَدِيثَ عَنِ الْمَاضِي ودَوَاءَ دَائِكُمْ ونَظْمَ مَا بَيْنَكُمْ»، وعن الإمام محمد الباقر، عليه السلام: «القرآن حيٌ لا يموت، والآية حيّة، ولكن هي جارية في الباقين كما جرت في الماضين»، وعن الإمام الصادق، عليه السلام: «إن القرآن حيٌّ لم يمت، وإنه يجري كما يجري الليل والنهار، وكما يجري الشمس والقمر».

وتفيدنا هذه الأحاديث الشريفة، أن كل آية تتعلق بقضايا السلوكيات البشرية ومصاديقها وترجمتها الفعلية في كل عصر ومكان، وهذا التوجيه يدحض من يريد حصر القرآن فقط في أسباب التنزيل، فسلوكيات الأقوام السابقة أو في زمن الرسول، صلى الله عليه وآله، قد تتكرر في هذا الفرد أو مجموعة من الناس في كل زمن.

وهنا نصل الى نتيجة أن القرآن كتاب حيٌ يتكلم عن واقع الحياة في كل زمان ومكان، ويمنح الهداية الربانية في كل مسارات الحياة، كما في قوله تعالى: {قَدْ جَاءكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}، (سورة المائدة: 15-16).

لذا ينبغي أن نتعامل مع مفردات القرآن وآياته من خلال التأمل في الواقع؛ وهذا يفيدنا في تحول القرآن الى هادي عملي لحياتنا العامة، فإن شاهدنا من تنطبق عليه آية معينة انطباقاً تاماً فهو من مصاديق تلك الآية؛ فحين يتحدث عدد من الآيات عن صفات المؤمن وشاهدنا رجلاً يحمل ذات الصفات، فإن الآية تعنيه بالدرجة الأولى وهو من مصاديقها، وحين تتحدث آيات عن سلوك الكفار المعادين فإن علينا أن نرى مصاديقها في الجهات التي لا تؤمن بالإسلام وتمارس العداء للمسلمين.

رابعاً: القرآن كتاب هداية

كتاب الله له وظائف عدة، في مقدمتها أن يهدي الناس الى الصراط المستقيم، والهدى الرباني ضرورة لحياتنا كي لا نضل ونكون في ظل رضا الله ورحمته، وهو ضرورة لنهوضنا في الحياة الدنيا والوصول الى مراتب متقدمة في الحياة ووفق سنن الله التي وضعها في كتابه الكريم؛ فالهداية هو هدف رئيسي للقرآن: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}، (سورة الأعراف: 52).

خامساً: التأمل والتدبر في القرآن يحقق أهدافه

لكي نحصل على معطيات وفوائد القرآن الواسعة، فنحن بحاجة الى إعمال الفكر والتدبر والتأمل في آياته، وهذا التأمل يأتي من خلال استكشاف الهدى من ذات الآية وليس خارجاً عنها، فلا مجال للرأي الذاتي وتركيبه على المعنى القرآني، ومن ثم يكون فهمنا نابعاً من القرآن فقط وقد حثّ ربنا على التدبر والتأمل في القرآن في العديد من الآيات، قال تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}، (سورة محمد: 24)، والآية الكريمة: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ}، (سورة ص: 29).

والتدبر في القرآن، يشمل محاولة فهم مقصد الآية أساساً، وفهم ارتباط الآية بما قبلها وما بعدها، وفهم المفردات التي تضمها الآية، فكل مفردة لها معناها الخاص ويلقي ظلال ذلك المعنى على الفهم الكلي للآية، كما أن من التدبر؛ تفهم موضوع السورة الذي تتمحور حوله، وكذلك ربط الآية بالواقع الشخصي والواقع العام، بما يؤدي الى ربط الآية بحقائق الحياة كما أسلفنا في النقطة الثالثة.

سادساً: خطورة تفسير ما لا نعلم من القرآن

ينبغي التوقف عن كل ما لا نعلم معناه في كتاب الله، فنتركه للراسخين في العلم من أهل البيت، عليهم السلام، والعلماء الربانيين الضالعين في فهم القرآن.

فهناك مساحة من القرآن لا يمكن حتى لأولئك الصنف من العلماء أن يعطوا توضيحاً نهائياً فيها، وقد قال الإمام علي، عليه السلام: «وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ هُمُ الَّذِينَ أَغْنَاهُمْ عَنِ اقْتِحَامِ السُّدَدِ الْمَضْرُوبَةِ دُونَ الْغُيُوبِ الْإِقْرَارُ بِجُمْلَةِ مَا جَهِلُوا تَفْسِيرَهُ مِنَ الْغَيْبِ الْمَحْجُوبِ، فَمَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى اعْتِرَافَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْ تَنَاوُلِ مَا لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْماً» {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا}، (سورة آل عمران: 7)، وقال، عليه السلام: «من ترك قول لا أدري أصيبت مقاتله»، فالقرآن فيه حروف وكلمات وآيات لا يعلم تأويلها إلا الله والراسخون في العلم وهم النبي وأهل بيته، عليهم السلام.

بهذه المفاتيح الهامة نحاول أن ننطلق في علاقتنا مع القرآن، فيتحول الى كتاب ينهض بحياتنا في جميع مجالات الحياة روحياً وعقيدياً وسلوكياً ومعرفياً وعملياً.


ارسل لصديق