الزيارات المليونية .. المظهر والجوهر
كتبه: الشيخ فارس الجبوري
حرر في: 2017/05/06
القراءات: 157

تضمن الدين الاسلامي؛ وهو الدين الخاتم، عدداً من الشعائر والطقوس، التي شرع بعضها على نحو الوجوب، والبعض الآخر على نحو النُدب، ولعل في اعمال وشعائر الحج مثالاً واضحاً على ذلك من طواف وسعي ورمي جمرات وغيرها، وتأتي الزيارات؛ وبخاصة زيارات مراقد الانبياء والأئمة المعصومين من اهل البيت، عليهم السلام، كأحد أهم هذه الطقوس والشعائر.

 

فضل الزيارات

لقد تواترت الروايات في فضل الزيارات، فقد عدت زيارة أربعينية الامام الحسين، عليه السلام، من علامات المؤمنين، فعَنْ الإمام الصادق، عليه السلام، قَالَ: «مَنْ زَارَ الْحُسَيْنَ،‏ عليه اليلام، مِنْ شِيعَتِنَا لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى يُغْفَرَ لَهُ كُلُّ ذَنْبٍ - وَيُكْتَبَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ خَطَاهَا وَكُلِّ يَدٍ رَفَعَتْهَا دَابَّتُهُ أَلْفُ حَسَنَةٍ وَمُحِيَ عَنْهُ أَلْفُ سَيِّئَةٍ - وَتُرْفَعُ لَهُ أَلْفُ دَرَجَةٍ»، وعَنْ زَيْدٍ الشَّحَّامِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصادق، عليه السلام: «مَا لِمَنْ زَارَ الْحُسَيْنَ‏ قَالَ كَمَنْ زَارَ اللَّهَ فِي عَرْشِهِ...» وعنه، عليه السلام، انه قال: مَنْ زَارَ الْحُسَيْنَ‏، عليه السلام، لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَلَيْلَةَ الْفِطْرِ وَلَيْلَةَ عَرَفَةَ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ حِجَّةٍ مَبْرُورَةٍ وَأَلْفَ عُمْرَةٍ مُتَقَبَّلَةٍ - وَقُضِيَتْ لَهُ أَلْفُ حَاجَةٍ مِنْ حَوَائِجِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

كما أنّ زيارته، عليه السلام، تزيد في الرزق والعمر وتدفع السوء، فعن الامام الصادق، عليه السلام، قال: «مروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين، عليه السلام، فإنّ إتيانه يزيد في الرزق ويمد في العمر ويدفع مدافع السوء، وإتيانه مفترض على كل مؤمن يقر للحسين بالإمامة من الله». وانها تحط الذنوب فعن الامام الصادق، عليه السلام، انه قال: «إنّ زائر الحسين جعل ذنوبه جسراً على باب داره ثم عبرها، كما يخلف أحدكم الجسر وراءه إذا عبر». وغيرها الكثير من الفضائل مما لايعد ولايحصى.

 

المظهر هو الأهم

خلافاً لكل القواعد المتعارفة عند المقارنة بين المظهر والجوهر، والتي تذهب الى ان الجوهر هو الاهم، وان المظهر لايعدو كونه وسيلة، ومقدمة لتحقيق الجوهر، بيد أن حقائق عدّة تؤكد عكس ذلك في حالة استثنائية تخص الزيارات والشعائر الدينية، فهي وإن كانت طريقاً الى عبادة الله - تعالى- إلا انها مشابهة لولاية المعصومين فعبادة الله بدونها لن تكون مقبولة، كذلك الأمر هنا؛ والكلام هذا ليس جزافاً بلا دليل، فحتى مع الاعتقاد الجازم بان هذا الجوهر هو غاية المظهر، الا ان هذا المظهر سيؤدي حتما لتحقيق الغاية منه بشرط إقامته واستمراره.

