الطريق إلى المعرفة بين الجهد الفكري وبين مدرسة الوحي
كتبه: أنور عزّالدين
حرر في: 2017/05/10
القراءات: 141

بين القراءة في المنهج وقراءة الأفكار، يقع التباين المعرفي في الطرح الإسلامي، ولأن الإسلام دين العقل، فهو يفتح المجال واسعاً لفهم النصّ الديني، بيد أن عرضية القراءة الفكرية بعيداً عن جذرها المنهجي، ترمي بصاحبها نحو قراءة مبتورة تخلق حالة من التشويش في الرؤية إزاء الفكر الديني.

والمحاولات الجادة في ترتيب الفكر الاسلامي في نسق معرفي متكامل، ماتزال مبتورة عن منهجية الأصول الفكرية، فما زال التباين المنهجي يشكل البعد السلبي في تحقيق هذا الأمر، فمن القراءات المجتزأة، الى إلتقاطية القراءة، مروراً بقشرية التعاطي مع النص الديني، تباينت القراءات في الساحة الفكرية.

وقد أبتلي الفكر الاسلامي بتداخل منهجي تسرب في عمق وعيه حتى اصبح جزءاً من بنائه المعرفي، وساهم في تكريس ذلك تراكم العمل الفكري عند البشر، مع عدم القدرة على التمييز أو تعمد الخلط، بين ما هو إلهي وما هو بشري، فأصبح الإسلام عند البعض نشاطاً فكرياً كأي نشاط آخر، مع الاعتراف له بطرح ابواب لم تكن مساراً للعمل الفكري عند البشر، والتفكيك بين هذه المسارات هو الكفيل باستخلاص الرؤية الاسلامية للمعرفة، ولا يتأتى ذلك إلا بالعمل على كشف المنهج الاسلامي الخاص من بين التصورات البشرية في المعرفة والتي افرزتها مدارس الفكر الفلسفي كخلفية لأي نشاط فكري مستقل في انتاج المعرفة بقدرة ذاتية.

وفي قبال هذا المنهج البشري الذي جعل للعقل كل الحق في شق طريقه في عالم المعرفة، يوجد طرح آخر يجعل للوحي الذي يثير للعقل دفائنه، الحق الحصري والمطلق في الإنتاج المعرفي، ويقف على رأس هذا الخط الإلهي الأنبياء والرسل، عليهم السلام، الذين عصمهم الله من الزلل، فلم يسجل فيما بينهم أي تعارض واختلاف مما يورث عند الانسان من العلم اليقيني بأحقية هذا الخط في قبال الخط البشري، فهذا التباين الواضح بين الخطين يمثل الخطوة الأولى لوضع اليد على نقاط الافتراق.

وإن كان لا يثار الجدل بيننا كمسلمين في أولوية هذا الخط، إلا أن معطيات الواقع تشير الى وجود صراع معرفي حاد خلقته اشكالية الاستنطاق المعرفي للنص الديني، فأولوية هذا الخط تكفي للفرز الاولي لتبين حقل التحقيق للباحثين في الفكر الاسلامي تجنباً للخطأ الذي يمكن حدوثه من خلط المفاهيم الدينية مع النتاج البشري المجرد، ولكن يبقى التباين في الرؤى هو حصيلة ذلك التداخل المنهجي.

ومن هنا كانت إشكالية تعدد القراءات للنصّ الديني من أعقد الاشكالات التي تواجه البناء المعرفي في الإسلام، فمحاولات التعرف على مراد المخاطب والمتكلم، تفرز وجهات نظر متعددة بتعدد الخلفيات الناظرة للخطاب، وإن لم تكن هذه الاشكالية من مختصات النص الديني، انما هي معضلة كل خطاب معرفي أيديولوجي، ووجوب تخصيص البحث لحل هذا الاشكال على مستوى النص الديني بشكل خاص، نابع من كون النص الديني يرتكز على خلفية عقائدية تكسب النص حالة من القداسة والعصمة باعتبار انه وحي الهي.

ولابد ان نوظف الجهود لبلورة نظرة معرفية متكاملة تمثل الاسلام في أرقى معانيه بخلق معيارية موحدة تكون قاسماً مشتركاً للباحثين في حقل المعرفة وذلك بالفرز القائم بين ما هو بشري وما هو ديني.

