الراحة الحقيقية في الدنيا أم في الآخرة
كتبه: محمد رضا الطرفي
حرر في: 2017/03/27
القراءات: 586

﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى، (سورة القيامة/36).

كل شيء في حياة الانسان يهديه الى إحاطة تدبير الله تعالى به، وشمول رعاية الخالق لحياته، والا لأعدمت او تحولت جحيما لا يطاق، وأبرز ما في ذلك خلقته؛ كيف حملته يد اللطف من صلب أبيه - حيث كان حيوانا منويا لا يرى - الى رحم أمه، وأجرى له من الطعام والشراب، وضمن له من السلامة والأمن حتى أصبح علقة، ثم رعاه وحماه ورباه حتى جعله خلقا سويا .. فهل يعقل ان يترك في المستقبل سدى وهو لم يترك كذلك سلفا، بل لا شيء في كيانه ترك بلا هدف او غاية {وَمَا خَلَقنَا السَّمَاء وَالأَرضَ وَمَا بَينَهُمَا بَاطِلًا}، (سورة ص: 27)؟!

 

الدنيا مزرعة الآخرة

لم يخلق الله تعالى الخلق عبثاً وباطلاً، وإنما خلقهم لعلّة وحكمة، بل لإظهار حكمته، وإنفاذ علمه، وإمضاء تدبيره.

أشار القرآن الكريم إلى الهدف من خلق الإنسان والكون، وعلى نحو النظرة الدقيقة نلاحظ أنّها ترجع إلى حقيقة واحدة {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}، (سورة الذاريات: 56) تعبيراً عن العبادة الحقيقية؛ لبيان الهدف من خلق الجنّ والإنس، فيجعلها دار ثوابه ومحبس عقابه، إنّ هذه دار بلاء، ومتجر الثواب ومكتسب الرحمة {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}، (سورة هود: 7) ليضع امتحان الإنسان وتمحيصه كهدف لخلق السموات والأرض، فملئت آفات وطبّقت شهوات ليختبر فيها عباده بالطاعة {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}، (سورة الروم: 41).

إن الله تعالى لم يخلق الراحة في الدنيا بل خلقها في الآخرة، بينما الإنسان يبحث دائما عن الراحة، فالطفل يقول: متى اكبر، والشاب يقول: ليتني أعود طفلا، والشيخ يقول: ليت الشباب يعود يوماً، فكلٌ يقول يا ليتني كنت كذا وكذا... يُخيل إليهم أن في كل ذلك راحة لهم، {وَالْعَصْرِ* إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}، بل الدنيا دار عمل إلى الآخرة، أي دار فناء ومزرعة الآخرة لمن يسعى لمرضاة الله - تعالى-.

فمتى ما تعمق الإيمان عند الانسان، وتحمل مسؤولياته في الحياة؛ عندها لابد ان يستثار فيه حافزان: الأول: وعي الآخرة؛ بما تعنيه من بعث وجزاء، والثاني: نفسه اللوامة التي تثير في داخله النقد الذاتي، بما يعني ردعه عن اقتحام الخطيئة، من هنا؛ يذكرنا القرآن بهما جنبا الى جنب في سياق علاجه لموضوعها، فيكون الامتثال لأمر الله - تعالى- في مسألة الابتلاء، حتى يميز الخبيث من الطيب، لذا يجب ان نقنع بما كتبه الله لنا ونشكره على ذلك، ونعلم ان راحتنا؛ في عبادته وطاعته -سبحانه - من أجل أن نرتاح في الآخرة.

بيد انه حينما نرى ان النعمة في دار الدنيا تمتزج بالنقمة، والراحة يعقبها التعب، وفي العالم ظلما فاحشا وفسادا ظاهرا، نهتدي بذلك؛ إلا ان الله لم يجعل هذه الدار التي نعيش فيها دار الرحمة التي لأجلها خلقنا، وان كان قد اسبغ علينا فيها بالنعم والآلاء.. فلا بد إذاً ان نبحث عن مكان آخر غير الدنيا فيه الراحة الكاملة التي تناسب كمال الله سبحانه فما هو ذلك المكان؟ انه الآخرة التي وعدنا بها، فالغاية من الخلق السعادة في الآخرة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لا ريب في ان الدنيا تنطوي على خير وشر، ولا يمكن ان يكون الشر فيها نعمة أيضا، وبما ان الله متعال عن الشر الذي ينافي الرحمة الواسعة التي لا حدود لها، فلابد من القول بأن الله تعالى إنما جعل الخير والشر في الدنيا ليختبرنا بهما، {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً}، (سورة الانسان: 3)، إذ انه - تعالى- كلفنا بأن نختار بحرية أحدهما {إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً}.


ارسل لصديق