إذن؛ اصبح وجود المظهر، هو الطريق الوحيد لتحقيق الغاية وبدونه لاغاية تتحقق، فصار المظهر وسيلة وغاية في وقت واحد، ولعل ما يؤكد هذا الاعتقاد ما نصّت عليه الروايات من ثواب عظيم ومنقطع النظير للمظهر وحسب، دون قرنه بالجوهر؛ لدليل واضح على ذلك؛ فنحن لا نعلم بمديات مصالح هذا التشريع، فقد تصل الى مديات يصعب استيعابها؛ مادامت الروايات قد اعطت هذا الأجر العظيم للمظهر وحسب، فلها في كل زمان ومكان عطاء معين، يفيض على اهل ذلك الزمان بحسب وعيهم وزمانهم وزكاة انفسهم؛ فيتصلون بنور آثارها التي قد تصل الى المستوى الذي يخرج عن واعية الانسان وفهمه، ولذلك فإن هذا المظهر انما هو اهم من الجوهر الذي نفهمه وفق تطور المرحلة التاريخية التي نعيش فيها، وربما تفوق آثاره قدرة استيعاب البشر العقلية، فالمظهر قاعدة بناء الجوهر وتربتة إنباته الصالحة.

 

فلنشجع على المظهر

وتأسيساً على هذه الرؤية، صار من المهم جداً التشجيع على مظاهر الشعائر ومنها الزيارات، والحثّ عليها بكل الطرق والوسائل، والعمل على تشجيعها عبر مختلف الوسائل من المشاركة بالزيارات واصطحاب الأبناء للزيارة؛ لتربيتهم عليها وغرسها في نفوسهم، وبيان عظيم ثواب مؤديها، واعطائها حيزاً في خطب ومحاضرات رجال الدين، ومنشورات تحث عليها في المساجد والشوارع، والدعوة اليها عبر وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي، والقيام بالسفرات المدرسية الى هذه المشاهد المشرفة، وتوفير كل وسائل الراحة للزائر، وتشكيل مراكز بحث ودراسة لآليات التشجيع وجذب الناس، وغيرها من الامور التي تشجع عليها.فادامة زخم المظهر ضرورة لابد منها.

 

الجوهرثمرة المظهر

وهكذا؛ مازال مظهر الزيارات وشكلياتها يمثل قاعدة جوهرِ الزيارات، ويترشح على ذلك المظهر، غايات واهداف عظيمة لكل زمان بحسبه؛ فصار من الضروري ان نهتم بتحقيق ذلك الجوهر المنشود منها وفق المرحلة الزمنية التي نعيشها، والمتمثل بمستويات بناء الانسان وهو روح هذه الزيارات وغايتها، فالزيارات المليونية هي كالغيث الذي يجب ان نستثمره؛ وذلك بإعداد العدة والاستعداد الجيد، وغرس البذور اللازمة حتى تثمر عما يستفيد منه الانسان.

ومن جوهر الزيارات، ان جعلها الله - تعالى- محطات روحية للانسان؛ يتزود فيها بالطاقة الروحية التي تمكنه من مواجهة تحديات الحياة، والدوام على طريق الاستقامة ويزكي بها نفسه، فحينما يقف امام مشاهد أولياء الله الصالحين؛ يرى فيهم مثالا شاخصا يقتدي به، لتغير واقعه نحو الافضل.

 

الايجابية هي الموقف المطلوب

وهنا لابد من الاشارة الى تلك الاصوات السلبية ،التي ترتفع من هنا وهناك منتقدة أولئك الاشخاص الذين دفعهم حب اولياء الله تعالى الى زيارتهم، في لحظة صحوة ونقطة تحول الى الهداية الالهية، داعية اياهم الى تركها بدعوى أولوية الالتزام بالفرائض والقيم الاخلاقية بشكل كامل، كما لو أن من يزور الإمام الحسين، عليه السلام، - مثلاً - يجب ان يكون على درجة عالية من التديّن والأخلاق والوعي والثقافة! والموقف المطلوب من هذه الاصوات هو جعل هذه الزيارة مرتكزاً ومنطلقاً لتشجيع هؤلاء الاشخاص للاستمرار بالزيارة اولا، وجعلها منطلقا ومعراجا للهداية الربانية بخطاب ايجابي ثانيا ، بدل صدهم عن سبب هذه الهداية ؛فلا يزكي الأنفس الا الله تعالى.

 

لماذا الطعن بالشعائر؟!

