مجابهة الفساد والظلم قاعدة التواصل مع الإمام الغائب ..
كتبه: د. راشد الراشد
حرر في: 2017/05/07
القراءات: 59

لم تأخذ قضية حيزاً ومساحةً في الفكر الإنساني اهتماماً وجدلاً، كقضية الإمام المهدي، عجل الله تعالى فرجه الشريف، نظراً لما تحمله هذه القضية من حساسية وخصوصية في التفكير على مستوى التاريخ الإنساني ومستقبله والمصير الذي يمضي إليه العالم.

إن قضية لها تأثيراتها بحجم قضية غيبة الإمام الحجة المنتظر، لا يمكن أن تكون مسألة عادية أو تقليدية يمكن المرور منها بدون تعمّق في التفكير، أو دون وعي وبصيرة لما هو أبعد من الأحاديث المستعجلة التي قد يمر بها الإنسان دونما اكتراث، أو اعتداد يذكر بأهميتها وبخطورة تداعياتها على الفكر والعقل الإنساني .

تتعدد الزوايا التي يمكن النظر بواسطتها إلى قضية هذا الإمام الغائب، وعشرات الأبحاث والدراسات من مختلف المدارس الأيديولوجية والمذهبية والفكرية تناولت قضية الإمام من زواياها الفكرية والنظرية، بهدف الاقتراب من منطقة يكون فيها العقل الإنساني متحملاً ومستعداً لاستقبال الفكرة والمشروع الأخلاقي.

في هذه السطور القليلة لن نتوقف عند خلاصات تلكم الأبحاث والدارسات، وإنما نشير إلى حقيقة أن كل هذه النقاشات حاولت أن تقترب من إثبات الفكرة وإمكانية تحققها ، وبعض هذه النقاشات كانت تناقش قضية الإمام المنقذ من زاوية العقائد، وما أنبأت به الديانات السماوية، لاسيما في الكتب السماوية السبع، وما أشارت إليه من الظهور في آخر ونهاية التاريخ أو الزمان البشري.

ورغم مرور اثني عشر قرناً من الزمن، ومع التطورات المذهلة في عالمنا المعاصر تقنياً ومعرفياً وعلمياً، ما تزال النقاشات مستفيضة حول الإمام، وأخذت فلسفة الانتظار تهيمن على السجالات الفكرية.

لقد تجاوزت النقاشات في ساحة الأمة فكرياً، حول قضية الإمام الغائب المنتظر، عجل الله تعالى فرجه الشريف، العديد من المحطات وصولاً إلى محطة علاقة الأمة بهذا الأمام وطبيعة ماهية هذه العلاقة. وقد أشبع علماء ومفكرون فلسفة الانتظار بحثاً، وسبروا أغوارها في عدة اتجاهات بعد أن افترضوا من الناحية العقائدية أن وجود وظهور الإمام الغائب، هي قضية مركزية وأساسية في العقيدة، وأن سلامة العقيدة تقتضي التسليم بوجود الإمام المنقذ، ووجوب الطاعة له.

ونظراً لما تعرضت له الأمة طيلة هذه القرون من ظلم واضطهاد فاحش، كانت فكرة الانتظار تمثل خشبة الخلاص من المآسي والويلات، فقد دافع أساطين وأرباب الفقاهة والفكر الإسلامي في الأمة عن هذه الفكرة على أنها المسؤولية الكبرى بإزاء الإمام، عجل الله تعالى فرجه الشريف، معززين ذلك بالعديد من الروايات والأحاديث المروية عن أهل البيت، عليهم السلام، بهذا الخصوص.

ولكن؛ برزت تيارات فكرية في السحاة تبنت منهجاً آخر، رأت مسؤوليتها الكبرى في زمن الغيبة يتلخص في ضرورة مجابهة الانحراف في الأمة بما تتطلبه من مسؤولية أخلاقية وحضارية، تقوم على أساس فهم مختلف لمسؤولية ودور الأمة تجاه الإمام الغائب والمنتظر، ويستند أصحاب هذا الاتجاه الفكري الى الفهم العميق للقضية يفضي الى نتيجة أن رسالتنا في زمن الغيبة الكبرى ما هي إلا فرصة لتجسيد المسؤولية الكبرى التي سيضطلع بها الإمام المهدي، عجل الله تعالى فرجه الشريف، عند ظهوره الشريف من إقامة العدل ودحر الجور والظلم عن العالم.

وفي ثنايا التفكير لدى الاتجاه الرسالي في الأمة، يستند القائلون بضرورة الجهاد لمقارعة جبهة الفساد والظلم في الأمة على قاعدة وركيزة أساسية تتمثل في أنه لا يمكن تبرير التقاعس والخنوع والقبول بالظلم والفساد تحت ذريعة الانتظار، خاصة لإمام يعتقد الجميع أن مسؤوليته الكبرى إقامة العدل والقسط في ربوع العالم.

ولذلك فإن مجابهة الفساد والظلم لابد أن تكون هي قاعدة التواصل والترابط الأساسية بين الأمة والإمام الغائب لاعتبارين أساسين وهما:

أولاً: إن مجابهة الظلم والفساد وإقامة القسط والعدل في المجتمع الإنساني هي رسالة الإمام المنتظر، الأولى والأخيرة، ولذلك لابد من اعتمادها كمنهج وتحمل المسؤولية الاخلاقية والشرعية على ضوء معطياتها.

ثانياً: إن الإمام، عجل الله تعالى فرجه الشريف، كونه قائداً وإماماً قائماً، لابد من أن يكون نمط الارتباط به كقائد للأمة، وما يتطلبه ذلك من تحمل مسؤولية تكريس نهجه وتطلعاته في بسط العدل ونشر القسط في العالم.


ارسل لصديق