 

 تحديد المعيّار لقراءة النصّ

ولا نحتاج هنا الى عناء كبير لاستكشاف مدى خطورة التباين الفكري في الطرح الإسلامي الذي أفرزته القراءات المتباينة للنصّ، ويمكن رؤية هذا التباين، داخل أصحاب الخط الواحد، فإذا تجاوزنا حسم الصراع الفكري الدائر بين المدرسة السنّية والمدرسة الشيعية، كون حسمها ليس مرهوناً فقط على حل إشكالية القراءة للنص، وانما موقوف ايضاً على كثير من المرجحات؛ منها الشواهد التي يمكن استقصاؤها من التاريخ، ورؤيتنا للمحتوى الداخلي لكل خط، فسوف نرى تعدداً فكرياً أنتجته منهجيات متباينة للقراءة، وإن كان التشيّع احتفظ بحالة من الانسجام المعرفي نتيجة اعتماده على المرجعية المعصومة، إلا أنه يبقى هناك حالة من التباين تحتاج الى حسم جذري؛ فالخلاف بين الأصوليين والإخباريين، يعكس تبايناً منهجياً واضحاً في كيفية استنباط الحكم الشرعي من النص، وقد أولى البحث والتحقيق الشيعي اهتماماً كثيراً بهذا التباين حتى حسم الامر لصالح الاصوليين بفضل الشيخ الوحيد البهبهاني، إلا أن الأمر ما زال معلقا بوجود استفهامات بين الخطّين، تعكس ازمة منهجية كفيلة بإعادة النظر اليها، رغم الخطوات الكبيرة التي سعت جادة لحل هذا الاشكال.

إن حسم الصراع الدائر بين معيارية الوحي والعقل أو بين النص والفكر المجرد، هو الطريق لتشكيل هذه المعيارية، فبينهما وقع الخلاف بين الأصوليين والإخباريين وبين الفلاسفة والمتكلمين، بين المنفتحين المجددين والراديكاليين الرجعيين، وبينهم جميعا تتداخل تفاصيل كثيرة دائرة بين ترجيح النص أو العقل، وبين هذين المعيارين هناك تيار عريض متذبذب الرؤية فاقد المنهج.

فالفلاسفة رفعوا شعار العقل، والإخباريون رفعوا شعار الوحي، والمتصوفة تحللوا من الأمرين، وحاول المتكلمون المزج بين المعيارين ووقعوا في شبهة تعارض النص مع العقل، فتارة يرجحون النص على العقل، وتارة العكس، وهكذا لم يهدأ الفكر.

والمتتبع للتراث الاسلامي بحثاً عن آليات العمل الفكري، يلحظ تشتتا في المباحث بين مختلف الميادين، مع عدم وجود رابط ينسق العلاقة بينها، فلا يستطيع استخلاص المعيارية التي تمنهج العمل الفكري لقراءة النص في كل حقول المعرفة، وتارة يرى عدم وضوحها حتى عند العالم الواحد، فتجد أنه يقدم المنهج العقلي في مباحث الحكمة والاعتقاد ومنهج المكاشفة والشهود في حقل العرفان والتصوف، في حين تجد انه يعول على معيارية الوحي في الأخلاق وقانون المعاملات وأحكام العبادات وبقية الأطر الفكرية أو العكس، وهذا التباين المنهجي في استنطاق الفكر الديني خلق حالة من الضبابية في المنهج المعرفي وفتح الباب على مصراعيه لصاحب كل منهجية للقراءات المتعسفة في النص الديني.

 

 قصور التفكير الفلسفي

ولتأصيل هذا المنهج، لابد من أخذ الخلفية التي كانت تكمن وراء هذه المشكلة بعين الاعتبار، وهي الخلط بين مبادئ التفكير الفلسفي المعتمد على العقل وحده، والفكر الإسلامي القائم على كشف الحقائق من النص الديني، فاستبدال الآلية المخصصة لفهم النص، بآليات متعددة، كل منها تعكس رؤية معرفية مختلفة، تؤدي حتماً الى نتائج مختلفة، مما يستشعر معه الباحث في الفكر الاسلامي أن التباين حالة معرفية اتصف بها الطرح الإسلامي، في حين أن هذا التباين نتيجة للتدخل البشري في عملية الفهم، ومحاكمة النص بسلسلة من مبادئ اجنبية عنه.

وهذا يكشف طبيعة الجدل القائم بين المدارس الفلسفية فيما تطرحه من ايديولوجيات متعددة ومتباينة فيما بينها، ففي إطار ما أنتجته العبقرية البشرية من افكار لم توفق في طرح نظرة معرفية متكاملة تمثل وحدة وعصارة الإنتاج البشري، ولقد بينت الدراسات الحديثة في الفكر الإسلامي القديم منه والحديث، حجم التباين الذي يصل الى حد التناقض مما لا يتسنى للفرد الباحث عن حقيقة المعرفة في خضم هذه الأفكار المتشابكة والمتداخلة، ترجيح رؤية معرفية تمثل له اليقين الكاشف عن أحقية هذه النظرة الفلسفية.

