{كالحِجارةِ أو أشدّ}
كتبه: مرتضى محمد كاظم
حرر في: 2017/05/10
القراءات: 128

عندما ننظر إلى أحوال الأمم مع أنبيائهم نغور في بحر من الحيرة والعجب، كيف تعامل هؤلاء مع الأنبياء، وهل جاء الأنبياء إلا بالحق المُمنطق؟ فلماذا لم يدخل ذلك في قلوبهم؟

تارة يرمون الأنبياء بالسحر.

وتارة بالكذب.

وتارة بالجنون.

بل وأكثر من ذلك.

فهذا ابن نبي يقتل أخاه! وأولئك يعقرون الناقة التي كانت آية الله، وقد طلبوها بأنفسهم وكانت تسقيهم من حليبها! وآخرون ـ كقوم نوح ـ لم يكفهم ألف عام من الدعوة حتى كان الكبير يأخذ بيد الصغير ويأمره بالابتعاد عن النبي.

أما قتل الأنبياء فكان على قدم وساق، هذا يُحرق، والآخر يُنحر والآخر يُذبح وبعضهم شُقّ بالمنشار من أم رأسه الى أخمص قدمه!

بل وأكثر من ذلك؛ حيث يتحول الإنسان إلى حيوان كاسر، وأشدّ؛ فيسقي الرضيع الذي لا يريد سوى بضع قطرات من الماء، يسقيه بسهم مثلث ليذبحه من الوريد الى الوريد؟!

ترى ماذا حلّ بهؤلاء حتى وصلوا إلى هذا الحال؟

إنها قسوة القلب.

يقول ربنا سبحانه: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}، (سورة البقرة: 74)؛ إنه أعظم داء وأشدّ بلاء يبتلى به الإنسان، فعن الإمام الباقر، عليه السلام، قال: «إِنَّ لِلَّهِ عُقُوبَاتٍ فِي الْقُلُوبِ وَالْأَبْدَانِ ضَنْكٌ فِي الْمَعِيشَةِ وَوَهْنٌ فِي الْعِبَادَةِ وَمَا ضُرِبَ عَبْدٌ بِعُقُوبَةٍ أَعْظَمَ مِنْ قَسْوَةِ الْقَلْبِ»1.

قسوة القلب أخطر أمراض الروح، فإن روح الإنسان كجسده تتعرض للأعراض والأمراض، ففي الحديث عن أمير المؤمنين، عليه السلام، قال: «إِنَّ لِلْجِسْمِ سِتَّةَ أَحْوَالٍ الصِّحَّةَ وَالْمَرَضَ وَالْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ وَالنَّوْمَ وَالْيَقَظَةَ وَكَذَلِكَ الرُّوحُ فَحَيَاتُهَا عِلْمُهَا وَمَوْتُهَا جَهْلُهَا وَمَرَضُهَا شَكُّهَا وَصِحَّتُهَا يَقِينُهَا وَنَوْمُهَا غَفْلَتُهَا وَيَقَظَتُهَا حِفْظُهَا»2.

 

 علامات قسوة القلب

من أبرز سمات قساة القلب؛ جفاف العين، فقاسي القلب لا يخشع قلبه ومن ثَم فإن عينه لن تذرف دمعة على المظلوم إذا ظُلم بحضرته مثلاً، وهذه القسوة التي قال عنها القرآن إنها أشد من الحجارة، تجعل الإنسان بعيداً عن ربه، قريباً من عذاب الله، فإن المؤمن بدمعة عين يطفئ ودياناً من نيران جهنم، ففي الحديث عن الإمام الصادق، عليه السلام، قال: «مَا مِنْ عَيْنٍ إِلَّا وَهِيَ بَاكِيَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا عَيْناً بَكَتْ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ وَمَا اغْرَوْرَقَتْ عَيْنٌ بِمَائِهَا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ سَائِرَ جَسَدِهِ عَلَى النَّارِ وَلَا فَاضَتْ عَلَى خَدِّهِ فَرَهِقَ ذَلِكَ الْوَجْهَ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ وَمَا مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا وَلَهُ كَيْلٌ وَوَزْنٌ إِلَّا الدَّمْعَةُ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُطْفِئُ بِالْيَسِيرِ مِنْهَا الْبِحَارَ مِنَ النَّارِ فَلَوْ أَنَّ عَبْداً بَكَى فِي أُمَّةٍ لَرَحِمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ تِلْكَ الْأُمَّةَ بِبُكَاءِ ذَلِكَ الْعَبْدِ»3.

