التسامح والاستيقاظ من الأحلام الوردية
كتبه: كريم الموسوي
حرر في: 2017/03/28
القراءات: 229

السير في طريق الكمال هي الغاية التي نصبو إليها، فمنذ الطفولة ونحن نتعلم على يد والدينا أن نتصرف بأفضل ما يكون وأن نحسن التعامل مع الآخرين كما يفعل أي إنسان صالح، وأن نحسن الظن بالآخرين ونعفو عن المسيئين، وأن نساعد الفقراء والمحتاجين، ليس هذا فحسب بل يعلموننا أيضاً كيف نحسن التفكير والتحليل بما تستوعبه عقولنا الصغيرة آنذاك.

وحينما نرتكب خطأً ما مخالفاً لما تعلمناه على يد آبائنا فربما يسيطر علينا هاجس الخوف من العقاب، وخشية ألا يكون آباؤنا يصفح عما بدر منّا، ولكن بعد مدة نكتشف أن آباءنا هم أكثر رحمة ورأفة بنا وقد سامحونا على ما فعلناه، بيد أن هذا، ربما يشكل بداية لدى بعض الأطفال ليتمادوا في الأخطاء وتكرار أفعالهم السيئة؛ لأنهم أخذوا الانطباع بأن الآباء متعاطفون ومتسامحون وأنهم سيعفون عن أخطائهم.

وعندما نكبر تنتابنا أفكار مشابهة عن الإنسان الكامل، فنحلم بالاقتران بزوجة ذات سمو وكمال، وعلى وقع هذا الحلم ندخل العش الذهبي فتتجسم الصورة لدينا للإنسان الكامل على شكل امرأة ولكن بعد حين تبدأ هذه الصورة تتغير شيئاً فشيئاً حتى نجد أن الصورة التي كانت في مخيلتنا ما كانت إلا حلماً وردياً!

وبين مرحلة الصبا ومرحلة النضج البشري يتقلب الإنسان بين تحولات كبيرة؛ هي تحولات ذهنية يتدرج فيها الإنسان من الوهم والحلم والحقيقة، وحتى يستقر حاله على وقع الحقيقة، يكون قد عايش وجرب حالات ومراحل نفسية مختلفة، ومن الناس من لا يصل أبداً إلى الحقيقة لأنه يريد أن يعيش في كنف حلمه الطفولي، ومنهم من يصل إلى معرفة الحقيقة والواقع في سن متأخرة من حياته، ومنهم من يسبق ذلك فيصل إلى معرفة الواقع في باكورة عمره.

المهم هنا أن نعرف بأن فهم الحقيقة هو الذي سيساعدنا على تخطي مسيرة الحياة بأفضل ما يكون، فالزوج الذي لا يزال يعيش مع حلمه الطفولي، بأنه تزوج ملاكاً؛ فهذا الإنسان لن يستطيع أن يعيش مع زوجته الحالية، ولن يعرف كيف يتعامل مع الواقع الجديد، أما الشخص الذي خرج من حلمه الطفولي وأدرك حقيقة الواقع فإنه ستتوفر لديه إمكانية التعامل معه.

وكما نعرف أن الإنسان خَطّاء، فكيف ينبغي أن نتصرف إزاء هذه الحقيقة البشرية، ففي تصوراتنا المخملية لا نتوقع مطلقاً أن تصدر أخطاء من الأشخاص الذين نحبهم؛ من أب وأم وأخ و زوج وصديق وغيرهم، وعندما نلمس الخطأ منهم، فلا ندري ما العمل؟! هل نقاطعهم أو نتشاجر معهم؟ أم هل نعفو ونصفح عنهم؟

نحن عندما نقرأ قصة أبينا آدم، وأمنا حواء، وكيف عفا الله - سبحانه وتعالى- عن ذنبهما، ندرك أن الحياة قائمة على أساس العفو و الرحمة، ولكن ليس من دون ثمن؛ فأبونا آدم وأمنا حواء، عليهما السلام، دفعا ثمناً غالياً لخطئهما وهو نزولهما من علياء الجنة إلى دنية الدنيا، فإذا كان هذا عقابهما لذنب واحد اقترفوه؛ فما مصيرنا نحن الأرضيين الغارقين بالخطايا والذنوب؟!

وهنا يجب التفريق بين العفو عن المجرمين وبين العفو والتسامح عن هفوات الناس وأخطائهم البسيطة التي ارتكبوها عن غير عمد، والتي لم تتجاوز حدودها الدماء والمال والأعراض، ففي القصاص تتحقق معاني الحياة لأولئك الناس المسالمين الذين يريدون العيش بسلام وأمان.

إن الذي يستحق العفو هو ذلك الشخص الذي يريد أن يبني الحياة ويحاول جاهداً أن يرفع نفسه نحو الكمال، ومن هنا يتبين أن المسيرة الإنسانية الصحيحة هي التي يتعلم فيها الإنسان كيفية الصعود على درجات التكامل، لا أن يبقى في موقعه مكرراً نفسه و أخطاءه وكل يوم جديد يأتي عليه وهو قابع في زاوية النسيان.

هذا المبدأ ينطبق عليك كما ينطبق على زوجك وصديقك وقريبك وغيرهم، فما دمت لم تصل إلى درجة الكمال فلا تتوقع من الآخرين أنهم وصلوا إلى ذلك المستوى، فيجب أن تتوقع منهم الخطأ وأن تسامحهم وتصفح عن هفواتهم وأخطائهم.

إنك لو دققت في التضحيات التي تقدمها زوجتك لرعاية أطفالك، مثل؛ استيقاظها في الليل لرعاية الأطفال وعنايتها بهم، و انشغالها الدائم بتوفير الراحة لك ولأطفالك، وكذا سائر شؤون البيت والعلاقات الزوجية، لأدركت أن زوجتك أفضل من ملاك، لأنها هي المخلوقة من عالم المادة الدونية والروح العلوية، وتمكنت أن تتغلب على طبيعتها الأرضية وتضحي بوقتها وعمرها وشبابها في سبيل تحقيق السعادة لك ولأسرتك، وهي في الواقع تقوم بأكثر من واجبها الشرعي - أحياناً - وربما تبذل طاقات مضاعفة، أليس من اللائق عندما ترتكب خطأً ما، أن تسامحها وتصفح عنها؟ علماً أن التسامح مطلوب من المرأة كما هو مطلوب من الرجل.

وهذا يمثل قاعدة ومنطلقاً لاتخاذ العفو منهجاً في حياتنا، يتجسد في كل حين مع الأصدقاء والإخوان والأقرباء وسائر أفراد المجتمع، فمعظم ما يصدر من الناس من هفوات بحق الآخرين، ربما تكون عفوية وغير مقصودة، وعليه يجب أن يتحلى المرء بالصبر والحلم حتى يتمكن من التعامل مع الموقف الصعب بشكل لائق.


ارسل لصديق