الغدير.. يوم المسؤولية والتغيير
كتبه: الشيخ صاحب الصادق
حرر في: 2012/10/25
القراءات: 968

هل "الغدير" مجرد ذكرى تاريخية نحتفل بها سنوياً، مكتفين بإظهار الولاء فيه دون البحث عما وراء ذلك من مسؤوليات؟

قد يتساءل البعض: وما علاقة "الغدير" بالمسؤولية؟

أليس يوم "الغدير" هو ذكرى الإعلان الرسمي عن خليفة رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، بواسطة الرسول الأعظم نفسه، وبحضور عشرات الآلاف من المسلمين؟

ثم ألسنا ـ نحن المؤمنين ـ نقرّ بهذه الحقيقة، ونرفعها مرات ومرات في اليوم والليلة في الأذان والإقامة عند كل صلاة مفروضة؟

ألسنا نزور علياً عليه السلام ـ في المناسبات وغيرها ـ ونشهد له بإمرة المؤمنين، ونسلِّم عليه، ونذكر فضائله ومناقبه التي لا تُعدّ ولا تُحصى، والتي أقرّ بها العدو والصديق؟

فماذا وراء ذلك؟. ألا يكفي كل ذلك لكي نُكتَب عند الله من شيعته ومواليه؟

أليس هذا هو الطريق المؤدي إلى الجنة وإلى رضوان الله، ورضوان الله أكبر؟

إذن، ماهي علاقة "المسؤولية" بـ "الغدير"؟ وماهي تلك المسؤولية؟ أليست هذه إضافة جديدة لتعكير الجو على المحتفلين بمناسبة الغدير، الموالين لأمير المؤمنين، والأوصياء من بعده؟

لمعرفة الموقف الصحيح والتوصل للفهم الواعي لأية مسألة ترتبط بالدين والرسالة، لابد من مراجعة مصادر الدين والرسالة، إذ لا يمكننا الوصول إلى الحقيقة من خلال أفكارنا الذاتية، وميولنا الشخصية، ورغباتنا الخاصة.

وتنطبق هذه المعادلة على موضوع "الغدير" أيضاً، شأنه شأن الأمور الدينية والرسالية والولائية الأخرى.

ولذلك ـ ولمعرفة الاجابات الدقيقة على ما طرحنا من أسئلة في مفتتح المقال ـ علينا أن نرجع إلى رسول الله، صلى الله عليه وآله، الذي رفع علياً عليه السلام أميراً للمؤمنين وخليفته بصدق من بعده، ونسأله عن حقيقة الأمر، بالنسبة لنا كموالين لم نعش ذلك العصر حتى نبايع الرسول والوصي بالولاية، ونتمتع بفيض الرسالة والوصاية بشكل مباشر.

إنّ من يقرأ بإمعان خطبة رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، ـ وعلينا جميعاً أن نقرأها ونتدبر فيها ـ يفهم بكل وضوح أن الرسول الأعظم لم يخطب خطبته التاريخية تلك، وفي تلك الظروف الزمانية والمكانية الاستثنائية، فقط لكي يعلن عن الخليفة والوصي، فهذا هو نصف القضية، أما النصف الآخر ـ الذي تزخر به الخطبة الغديرية ـ فهو توجيه الخطاب للمؤمنين، ليس الحاضرين في ذلك الزمان والمكان فقط، بل للمؤمنين في كل الأعصار والأمصار، ورسم مسؤولياتهم تجاه أمر الرسالة والولاية.

الولاية هي لُبّ "الغدير" وهي المكمِّلة للرسالة وخط الاستمرارية لها. والولاية لها وجهان: الوجه الأول، الولي، وهو من عيَّنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، للمؤمنين. أما الوجه الآخر، فهو الموالي. وليس الموالي (الشيعي) هو من يقتصر على (حبّ) الولي والوصي، وليس هو من يكتفي فقط بالزيارة وإحياء المراسيم، وإظهار الولاء باللسان.

إنما خطبة الغدير، تعلن بنفسها؛ أنّ الولاية مسؤولية كبيرة يتحملها المؤمن الموالي في كل مجالات وجوانب حياته: الثقافية، والاجتماعية، والسياسية، وغيرها.

