التبليغ وآثاره في المجتمع
كتبه: الشيخ ماجد الطرفي
حرر في: 2017/05/10
القراءات: 49

قال تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}، (سورة التوبة: 122).

منذ أن نشأ الإنسان وهو مفطور على معرفة حقائق خافية عليه، وقد ساهمت التجارب العلمية في معرفة الجزء اليسير عن هذه الحقائق من العلوم المادية المرتبطة بالكيمياء والفيزياء وعلم الأحياء وما شابه ذلك.

ولكن هناك أموراً علمية أخرى تدخل تحت المفهوم المعنوي؛ من قبيل علوم الدين والأخلاق والقرآن الكريم، وهي أشرف العلوم؛ إذ كان الدور الرئيسي في بثها بين الناس حينذاك للأنبياء، وبواسطة التعاليم الإلهية التي توحى لهم أو تنزل على شكل ألواح أو كتب سماوية، فأثارت في الناس معالم حضارية رائعة، نتيجة لتحمل الأنبياء والأوصياء أعباء الرسالة، وانتشارهم بين الناس لغرض تجسيد المفاهيم الأخلاقية السامية على الواقع وفتح آفاق جديدة أمام الإنسان.

حتى أن بعض الأنبياء تحمل عبء الرسالة وهداية قومه سنين طوالاً، وهو صابر على الآلام التي يسببها له قومه؛ بل إن البعض منهم واجه أعتى الملوك والفراعنة لإخراج قومه من الظلمات إلى نور الإيمان والتمسك بالخالق سبحانه، متمثلاً في نبي الله موسى، عليه السلام، والبعض ساح في الأرض لإيصال الكلمة الإلهية إلى جميع الناس وهو يصوغ لهم خلال ترحاله مبادئ أخلاقية رفيعة، ويفتح لهم آفاقاً علمية واسعة، متمثلاً بني الله عيسى، عليه السلام.

ورسول الله، صلى الله عليه وآله، بُعث في مجتمع عبثت فيه الجاهلية المقيتة، فأنشأ مدارس علمية كبيرة أشرف عليها بإتقان، حتى أخذت هذه القضية منه سنين عديدة تحمل أعباء تعليم هذه الأمة لإخراجها من الجهل، فتعلم منه الكثير لينتشروا في البلاد القريبة والنائية ويقوموا بواجباتهم في نشر الدين الإسلامي وتعليم الناس وبث المبادئ الأخلاقية السامية بينهم وهدايتهم ورعايتهم، وإلى يومنا هذا.

 

 العلماء ورثة الأنبياء

العلم طريق النجاة، لأنه كالنور الذي يكشف للإنسان الطريق ولوازمه؛ وقد كان الأنبياء يجاهدون من أجل تنوير طريق الإنسان وهدايته؛ ويتحملون العذاب في سبيل تكامله، وذلك بالعمل المتواصل لرفع الجهل وتنشئة أجيال واعية.

واستمرّ هذا الخط الرسالي متمثّلاً في الأوصياء والأئمة، عليهم السلام، ثم امتد هذا الدور القيادي إلى العلماء كونهم ورثة ذلك الخط المقدس؛ فاقتضت الضرورة إنشاء المدارس لإعداد العلماء والمبلغين، وأطلقت على بعض تلك المدارس تسمية الحوزات العلمية أو الدينية، وهي مستوحاة من عمل رسول الله، صلى الله عليه وآله، في المسجد حينما كان يقوم بتربية الناس وتعليمهم.

فالحوزة عطر من تلك الرياحين، وهم؛ الأنبياء والأئمة، صلوات الله عليهم أجمعين، وصدى صوت الحق الذي يصدح في أفق السماء من على المنبر، الذي أنشأه رسول الله، صلى الله عليه وآله.

ومن أهداف الدراسة والتعليم في الحوزة العلمية؛ أن يخرج الطالب بعلمه إلى الناس والعيش معهم لأجل فائدتهم ونشر تعاليم الإسلام بينهم، وهداية المخالف منهم؛ كما بينته الآية المباركة التي صدرنا بها المقال.

ولأهمية التبليغ، عندما خاطب رب العزة - سبحانه - رسوله الكريم، صلى الله عليه وآله، في هذه القضية المهمة، لم يقل له عليك أن تأمر من هو حولك فقط، أو من يجاورك، أو من يسمعك فينقل الى من حوله حتى يصل الأمر إلى الناس جميعاً؛ وإنما الأمر الإلهي كان بمثابة التعميم إذ كان يخاطبه بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ}، (سورة الأحزاب: 59)، وفي آية أخرى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا}، (سورة الأنفال: 28)، وفي آية أخرى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً}، (سورة الأعراف: 158).