على مر الازمان، طال الطعن كل ماهو حق وحقيقة من رسالات و انبياء وتشريعات، ويرجع ذلك الى عدة اسباب؛ منها ماهو ناتج عن الجهل فالناس اعداء ماجهلوا، فجهل الانسان بفلسفة هذه الشعائر ومنها الزيارات يجعلهم ينظرون اليها بصورة مادية مجردة، بعيدا عن غاياتها واهدافها المنظورة او غير المنظورة، والتي شُرعت لأجلها؛ فاصبح لا يرى من السعي بين الصفا والمروة إلا الذهاب والإياب، ومن الطواف، إلا الدوران، ولا يرى من الزيارة إلا الوقوف أمام المراقد المشرفة.

ثم إن المشاكل النفسية لدى البعض لها دورها في الدفع نحو التشكيك والطعن بالشعائر والزيارات المليونية الى مراقد الأئمة المعصومين، عليهم السلام، فتارةً نرى هؤلاء يطعنون بأصل الشعائر، والقول أن أصلها لم يكن تشريعياً من الأساس، كما ترتفع اليوم بعض أصوات الملحدين هنا وهناك، بالقول ان الحج وبناء البيت، انما كان لأسباب اقتصادية بحتة! متجاهلين كل ماورد من تشريعات في هذا الشأن، كذلك طعنوا بأصل الزيارات، ووضعوا لتشريعها اسبابا شتى، رغم كل ماورد فيها من تشريعات، اذ انهم لا يعترفون بالتشريع من الاساس، وذهب آخرون الى امكانية تحقق غايات هذه الشعائر من دون الاتيان بها ، بطرق أخرى اسهل واقل تكلفة؛ فلا داعي لها، ولابد من التوقف عنها لما تسببه من آثار سلبية على الاصعدة الاقتصادية والاجتماعية وغيرها.

فيما تحول آخرون الى عقليات اقتصادية عملاقة، فأجروا حساباً لتكاليف هذه الزيارات، وقالوا انها تكلف البلاد والعباد المليارات! ونسوا ان الرازق هو الله وهو الذي دعانا اليها، ووضع لذلك اجرا عظيما، بل جعلها احدى ابواب الرزق . بينما تحول آخرون الى عمالقة اداريين، فقالوا: ان الزيارات المليونية تعطل مصالح الناس، وتؤخر اعمال الدولة، وهو يعلم ان دوائرنا الحكومية لا تنجز في عامها كله ماتنجزه نظيراتها اليابانية في اسبوع، فترى ذلك المنتقد يقضي حياته كلها كسلاً وتهرباً عن العمل، وفي ايام الزيارات يبحث عن الإنجاز!

ولو دقق الانسان في هذا الرفض لوجد ان لديه جذوراً نفسية ومشكلة في داخله تجاه شعيرة الله - تعالى- وكم هو يحتاج الى علاج لمشكلته النفسية، كما انه ينسى ان هذه الشعيرة لو استثمرت بالشكل الصحيح، فانها تمثل منهجاً لتحقيق الانجازات الكبرى، علاوة على انها منهج للاصلاح الحقيقي، ليس للشيعة فقط، وانما للبشرية جمعاء.

 

الدين والغيب

جعل الله تعالى الإيمان بالغيب أحد اهم صفات المتقين، اذا قال تعالى في بداية سورة البقرة - وهي ثاني سور القرآن الكريم بعد الفاتحة مباشرة -: {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}، (سورة البقرة: 1-3)، فهناك تشريعات وحقائق لا يمكن للانسان ان يفهمها في عصره؛ نظرا الى محدودية تطور العقل البشري في ذلك الزمان، فلو ان الدين اخبرنا قبل عشرة قرون مثلا بان الانسان سيمتطي الهواء كما هو الحال اليوم، وتركنا الموضوع للقناعة العقلية المجردة؛ لما كان بالإمكان التصديق بهذه الحقيقة ابدا مع انها حقيقة، ولما كان للانسان ان يؤمن بحقيقة الإسراء والمعراج ابدا، وقد لا يتعلق ادراك الحقائق بمستوى نضج وتطور العقل البشري، فمهما بلغ من الكمال عبر مراحل الحياة المتراكمة لا يمكن له استيعابها كما في قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}، (سورة الإسراء: 85). وهكذا يجب على الانسان ادراك حقيقة ان الايمان بالغيب هو احد سبل ومناهج المعرفة الحقة؛ اذ لا يمكنه فهم كل الحقائق تفصيلا للايمان بها، فالايمان بالحقائق ومنها الشعائر يمكن ان يكون خاضعا للعقل في قسم منه بينما يكون الايمان بالبعض الآخر عن طريق الوحي عبر النص وبيان العلل، وفلسفة بعض الاحكام، في حين ان الايمان بقسم ثالث لايتحصل الا عن طريق التسليم لله تعالى، والايمان بالغيب، وبخاصة فيما يتعلق بغايات التشريعات ومنها الشعائر والزيارات.