فالرسول، صلى الله عليه وآله وسلم، وبعد أن ركَّز على قضيتي التوحيد والرسالة، أعلن رسمياً عن إكمال الدين وتبليغ الرسالة بالولاية، ثم أطال الحديث الموجّه للمؤمنين في تبيان مسؤولياتهم ووظائفهم وواجباتهم في مجالات العلاقة بالله، وفي المجتمع، وفي الموقف السياسي في الحياة.

والتدبر في خطبة الغدير لا يوجَز في مقال مقتضب كهذا، إنما نسعى ـ خلال السطور التالية ـ إلى تسليط الضوء على بعض فقرات الخطبة التي تتحدث إلينا، وتفصِّل مفردات الولاية عملياً، ومصاديق الإيمان الحقيقي للموالي.

 

1ـ الطاعة لله والرسول والإمام

يشير نبينا الأعظم في عدة فقرات من الخطبة إلى مسألة الطاعة. فالمؤمن لا يكتفي بالاسم والمظهر فقط، بل الأهم من كل ذلك هو الطاعة لله، والرسول، والإمام في جميع الأوامر والنواهي، وواضح أن الطاعة هي أساساً لله تعالى، وطاعة الرسول والإمام إنما هي إمتداد لطاعة الله تعالى، لأنهما ينطقان عن الله، ويحملان لنا رسالة الله.

يقول، صلى الله عليه وآله وسلم، عن طاعته هو لله: (...أسمع أمره، وأطيع وأبادر إلى كل ما يرضاه، واستسلم بقضائه رغبةً في طاعته، وخوفاً من عقوبته، لأنه الله الذي لا يؤمَنُ مكره، ولا يُخاف جوره...)1 ، ثم يقول ـ في فقرة أخرى ـ متحدثاً عن وجوب الطاعة علينا نحن المؤمنين: (معاشر الناس! من يطع الله، ورسوله، وعلياً، والأئمة الذين ذكرتُهم فقد فاز فوزاً عظيماً).

فالفوز ـ إذن ـ بالطاعة. وليس بالاقتصار على الظواهر السطحية فقط.

وفي فقرة ثالثة يؤكد، صلى الله عليه وآله وسلم، على طاعة الإمام بالخصوص، بمناسبة تنصيبه ولياً واميراً للمؤمنين: (فاعلموا معاشر الناس أنّ الله قد نصبه لكم وليّاً وإماماً، مفترضاً طاعته على المهاجرين والأنصار، وعلى التابعين لهم باحسان، وعلى البادي والحاضر، وعلى الأعجمي والعربي، والحرِّ والمملوك، والصغير والكبير، وعلى الأبيض والأسود، وعلى كل موحِّدٍ، ماضٍ حكمه، جائز قوله، نافذ أمره. ملعون من خالفه، مرحوم من تبعه، مؤمن مَنْ صدَّقه، فقد غفر الله له ولمن سمع منه وأطاع له.).

إذن، طاعة الإمام مفترضة على الجميع. ولكي لا يظنّ أحدٌ أن المخاطب بالطاعة هو كل من كان معاصراً للإمام، يفصِّل الرسول القول ليشمل الجميع، أي: المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم، والبادي والحاضر، إلى آخر القائمة التي ذكرها الرسول في خطبته.

 

2ـ التقوى

التقوى، من أهم سمات المؤمن في الحياة، ويعني التقوى ـ فيما يعنيه ـ إجتناب المحارم والتورع عن كل ما نهى الله عنه ورسوله وأئمة الهدى.

وفي "الغدير" يشير رسولنا الأعظم إلى هذه المسألة عدة مرات، فيقول: (معاشر الناس! إتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن الا وأنتم مسلمون).

ويقول في موضع آخر: (معاشر الناس! التقوى، التقوى! إحذروا الساعة كما قال الله تعالى: إن زلزلة الساعة شيء عظيم، أذكروا الممات والحساب، والموازين والمحاسبة بين يدي ربِّ العالمين، والثواب والعقاب، فمن جاء بالحسنة أُثيب عليها، ومن جاء بالسيئة فليس له في الجنان نصيب.)