يتضح من ذلك؛ ان على الرسول، صلى الله عليه وآله، أن يصل إلى الناس وإلى الشارع لأهمية التبليغ وقداسته، ولا ينحصر تبليغه بمن حوله، وإنما يقتضي النزول إلى كل الفئات من الناس وبمختلف مستوياتهم العلمية والثقافية.

 

 الدعوة إلى الدين

فالدعوة إلى الدين عن طريق العلماء ليست بوظيفة حكومية مقرّرة، وليست مهمة رسمية معينة، بقدر ما هو شعور بالواجب الإلهي الذي يدفع المتصدي للمبادرة لأداء مهمة التبليغ.

والجدير بالذكر؛ أن التبليغ يمثل الواجب الأول لعالم الدين، وهو هدف تلقي العلوم الدينية الأساس، ولاسيما قد جاء من أجله رسول الله، صلى الله عليه وآله؛ {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ}، (سورة الرعد: 40)، وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ، (سورة النحل: 35)، وغير ذلك من الآيات المباركة.

ولذا كان من الضروري اعتماد المبلّغ في تعليمه على علماء كبار ومتخصّصين؛ فليس من الصحيح التصدّي للعمل التبليغي والمواجهة بشكل مباشر لعامة الناس والطبقات المختلفة من دون الإلمام بالعلوم الدينية مثل؛ الفقه والحديث والتفسير واللغة وغيرها، وهذا يؤكد دور عالم الدين في أمر التبليغ قبل غيرهم، مهما كان الادعاء بالأهلية والتخصص في الامور التي يحتاجها الناس.

 

 صفات المبلّغ الناجح

التبليغ فنّ الارتباط بالمجتمع والتعامل مع المستويات المختلفة لأداء المهمة التبليغية بنجاح، لذا فهو يحتاج الى تنمية الملكات الاخلاقية والخصال الكريمة التي تساعد على اقامة أحسن العلاقات مع أفراد المجتمع، وهو ما دأب عليه العلماء الكبار والمصلحون الذين تحولوا الى رموز قيادية تحتفي بها الشعوب.

لذا كان تعلّم فنون التبليغ واجباً كفائياً على طلبة العلوم الدينية، فكلما نجح المبلّغ في أداء مهمته، خفف الواجب على القسم الآخر من الطلبة الذين لم يوفقوا للذهاب إلى التبليغ في فترات معينة.

وهنالك شروط عدّة لنجاح المبلغ نذكر منها:

1- أن يكون مؤمناً بالفكر الذي يدعو إليه إيماناً كاملاً، والنابع من رسالة الحق.

2- أن يكون على قدر واف من العلم لأن أغلب الناس مشغولون بأعمالهم الخاصة ومسؤولياتهم اليومية، ولذا فهم يعتمدون على الخطباء والمبلغين في مواسم التبليغ في أخذ العلوم والمعارف والتوجيهات.

3- أن يمتلك المبلّغ أسلوباً جيداً في المناقشة والإقناع وفطنة عالية.

4- أن يمتلك الصبر وسعة الصدر والحنان وحب الآخرين، فالعلم بلا حلم لا ينفع، وإلا يكون وبالاً.

5- ينبغي احترام الجميع والسماع منهم حتى الأطفال أو من يسأل بسؤال، حتى ولو كان تافها، مع ذلك ينبغي استقباله بالبِشر، وعلى قدر ما يفهمه يكون الجواب، وفي الحديث أن أحد الأشخاص سأل الإمام أمير المؤمنين، عليه السلام: «لماذا لا نرى الله تعالى؟» وبطبيعة الحال فإن السؤال رغم بساطته فهو عميق في محتواه، وله العديد من الأجوبة الدقيقة والفلسفية أو الاستدلالية، ولكن الإمام أجابه بجواب يتضح من خلاله أن السائل لم يكن على قدر من الفهم، فلا يمكن إجابته بأجوبة استدلالية أو فقهية، وإنما قال له، عليه السلام: «إذا رأيت الله سبحانه فستذهب هيبته وإذا لم تره فهيبته تكون أكثر»، فاقتنع السائل بالجواب.

وهنالك الكثير مما روي في كتب الحديث والسيرة عن الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله، وسعة صدره، من الجدير الاطلاع عليها.