هذا الحكم هو نتيجة نظرة عامة في ما انتجه الفكر البشري من رؤى فلسفية فالعقل البشري منذ نشوء الفلسفة وما توصل اليه من مدارس حديثة لم يتوحد في ما بينه في انتاج فلسفة مشتركة تمثل للبشر مرجعية معرفية، إلا إذا كان المقصود من هذا التنظير البشري في عالم المعرفة هو التنظير بحد ذاته، فمن هنا يمكننا الجزم بأن المدارس الفلسفية ستكون بعدد سكان الكرة الأرضية، أما اذا كان البحث المعرفي هو بحث عن حقيقة واقعية في اطار البحث عن «الوجود المبحث المعرفي مبحث القيم» هذا بالإضافة للفلسفة العملية، من دراسة السلوك الإنساني الفردي والأسري والاجتماعي، وعلاقة الانسان بالله، كل هذه حقائق واقعية، وليس هناك مجال لخلق نظرة معرفية ذهنية، ليس لها صلة بالواقع الحقيقي الذي نسعى الى إدراكه، مما يجعلنا نشك في المنهج الذي سلكه البشر في اكتسابه للمعرفة من الأساس، قبل أن نحاول فهم النص بهذه المناهج.

ويمكننا تبسيط هذا المنهج في شكله العمومي بتعريف علم الفلسفة من خلال رؤى مختلفة:

1ـ يعرف ابن سينا الفلسفة بأنها استكمال النفس الانسانية بتصور الامور والتصديق بالحقائق النظرية والعلمية على قدر الطاقة الانسانية.

2ـ أما إخوان الصفا فعندهم الفلسفة أولها محبّة العلوم و اوسطها معرفة حقائق الموجودات بحسب الطاقة البشرية وآخرها القول والعمل بما يوافق العلم.

3ـ تعريف صدر المتألهين الشيرازي: «الفلسفة استكمال النفس الانسانية بمعرفة حقائق الموجودات على ما هي عليها والحكم بوجودها تحقيقا بالبراهين، لا أخذاً بالظن والتقليد بقدر الوسع الإنساني».

4ـ أما تعريف السبزواري: «الفلسفة هي علم بأحوال اعيان الموجودات على ما هي عليه من نفس الأمر بقدر الطاقة البشرية». القاسم المشترك بين هذه التعريفات، هو الذي اعتمد عليه الفلاسفة في منهجية بحثهم عن المعرفة وهو «البحث بقدر الطاقة البشرية» حيث جعلوا الانسان، بما هو إنسان، قادرا على كشف الحقائق بقدرة ذاتية وملكة نفسية، فلم يجعلوا الوحي جزءاً من هذا المعيار، في حين إن الوحي بمقتضى الفهم الاسلامية، هو طريق معصوم كاشف عن الواقع، بما هو واقع، ولا يمكن للعقل الاستغناء عنه، وهذا التداخل المنهجي بين العقل وما يحتويه من مخزون ثقافي ساهم في تكوينه تراكم الفكر البشري، وبين منهجية جديدة فرضها نظام معرفي متمثل في القرآن الكريم، شكل تبايناً معرفياً حاداً بقدر الخلفيات الثقافية التي تعاملت مع النص، مما يدعو الى ضرورة التفكيك بين هذه المناهج.

واكتفينا هنا بهذه التعريفات من فلاسفة المسلمين لإثبات هذه الحقيقة، أما الفلاسفة الماديون فبعدهم واضح عن هذا المعيار، وهو يجعلنا نتساءل، عن قدرة الانسان في معرفة الحقائق عبر طاقته بشكل مستقل عن الوحي والعون الإلهي، فإن كان قادرا، ألا يعني ان العلم والمعرفة ملكة ذاتية للانسان، يمكنه بالاعتماد عليها تأسيس نهج معرفي متكامل؟ أما اذا كان الانسان ذاتي العلم، فإننا لا يمكن أن نتصور له جهلا مطلقاً، وهذا خلاف الواقع، اما إذا كانت ذاتيته هي الجهل، فكيف يعلم الحقائق عبر هذه الذات الجاهلة، الفاقدة لحقيقة العلم؟

ولا يصح الاعتراض هنا بمقولة الفلسفة: إن الانسان عالم بالقوة، فعندما تتعلق حواسه بالواقع الخارجي تنتقل الى ذهنه مجموعة من الصور يتم معالجتها بانتزاع مفاهيم كلّية منها، ومن ثم استخراج نظريات من البديهيات أو من تلك المفاهيم الكلية، حينها يكون الانسان عالماً بالفعل، فيمكنه بذلك التعرف على الحقائق.


ارسل لصديق