القرآءة.. ودورها في تنمية المجتمع
كتبه: الشيخ ماجد الطرفي
حرر في: 2016/11/30
القراءات: 631

أهمية القراءة لم تأت من مفكر او عالم او غيره من البشر، إنما جاءت من السماء مباشرة، {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ..}، التي هي أول ما نزل من القرآن الكريم، إذ لها دلالة كبيرة وعميقة في استكشاف أهمية القرآءة، لكسب العلم والمعرفة؛ أنزلها جبرائيل من الله - تعالى- يأمر بها النبي، صلى الله عليه وآله، بالقراءة، من ثم تحولت إلى أحد عوامل تكامل الإنسان في تعلمه وتمكنه من القلم في ظل لطف الله وكرمه وارتباطه بالخالق؛ وذلك لتبين قدرته - تعالى- على الخلق.

إن الله الذي علم الإنسان بالقلم - القراءة والكتابة - وكشف له المجاهيل وأعطاه القدرة العظيمة على كشفها، كما هو منبثق تاريخ البشر في منطلق جميع العلوم والفنون والحضارات، وممكن القول إنّ اللّه علم الإنسان جميع العلوم عن طريق القلم وبوسيلة الكتابة عن طريق الأنبياء ومنهم تناقلتها الأجيال.

إذ إن تكامل الإنسان وارتباطه بالحياة تعتمد على اكتساب الإنسان للعلم، كما كان القلم - وما يزال - محور حركة التحضّر والتقدم العلمي والإنساني لكل الحضارات والعلوم، وكلّ تقدم في أي مجال من المجالات.

إنّ حياة البشرية في مراحل مختلفة من عصر التاريخ بدأ في استعمال القلم للكتابة ثم القراءة، استطاع بذلك أن يخلف تراثاً للأجيال. من هنا فإنّ أساس الإسلام قام منذ بزوغ فجره، على أساس العلم وبواسطة القلم، مع أن علوم المسلمين ومعارفهم هو الذي مزّق ظلام القرون الوسطى في أوروبا وأدخلها عصر الحضارة.

 

 القراءة وسيلة التقدم والرقي والازدهار

لا يمكن لأحد أن يتصور تقدم أمة ما من دون ان تكون قارئة ومطّلعة على ما يدور حولها، فالإنسان الذي يواكب تطورات العلوم والمعارف، هو الذي يتمكن من التطلّع، إلى المستقبل الزاهر لتنمية فكره وعقله.

هنالك من المجتمعات من تسهل لنفسها مسألة القراءة وتجعلها مفتاحا لها، من خلال الحث على القرآءة والعمل على نشرها كثقافة بين جميع فئات المجتمع، والقراءة كانت ولا تزال من أهم وسائل نقل ثمرات العقل البشري وآدابه وفنونه ومنجزاته ومخترعاته وابتكارات، وهي الصفة التي تميز الشعوب المتقدمة التي تسعى دوماً للرقي والصدارة، عن الشعوب الكسولة التي تأكل أكثر مما تنتج وتحب جمع الأموال وتتكالب على حطام الدنيا وتقدمها على تنمية عقولهم ونفوسهم، وهذا هو سبب تأخرهم وتخلفهم عن بقية الشعوب، لذا لا تستطيع حماية نفسها من العدو، ولا نكون مغالين إذا قلنا إنّ مصير المجتمعات البشرية مرتبط بما تنتجه الأقلام من الفكر والمعرفة والعلم.

ولكي ينمو المجتمع عليه أن يطالع ويقرأ حتى يزدهر بالعلم الذي هو روح الحياة ومنار عز الإنسان، والحجر الأساس في تنميته ورأس ماله؛ كما في كلام لأمير المؤمنين، عليه السلام، لكميل بن زياد: «.. يا كميل العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تفنيه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق،...»، وإذا تأملنا بعض المواقف في السيرة النبوية نجد اهتمامًا كبيراً جداً بقضية القراءة، منها: موقف فداء الأسرى في معركة بدر؛ فقد كان الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، يطلب من الأسير المشرك الذي يريد فداء نفسه من الأسر بتعليم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة، وفي هذه الحادثة دلالة واضحة وهامة على أهمية القراءة والكتابة في مسيرة النهوض والتقدم التي شهدتها الأمة في بداية تاريخها المشرق.

بهذا الموقف وغيره من المواقف، غرس، صلى الله عليه وآله، حب القراءة والكتابة في قلوب المسلمين، واستمر ذلك على يد الأئمة الأطهار، عليهم السلام، في نشر العلوم الإلهية والإنسانية في شتى جوانب الحياة، فظهرت جامعة الصادقين، عليهما السلام، التي وصلت علومها إلى البلاد الغربية وانتشرت بفضلها المكتبات الإسلامية، وكانت من أعظم مكتبات العالم، ولقرون طويلة منها: مكتبات؛ بغداد، وقرطبة، وإشبيلية، وغرناطة، والقاهرة، ودمشق، وطرابلس، والمدينة، والقدس، التي ازدهرت فيها القراءة على مدى التاريخ الطويل، وقدمت للأمة وللعالم من الثقافة والحضارة والعلوم ما جعلها مرجعاً عاما لكافة العلماء بما فيهم علماء الغرب.