 

الزيارات عقيدة ثابتة لا تتزلزل

فعقيدتنا بالشعائر الاسلامية، ومنها الزيارة لائمتنا المعصومين، عليهم السلام، ثابتة لا تتزلزل، وهذه العقيدة ليست نابعة من تقليد اعمى او جريا على عادات الأقدمين بغير علم، او عملا بلا دليل، وإنما لدى المذهب الحق من الأدلة ما لا يمكن التشكيك به، الا من قبل الجاهلين و مرضى القلوب، فهم اتباع أميرهم يزيد الملعون القائل: «لَعِبَتْ‏ هَاشِمُ‏ بِالْمُلْكِ‏ فَلَا خَبَرٌ جَاءَ وَلَا وَحْيٌ نَزَل» فهذا المنهج القديم الجديد تبنته اليوم شرذمة من الخلق تمذهبت وتخندقت حديثا في خانة اطلقت على نفسها الوهابية، ظهرت الى الناس بدين بدعة جديد هو امتداد لدين مسيلمة الكذاب ويزيد لعنهما الله، تفجر فيه قبور الأنبياء الاولياء والصالحين، على خلاف كل المسلمين على اختلاف مذاهب الذين يزورون اضرحتهم؛ تريد هذه الشرذمة ان تطفئ نورالله ولكن هيهات فقد شاء الله الا ان يتم نوره.

 

شاء الله الا ان يتم نوره

فرغم كل الحملات المغرضة هنا وهناك، وكل حملات التشويه المغرضة، وآلاف الكتب والمقالات، وملايين الخطب وآلاف البرامج التلفزيونية، ومليارات المنشورات والتعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي لم تزد نور الزيارات الا توهجا، ولم ينفعهم التفجير وقتل الزائرين، بل زاد الناس اصرارا،فهم كمن ينفخ في النار ليطفئها فلا يزيدها قوة النفخ الا تأججا. ولم يستفيدوا من عبر التاريخ ودروسه، مما فعله اسلافهم من حركات الظلم وسلاطين الجور، اذ وصل الامر بهم ولمنع الناس من الزيارة؛ ان جعلوا الزيارة مشروطة بقتل نسبة من الزائرين فلم يمتنع الناس، كما حرثوا قبور ائمتنا وحاولوا ان يضيعوا اثرها، وها نحن نرى اليوم الزيارات المليونية الهادرة، كأنها طوفان نوح في كل عام، فكانت كما قال النبي، صلى الله عليه وآله: «إِنَّ لِقَتْلِ الْحُسَيْنِ حَرَارَةً فِي‏ قُلُوبِ‏ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَبْرُدُ أَبَداً».

وهكذا ينبغي بنا على مستوى المصلحين ان نتحمل مسؤولياتنا في التخطيط والاستثمار الامثل لتحقيق غايات الزيارات وجوهرها والعمل على تطوير مظهرها كما ينبغي بنا كافراد ان نعلم ان الولاء لأهل البيت، عليهم السلام، انما يعني إقامة قيم السماء من العدل والاحسان والتمسك بالقرآن الكريم والعترة الطاهرة والسير على نهجهم اذ ورد عن الامام الصادق، عليه السلام، قوله لشيعته: «كونوا زيناً لنا، ولا تكونوا شيناً علينا»، اذا ما اردنا ان يكون مظهر الزيارات منطلقا لنا نحو جوهرها.


ارسل لصديق