قد لا تكون القسوة قد بلغت بأحدهم هذا الحد، لكن هناك مراتب أخرى كما لو رأى المؤمن أن الطاعة عليه عسيرة أو رأى من نفسه عدم التوجه في العبادات والطاعات وعدم الخشوع في الأدعية والمناجاة؛ فهذه كلها علامات لقسوة القلب التي يجب أن يعالجها الإنسان في نفسه.

 

 أسباب قسوة القلب

كما عرفت أن تدرج الإنسان في مراحل المعصية من مرحلة اللامبالاة الى مرحلة المواجهة مع الحق تسبب قسوة القلب، فهي نتيجة طبيعية لمن يتدحرج في هذا المنزلق وقد بينت الروايات مصاديق بارزة لأسباب قسوة القلب وهي:

أولاً: كثرة الذنوب؛ فتراكم الذنوب على قلب بني آدم، مثل تراكم الأوساخ على لباسه الأبيض، تجعله يتسخ شيئاً فشيئاً، فقد يمكن تنظيف بقعة صغيرة من الوسخ، إلا أنها قد تبقى وتتكدر وتكثر حتى لا يمكن تطهيره قط.

إن قلب الإنسان قد يغسله الإنسان بالتوبة والاستغفار، وقد يتركه حتى يختم الله على قلبه، فحتى أنه لو أراد التوبة فسوف لن يوفق لمثل ذلك أبداً، فهو يريد أن يصلي صلاة الليل ويستغفر فيها لربه، ويناديه العفو العفو، لكن الذنوب قد أثقلت ظهره فيغطّ في نومة هنيئة لن يستفيق منها إلا وقد انبلج الفجر أو حتى الصباح.

وربما لا تتراكم الذنوب خلال فترة قصيرة، فطول الأمد سبب من أسباب تراكم الذنوب، ومن ثمّ سببٌ لقسوة القلب، كما يصف القرآن الكريم حال بعضهم فيقول: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ}، (سورة الحديد: 16).

فقد يكون طول الأمد على الإنسان سبباً في قسوة قلبه وإن لذلك مبحثاً مهماً جداً لما له علاقة بغيبة مهدي هذه الأمة الامام المنتظر - عجل الله فرجه الشريف - إلا أن ما يهمنا في هذا المقام؛ هو أن قسوة القلب قد تأتي من تراكم الذنوب في فترات متباعدة وقد تأتي من ارتكاب فاحشة كبيرة كقتل النفس المحترمة.

ثانياً: أكل الحرام؛ فأكل الحرام من المؤثرات الأساسية في قسوة القلب، كما قال الإمام الحسين، عليه السلام، لأعدائه: «مُلِئَتْ بُطُونُكُمْ مِنَ الْحَرَامِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِكُم‏».

لا يقولنّ أحدنا إنني آكل من الحلال الطيب فحسب، فإن الحرام ربما يكون واضحاً كلحم الخنزير والخمر وغيرهما، وربما يكون خفياً كما في أكل الربا بمسميات خفية، أو أكل الرشا التي غطيت بالعسل تحت مسميات الهدايا والعطايا، كما هو أكل مال المسلمين باسم «الكوميشن» أو العمولة، فهل خولني الله على أخذ هذه الأموال أم أن المخوِل هم المسلمون أنفسهم؟

وأي فرق بين أن نسرق من دكاكين المسلمين وبين أن نسرق من بيت المال بهذه المسميات؟

فهل فكرنا كم من الأيتام يتضورون الجوع بسبب رغبة بركوب سيارة فارهة، أو السكن في أفخم البيوت؟ بل ينبغي على من يتولّى المواقع الرسمية في الأنظمة السياسية التي يستقطع قوت الناس لأرزاقهِ، أن يقتصر على الحاجة في الصرف، لا أن يشترط السفر إلا في الدرجة الأولى من الطائرات، ولا يرضى بالسكن إلا في الفنادق ذات الخمس نجوم.