 

 فوائد علمية للقراءة

عرفنا أن القراءة لها أهمية كبيرة في حياتنا، وهي مهارة مكتسبة يمكن أن تحقق لأصحابها النجاح والتقدم والرقي في كافة ميادين حياته، سواء في حاضره أو مستقبله، ولكن لو تمعنا في خلقة الإنسان التي خلقها الله تعالى لوجدنا؛ بأن عقله لا يدرك الأشياء إلا بعد أن يتحسسها أو يَطلع عليها لكي يدرك ماهيتها ومتعلقاتها، وهذا لا يتم إلا عبر القراءة المستمرة والعمل الدؤوب، إضافة إلى الخبرات الحياتية المتراكمة، فبمقدار ما يقرأ ويتطلع ويستوعب ما يقرأه فيتطور فكره وتتوسع مداركه، إضافةً إلى ما أكتشفه العلم الحديث من أسرار في دماغ الإنسان، وبالذات «الجهاز العصبي المركزي» وهو المنظم لجميع فعاليات جسم الإنسان، كشفت أن له إمكانيات جديدة لكل يوم؛ وما نعرفه هو أنه الجهاز الذي يجعلنا بشرا؛ وبواسطته يمكن للإنسان التمييز واستخدام الحواس الخمس وغيرها.

كل أحاسيس جسم الإنسان تأتي من كتلة من الدهون والبروتينات وزنها حوالي 3 رطل (1.4 كيلوغرام)، وهي مع ذلك واحدة من أكبر أجهزة الجسم، إذ يتألف من خلايا عصبية يبلغ عددها نحو 100 مليار خلية متصلة ببعضها البعض على نحو 100.000 مليار تشابك عصبي، فإن بعض الخلايا العصبية يقوم بتخزين المعلومات، وهي ليست فقط تعمل في تلقي المعلومات من رؤية وسمع وشم وغيرها وربطها ببعضها البعض، بل تعمل أيضا في تنظيم الأفكار، وتنسيق الإجراءات الفعلية للغاية، بل هي تقوم في نفس الوقت بتنظيم العمليات الحيوية اللاواعية للجسم، مثل تنظيم دقات القلب وعملية التنفس والهضم. ويمكنها تخزين معلومات بمقدار ما يقارب مليون غيغابايت من البيانات، وهو ما يقدّر بنحو 4.7 مليارات كتاب، أو 670 مليون صفحة ويب، ولا يستغل منها المرء سوى القليل جدا. وهي في تركيبها وقدراتها ودقتها تفوق دقة تركيب الكون كله، ولا يتمتع بمثل دماغ كهذا وقدراته إلا الإنسان، ومن خلال حفاظه على هذه القدرة العظيمة التي وضعها رب العزة لخدمته ممكن له أن يحافظ على نشاط ذاكرته وقوة فكره حتى سن الشيخوخة.

نقل عن عباس محمود العقاد أنه قال: «القراءة تضيف إلى عمر الإنسان أعماراً أخرى»، لذا نجد العلماء والكتاب والمفكرين والفلاسفة، من أكثر المعمرين، وما من عالم كبير أو مخترع عظيم إلا وكانت القراءة الواعية المستمرة وسيلته إلى العلم والاختراع، منهم العالم «فيلو» مخترع التلفزيون، فقد كان تلميذاً مجتهداً ومحباً للقراءة، وقد قرأ كل ما في مكتبة المدرسة عن الصوت والضوء والسينما الصامتة، وكان همه أن يجمع بين الصوت والصورة، فقرأ وبحث ودرس دراسة شاقة، حتى توصل إلى ما رغب فيه، وقيد اختراع التلفزيون باسمه.

لذا على الإنسان أن يجاهد ويتوسع ويعطي من وقته للقراءة؛ لأنه إن لم يقرأ لن يجد سبيلاً للتقدم والتطور؛ كون أن كل حرفة ووظيفة مهما كانت، تتطلب المعرفة، والإصرار والمثابرة في كل يوم في ظل هذا العصر، عصر الانفجار المعرفي الهائل وثورة المعلومات المتسارعة.