ويقولها الرسول صلى الله عليه وآله بصراحة بالغة إن (السيئات) لا تجتمع مع الولاية والطاعة والتقوى. فمن يريد الجنة لابد أن يهتم بالحسنات، ويتورع عن السيئات، ومَنْ أولى بذلك ممن يدّعي ولاية الرسول والوصي؟

 

3ـ المؤمن والقرآن

وفي مقطع آخر من خطبته يوجهنا الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله إلى الاهتمام بالقرآن، إهتماماً أبعد وأعمق من القراءة، والتبرّك به، وتعليقه على الصدور وعلى الجدران، إنما يريد الرسول منّا أن نتفهّم القرآن ونتدبر في آياته بالاستعانة بالولي والإمام، يقول، صلى الله عليه وآله وسلم: (معاشر الناس؛ تدبّروا القرآن، وافهموا آياته، وانظروا إلى محكماته، ولا تتبعوا متشابهه. فوالله لن يبيِّن لكم زواجره، ولا يوضِّح لكم تفسيره الا الذي أنا آخذ بيده...). ثم يقول: (معاشر الناس! إنّ علياً والطيبين من ولدي هم الثقل الأصغر، والقرآن هو الثقل الأكبر، فكل واحد منبئ عن صاحبه وموافق له، لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض...).

فالموالي يتمسك بالقرآن ـ وهو الثقل الأكبر ـ كما يتمسك ويطيع ويتبع الأوصياء ـ وهم الثقل الأصغر ـ.

ومن دون القرآن لا تنفع الولاية أحداً، كما أن القرآن لا يشفع لأحد من دون الولاية، فهما معاً لا يفترقان حتى يوم القيامة.

 

4ـ معنى الولاية

وفي إحدى فقرات الخطبة نلاحظ أن رسول الله، صلى الله عليه وآله، وهو الذي لا ينطق عن الهوى، بل هو وحي يوحى، لم يغب عنه أن يبيِّن لنا معنى الولاية بدقة ووضوح، لكي لا تبقى لأحد ذريعة بعد ذلك. يقول، صلى الله عليه وآله وسلم: (معاشر الناس! إنّ الله قد أمرني ونهاني، وقد أمرتُ علياً ونهيتُه، فعَلِم الأمر والنهي من ربه عز وجل، فاسمعوا لأمره تسلَموا، وأطيعوه تهتدوا، وانتهوا لنهيه ترشدوا، وصيروا إلى مراده، ولا تتفرق بكم السُّبل عن سبيله...).

فجذر الولاية هو أن نسمع لأوامر الإمام ونطيعها، وهي أوامر الله تعالى، وأن ننتهي عما نهانا عنه، وهي مناهي الله عز وجل، أما أن نقتصر على علاقة عاطفية مجرّدة عن العمل، والاتباع، والطاعة، فهذا ما لم يقتصر عليه توجيهات رسول الله، ولم يعدّه كافياً ومنجياً يوم الحساب.

 

5ـ الالتزام بالشريعة

ويؤكد نبي الله الأعظم، صلى الله عليه وآله وسلم، على مسؤوليتنا تجاه الشريعة، والحلال والحرام الذي بيّنه لنا طوال مده تبليغ الرسالة. يقول: (معاشر الناس! وكلّ حلال دللتكم عليه، أو حرام نهيتكم عنه، فإني لم أرجع عن ذلك ولم أبدِّل، ألا فاذكروا ذلك واحفظوه، وتواصوا به، ولا تبدِّلوه، ولا تغيِّروه).

فالشريعة، التي هي مزيج من الحلال والحرام، يؤكِّد عليها الرسول صلى الله عليه وآله، كما يؤكِّد ثبات أحكام الشريعة، كما بيَّنها صلى الله عليه وآله، فهي هي لم يبدِّلها. أما مسؤوليتنا تجاه الشريعة فهي متعددة الجوانب:

أولاً: حفظها بالعمل بها: (فاذكروا ذلك واحفظوه).

ثانياً: إيصالها إلى الآخرين: (وتواصوا به).

ثالثاً: عدم تبديل الشريعة بنهجٍ غيره، فلا نغتر بما ورثناه من فلاسفة الاغريق واليونان والفرس والهند، ولا بما يُصدَّر الينا من الغرب والشرق: (ولا تبدِّلوه).