6- التطرّق إلى الموضوع المناسب في الزمان والمكان المناسبين.

7- أن لا تكون أفعاله مخالفة لأقواله، تطبيقاً لقوله تعالى:

﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ، (سورة الصف: 3)، فمن يدعو إلى محاسن الأخلاق، عليه أن يكون هو السبّاق الى المكارم والفضائل في المجتمع ليكون قدوة لهم.

 

 التشريع وبيانه

من أبرز مهام المبلغ الإلمام بأمر الاحكام والفقه لتجنب الخطأ في التشريع، وقد حمّل الله - تعالى- المكلّف مسؤولية هذا التشريع، وأعطى للفقيه بيان كيفية معرفته، فهذا أحب الخلق لربه، نبينا محمد، صلى الله عليه وآله، يقول في حقه الباري تبارك وتعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ* لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ}، (سورة الحاقة: 44-47)، يتبين من هذه الآيات المباركة أهمية التشريع الإسلامي، من خلال التحذير الذي نزل عليه، صلى الله عليه وآله، بالرغم من علُوِّ قَدَره، ورفعة شأنه، فيما لو تقوّل على الله - تعالى- بعض الأقاويل، خلاف ما أرادته الشريعة، لأهلكناه إهلاكاً سريعا - كما جاء في التفاسير-.

من أجل ذلك؛ فإن التشريع المقدس الذي سنّه الله - تعالى- لعباده، له حيثيات ومدارك ليس بإمكان كل شخص الخوض فيها، والكثير من الناس مشغولون في أمور حياتهم، لذا ينبغي على العلماء إيصال الأحكام بشكل دقيق وواضح الى المجتمع، وهذا العمل موكل إلى المبلغ، كونه متفرغاً ومن شأنه التصدى لهذه المهمة.

من هنا؛ فان التصدّي لمهمة التبليغ الديني؛ سواء من خلال المنبر الحسيني او إمامة المصلين في الجوامع وتبيين الأحكام وغيرها، عليه أولاً؛ وقبل أي شيء آخر، التفكير بمن يستمع اليه من الناس، ليعطي حقه، وإلا يكن أمام مسؤولية دينية وأخلاقية عظيمة، في هدر الوقت ثم التسبب في انحرافات وأخطاء كارثية كالتي نشهدها اليوم في المجتمعات الاسلامية.

وقد يتبادر في ذهن البعض ما اذا كان المنبر الحسيني، مخصصاً للمراثي وذكر مصاب الإمام الحسين، عليه السلام، أم له أدوار أخرى؟

نقول: صحيح أن ذكر مصاب الإمام الحسين، واستدرار الدموع وإثارة العواطف لإحياء أمر أهل البيت، عليهم السلام، من أهداف المنبر الحسيني، وفيه رواية عن الإمام الصادق، عليه السلام: «اذكروا مصائبنا لشيعتنا»، بيد أن أهدافا اخرى في سلّم أولويات المنبر الحسيني، منها؛ ما نقرأ في كتاب الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ، (سورة النساء 26)، وفي آية أخرى {قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ}، (سورة المائدة: 14-15).

تشير هذه الآيات وغيرها، إلى أن الله - تعالى- يريد للإنسان أن يعرف أمور دينه، ويهتدي إلى ما فيه صلاح الدنيا ونعيم الآخرة، كما قال الإمام زين العابدين، عليه السلام، عندما أراد أن يخطب بالناس في مجلس الطاغية يزيد: «أتأذن لي أن أصعد هذه الأعواد فأتكلم بكلمات فيهن لله رضا ولهؤلاء الجالسين أجر وثواب»، يُستدل من حديثه، عليه السلام، أن للمنبر أهمية كبيرة ومسؤولية عظيمة أمام الله تعالى لنقل الشريعة الإلهية إلى العباد، بأمانة ومن غير إفراط ولا تفريط.

المبلغ له تأثير كبير على الناس، فلولا عملية التبليغ التي سنّها رسول الله، صلى الله عليه وآله، لما كان للإسلام شأن، وإلى يومنا هذا، لذا من الضروري أن يتمسك المبلغ بخصائصه الضرورية التي تؤهله أن يتحمل هذه المسؤولية أمام الله تعالى، فعليه أن يكون من أهل الإخلاص والتقرب إلى الله - تعالى- في نية العمل، والسعي في التحصيل العلمي حتى يصبح عالماً متكاملا، من أجل أن يستفيد الناس من علمه.


ارسل لصديق