 

 أهداف القراءة وأسباب العزوف عنه

القراءة لها الأثر البالغ في تكوين الشخصية الإنسانية بأبعادها المختلفة، علماً أن هناك فرقاً واضحاً بين إنسان قارئ اكتسب الكثير من قراءاته وإنسان لا يميل إلى القرآءة؛ وكون أنها تعتبر الركيزة الأولى لعملية التثقيف، والتي تكون مكملة لدور المدرسة، وهي من وسائل التعليم، التي تحتاج إلى تنمية مهارات القراءة اللازمة في تنمية المعرفة البشرية؛ وهذا الدور منوط بـتنسيق تربوي بين المدرسة والأسر؛ من أجل إعداد رجل المستقبل في جميع جوانب الحياة، لتنمية المهارات القرائية مثل؛ سرعة القراءة، وفهم المادة المقروءة فهماً كاملا، واستخدام ما لديه من قوى ذهنية واسعة لتحويل رموز الكتابة إلى معان يفهمها العقل؛ من هنا يجب أن تكون القراءة واعية تقترن مع فهم المادة المقروءة، كفهم معاني الكلمات والربط بين الجمل والقراءات السابقة ليصل إلى الأهداف المطلوبة والتي منها:

1- عبادية: كقراءة القرآن وكتب العلم وهي أشرف أنواع القراءة وأجلها ولا ينبغي لمسلم العدول عنها.

2- مهنية: كمن يقرأ في صلب تخصصه وطبيعة عمله.

3- تنموية: وهي قراءة ما يصقل الشخصية ويعزز المواهب .

4- ثقافية ومعرفية: مثل القراءة العامة لمن يريد الاطلاع وزيادة المخزون المعرفي.

5- ترويحية: إذ القراءة بحد ذاتها إيناس للنفس فكيف إن كان المقروء من النوادر والملح والحكايات المستطرفة والأعاجيب؟

6- عملية: كأن يطالع المقبلون على الزواج عن الحياة الزوجية، أو عن التجارة الدولية وما شابه.

هذه الدوافع تواجهها عوامل إحباط وعزوف عن القراءة والمطالعة منها:

1- أسباب تربوية: كتغييب ثقافة الكتاب عن بعض البيوت والأماكن التربوية.

2- أسباب ذاتية شخصية: كالجهل والغرور والنظرة القاصرة للنفس ومن ضمنها ضعف المستوى التعليمي.

3- أسباب اقتصادية: بسب غلاء أسعار الكتب أو فقر الإنسان أو قصور دخله عما هو أهم أو ما يظنه أهم إضافة إلى استغراق بعض الأعمال طوال اليوم.

4- أسباب فنية إدارية: وتكون عند من لا يحسن تنظيم أوقاته ولا يعرف أولوياته ولا يرتب أدواره الحياتية.

5- أسباب نفسية ترفيهية: فبعض الناس يفضل الرفاهية والراحة على قضاء أوقات مع الكتاب فلا مكان للجدية إلا في ركن قصي يضيق ولا يتسع، ولعل انتشار وسائل الإعلام والأنترنت مما يدعم هذا الجانب.

من هنا؛ فان المسؤولية كبيرة وواسعة ملقاة على عاتق الجميع؛ لابد للفرد أو المجتمع أن يوفروا من وقتهم مجالاً للقراءة، وأن يجعلوا للكتاب قيمة معنوية، سواء كان في مكتبة المسجد أو مكتبة المدرسة أو مكتبة البيت أو مكتبة الحي أو ما شابه، إضافةً إلى البحث عن القدوات المثقفة التي تبدع في هذا المجال، كما في قصة كاتب السطور، عندما كنت صغيراً في الصف الثالث الابتدائي، حثني أحد أقاربي - كان مدرساً في مادة الرياضيات - بأن أقرأ يومياً كتاباً من قصص الأطفال مقابل مبلغ من المال لكل كتاب أكمل قراءته، فكان سبباً لي في قراءة الكثير من الكتب المفيدة التي ما أزال احتفظ بالعديد منها في ذهني؛ تفيدني في جوانب مختلفة من الحياة.

إن عامل التحفيز والحضّ له دور كبير في توجه الأولاد إلى تنمية القراءة لديهم، حتى تكون ملكة عندهم، ليصلوا إلى الطريق الثقافي المأمون، إذ كنت صغيرا أتذكر كانت هناك مدارس ابتدائية ومتوسطة وغيرها تحوي على مكتبات، ويخصص لها وقت معين ليدخل الطلبة لمطالعة القصص، فلو يعود هذا العمل إلى مدارسنا يكون أفضل للأولاد، مع التعود على زيارة المكتبات العامة أو التجارية أو مكتبات العلماء أو مكتبات المثقفين الخاصة، مع قراءة جميع المجالات الدينية منها والثقافية والأدبية والعلمية والتعرف على آراء العلماء من كل أنحاء العالم وخصوصاً المرحلة الحالية التي أصبح فيها البحث والتقصي عن الكتب سهلاً من خلال الأنترنت وغير ذلك للبحث عن الكتب الجيدة والمفيدة لتنمية العقل والذهن حتى يكون إنسانا سويا ذا عقل راجح يفيد نفسه وأهله ومجتمعه، ومن ثم يصبح عنصراً صالحا في بلده.


ارسل لصديق