رابعاً: أن نأخذ بالشريعة كما هي من دون تغيير بسبب الأهواء أو المصالح: (ولا تغيِّروه).

 

6ـ الأحكام

قد يتصوّر البعض أن الولاية، بمعنى الحب العاطفي، والارتباط القلبي، وبعض الممارسات السطحية الظاهرية، تكفي عن العمل بالأحكام، وتطبيق حدود الله في الحياة، بينما يؤكد رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، ولمرات عديدة في خطبة الغدير على ضرورة الالتزام بالأحكام والعمل بها، إذ نستمع إليه وهو يقول: (معاشر الناس! أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة كما أمركم الله عز وجل...)

ويقول في فقرة أخرى: (ألا وإني أجدِّد القول، ألا فأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، واَنْهَوْا عن المنكر...).

وبهذا يوجهنا الرسول الأعظم إلى فرائض أربع من أهم الفرائض، وهي: الصلاة، والزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

ثم يضيف في مقطع آخر: (معاشر الناس! إن الحج والصفا والمروة والعمرة من شعائر الله... معاشر الناس! حجّوا البيت، فما ورده أهل بيت إلا استغنوا، ولا تخلَّفوا عنه الا افتقروا...).

ويشير في مكان آخر من الخطبة مرة أخرى إلى الحج، إلى جانب إكمال الدين، والتفقّه، والتوبة، فيقول: (معاشر الناس؛ حجوا البيت بكمال الدين، والتفقّه، ولا تنصرفوا عن المشاهد الا بتوبة وإقلاع...).

ويقول في كلمة أخرى: (... لأن الله عز وجل قد جعلنا حجةً على المقصِّرين، والمعاندين، والمخالفين، والخائنين، والآثمين، والظالمين من جميع الظالمين.)

فإننا وإن لم نكن ـ والحمد لله ـ من المعاندين، والمخالفين، والخائنين، ولكننا قد نكون ـ والعياذ بالله ـ من المقصِّرين، أو الآثمين، أو الظالمين. فعلينا أن نحذر ذلك، وأن نلتزم عمليا بالواجبات والوظائف الشرعية، ونتورع عن المحرمات والآثام، حتى نكون من الموالين حقاً.

 

7ـ المسؤولية السياسية

وهل يجتمع الولاء للرسول والأوصياء من بعده مع الرضوخ العملي للطاغوت، والحكومات الجائرة التي تحكم بغير ما أنزل الله؟

إنّ رسالة الغدير الأساسية تكمن هنا، إذ ليس من المعقول والمقبول أن أبايع علياً بالولاية بعد أن تولّيت الرسول بالرسالة، ثم في عالَم الحكم والسياسة، أخضع لسلطان لا ينطق عن الله، وأتولى حاكماً لا يحكم بدين الله.

يقول رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم: (معاشر الناس! إنه سيكون من بعدي أئمة يدعون إلى النار، ويوم القيامة لا يُنصرون، معاشر الناس! إنّ الله تعالى وأنا بريئان منهم).

فإذا كان الله ورسوله بريئين من القيادات التي تدعو إلى النار، وهي القيادات والحكومات الطاغية، فما هي مسؤوليتنا نحن تجاههم؟ ألا يجب علينا التبرؤ منهم ومقاطعتهم وعدم الخضوع لهم؟

وصفوة القول:

إنّ يوم "الغدير" ليس مجرد ذكرى تاريخية. إنّ يوم "الغدير" يحمِّل المؤمن الموالي مسؤولية جسيمة في العمل لتكييف الحياة الاجتماعية، والسياسية، والثقافية وفق نهج الولاية والرسالة. وفق القرآن، وسنّة الرسول وأهل بيته.

يوم الغدير، ليس هو يوم الاحتفال فقط، بل هو ـ قبل ذلك ـ يوم التغيير الجذري في كل مجالات حياتنا، لكي تأتي متطابقة مع مناهج الشريعة، وأحكام القرآن، وسنن الرسول والأولياء.

-------------

* عالم دين مقيم في ايران

-------------

1 - هذه الفقرة، والفقرات الآتية من الخطبة الغديرية  ننقلها عن: بحار الأنوار، ج37، ص202، نقلاً عن: الاحتجاج (للطبرسي) ح1، ص56.


ارسل لصديق