العالم يبحث عن عليّ..
كتبه: حسين محمد علي
حرر في: 2012/10/25
القراءات: 858

الجميع يتحدث عن مشكلة وأزمة، في معظم جوانب الحياة، لكن لا أحد يتحدث عن الحل والبديل المنقذ من مستنقع المشاكل والازمات التي تشدّ بخناقها على العالم بأسره، بمن فيهم نحن المسلمون، والسبب أن معظمنا يعيش حالة اليأس والاحباط من الطريق المسدود والبدائل الفاشلة، ونغفل، ثم يغفل العالم معنا قطعاً؛ أن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، لم يرحل عن دار الدنيا، إلا وقد بيّن لنا المنهج المتكامل لحياة سعيدة وكريمة، لا ظلم فيها ولا بخس ولا عسف، وذلك عندما رفع يد علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، في واقعة "الغدير"، وهتف أمام جموع المسلمين وللأجيال حتى يوم القيامة: "من كنت مولاه فهذا عليٌ مولاه".. نعم؛ فإذا خرج "الغدير" من طيّات الكتب، الى واقع الحال، نكتشف، كم نحن بعيدين عن "الغدير" وعن علي بن أبي طالب!

قبسٌ نتناوله من قبسات "الغدير"، علّنا نجد الحلول الناجعة، لنتقدم خطوة الى الأمام.. فنحن نقرأ عن سماحة الإمام وعفوه، ونلاحظ انعكاسات هذه المنهجية على الوضع الاجتماعي والسياسي في عهده صلوات الله عليه، لأن "الغدير" غاب حوالي خمسة وعشرين عاماً، ثم حظر مع تولّي أمير المؤمنين مقاليد الأمور، وكان صلوات الله عليه يحكم، حوالي خمسين بلداً، وفق التقسيمات الجغرافية اليوم، مع ذلك يواجه أحد "الخوارج"، الذين شكلوا معارضة مسلحة ضده، وفي مسجد الكوفة، والإمام يطرح مسألة فقهية باهرة، فأعجب بها، فقال على مرآى ومسمع المسلمين: "قُتل الكافر ما أفقهه.."! لا نقارن بين هذا الموقف، وبين موقف مماثل أو أقله في الوقت الحاضر، لكن لنسمع جواب الإمام، فهو يهمنا، "دعوه... إنما هو سبّ بسبّ أو عفو عن ذنب، وأنا أولى بالعفو عنه"، بمعنى ان رد السبّ بمثله سائد ويسير على الانسان، لكن المطلوب هو العفو والتسامح. وموقف آخر مع تلك المرأة الأرملة التي استشهد زوجها معه في أحد الحروب الأهلية التي فُرضت عليه، فهو يقدم لها الطعام، بينما هي تدعو بالشؤم على الإمام، دون أن تعرف هويته، لكنه  يقابلها بلطف، بل يطلب منها "أن ترضى عن علي". لنفترض أن الامام كان يتخذ موقفاً مماثلاً من ذلك الخارجي، ومن هذه المرأة، كما يفعل معظم – ان لم نقل جميع- الحكام، هل كان مُلاماً من أحد..؟ بيد أن الامام عليه السلام، قدم لنا مشهداً ليس من باب الإعانة الاجتماعية والاستعطاف، إنما يتضمن درساً في الاستقرار، وخلق صمام أمان في المجتمع، وهذا ما فشل في تحقيقه من حكم قبله، ومن حكم بعده، الى يومنا هذا.

وعندما نتحدث عن السماحة والعفو عند أمير المؤمنين صلوات الله عليه، علينا أن لا ننسى أن هذا العفو، لله تعالى، وليس له عليه السلام، فلا صفقة في الأمر، ولا مصلحة، إنما الهدف مرضاة الله، وإصلاح الناس وإرشادهم لما يحييهم ويسعدهم، من أجل ذلك نؤكد أن "الغدير"، تمثل قاعدة فكرية وعقائدية رصينة، لا مجال للنيل منها.

لنلقي نظرة خاطفة على مجمل الاوضاع السياسية والاجتماعية لبلداننا، وهي قد اشتقت، مناهجها من المناهج القائمة في الدول الاجنبية، نجد أن قرارات "العفو"، بكل اشكالها وحالاتها، تتم وفق صفقات خاصة، وتلبي مصالح دول وجماعات، بل حتى اشخاص، ومن أجل ذلك، لا نجد أثراً عميقاً لهذه القرارات على الوضع الاجتماعي والسياسي، فالثورات والاضطرابات مستمرة، ولم تشفع في تلميع صورة ديكتاتور، كما لم تنقذ حكومة ديمقراطية من الانهيار والفضائح. بينما منهج "الغدير"، يعلمنا ويعلم العالم بأسره، ان العفو عن المسيئ، لاسيما اذا كان "عند المقدرة"، وعدم اللجوء  الى الرد  العنيف الانتقام والعقاب، يُعد من جملة العوامل الرئيسية التي تجعل المجتمع آمناً، مستقراً، وهذا الاستقرار النفسي، بدوره يكون عاملاً وحافزاً للعمل والانتاج والتقدم. وهذا ما أراد عليه السلام أن ينشره ثم يكرسه في المجتمع الكوفي، رغم الفترة القصيرة التي تخللت حكمه، لذا لم يذكر التاريخ، حالة امتعاض اجتماعي او تمرد أو احتجاج على سياسات الامام فيما يتعلق بالعطاء والعمل والسكن، وما واجهه عليه السلام، هو طمع في الحكم، ولغط في العقيدة، ليس أكثر، وكلمته مدويّة وشهيرة بشأن الخوارج: "من طلب الحق فأخطأه ليس كمن طلب الباطل وأصابه". والمثير انه لم يقطع عن أولئك الخوارج الذين حاربوه، "الراتب" من بيت المال، كما حرّم على أصحابه تناول شيء من بقايا جيش طلحة والزبير في حرب الجمل، لاسيما النساء، وحاججهم بوجود "السيدة عائشة" بين النساء.

هذه الثقافة وهذا المنهج، يمكن وصفه مثل "الأوكسجين" الذي يستنشقه الانسان طيلة فترة حياته، ولا يرى له أثراً، بل ربما يجهل وجوده، ويسيء له بتلويثه، بينما نجد عاقبة وجود ثقافة العنف والانتقام، ومآلاتها على المجتمعات البشرية، ومن أبرزها، انعدام الثقة والامانة، لذا تلاحظ الحاكم ينتقم من شعبه ويعاقبه، بينما الشعب ينتقم بعضه من البعض الآخر، حتى وصل الحال لأن ينتقم تلميذ في المدرسة من زميله، وهما في نقطة البداية لكسب العلم والمعرفة..! والأنكى من كل ذلك، ان تصل الحالة أحياناً بالبعض عندما لا يجد من ينتقم منه، فينتقم من نفسه بالانتحار..!


ارسل لصديق