ثالثاً: فضول الكلام؛ وهو ما يجب الاستعاذة منه؛ من مجالس اللهو والغيبة والنميمة وما أكثرها، فالمجالس التي تخلو من ذكر الله، يملؤها ذكر غير الله ويكثر فيها فضول الكلام والخوض في القيل والقال ونهايته إنما يكون إلى النار، ففي الحديث عن الامام علي، عليه السلام، قال: «مَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ خَطَؤُهُ وَمَنْ كَثُرَ خَطَؤُهُ قَلَّ حَيَاؤُهُ وَمَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ وَمَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُهُ وَمَنْ مَاتَ قَلْبُهُ دَخَلَ النَّارَ»4.

ومن مصاديق ذلك مجالس البطالين، حيث يكثر فيها الكلام في غير ما يرضي الرب، بل إن كثرة الكلام بغير ذكر الله مذموم في الأحاديث وهو من موجبات قسوة القلب فعن النبي، صلى الله عليه وآله، قال: «لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ فَإِنَّ كَثْرَةَ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ يُقْسِي الْقَلْبَ وَإِنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ الْقَاسِي الْقَلْبِ».

وما أجمل دعاء الإمام زين العابدين حيث يحذرنا من هذه المجالس في دعاء أبي حمزة الثمالي، يبين كيف أن هذه المجالس هي أحد أسباب البعد من الله حيث يتهيأ الإنسان ويتعبأ ويقوم للصلاة بين يدي الله، لكن يلقى عليه النعاس، ويسلب المناجاة، وكلما قرب من مجالس التوابين مجلسه تُعرَض له بلية تحول بينه وبينها، ثم يقول: «لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي آلَفُ مَجَالِسَ الْبَطَّالِينَ فَبَيْنِي وَبَيْنَهُمْ خَلَّيْتَنِي‏».

رابعاً: وقد يكون عدم ترك بعض المكروهات سببا لقسوة القلب أيضاً، أو أنها تهيئ الإنسان لقسوة القلب فإن المكروه هو أمر لا يريده الشارع لمفسدة فيه حقيقية، ومن هنا فإن جملة من الأمور وردت في النصوص الشريفة ينبغي على المؤمن تركها لكي لا يبتلى بقسوة القلب، كما في حث التراب على الأب أو على ذوي الأرحام، وكذا « النَّظَرُ إِلَى الْبَخِيلِ يُقْسِي الْقَلْبَ»، وهكذا مجالسة الأغنياء والجدال والمراء، وربنا سبحانه أوحى الى النبي موسى، عليه السلام: «يَا مُوسَى لَا تُطَوِّلْ فِي الدُّنْيَا أَمَلَكَ فَيَقْسُوَ قَلْبُكَ وَالْقَاسِي الْقَلْبِ مِنِّي بَعِيدٌ».

 

 علاج قسوة القلب

اذا كانت هذه الحالة المرضية في مراحلها الأولى، بالإمكان تحصين القلب من الابتلاء بها، وذلك بالإكثار من الإستغفار والتوبة إلى الله من الصغير والكبير، وهذا هو دأب الأنبياء والأولياء، ألا نجد أن رسول الله، صلى الله عليه وآله، كان يستغفر الله في اليوم سبعين مرة5، وهناك أمور أخرى تساعد الإنسان في مواجهة هذا الداء العظيم ومنها:

أولاً: الاهتمام بـ «عيال الله»، وهم من الشريحة الفقيرة وذات الحاجة، وتتضمن المسكين واليتيم ليكونوا سبباً لنجاتنا، فقد روي أن رجلاً شكا إلى رسول الله، صلى الله عليه وآله، قساوة قلبه فقال: «إذا أردت أن يلين قلبك فأطعم المسكين وامسح رأس اليتيم»6.

ثانياً: ذكر الله في الخلوات، ففي وصية الإمام الباقر عليه السلام لجابر الجعفي قال: «وَتَعَرَّضْ لِرِقَّةِ الْقَلْبِ بِكَثْرَةِ الذِّكْرِ فِي الْخَلَوَات»7.

ثالثاً: التدبر في القرآن الكريم، ففي خطبة لأمير المؤمنين، عليه السلام، يحدثنا عن كتاب ربنا فيقول: «إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَعِظْ أَحَداً بِمِثْلِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ وَسَبَبُهُ الْأَمِينُ وَفِيهِ رَبِيعُ الْقَلْبِ وَيَنَابِيعُ الْعِلْمِ وَمَا لِلْقَلْبِ جِلَاءٌ غَيْرُهُ»8.

رابعاً: ذكر الموت، وزيارة القبور، ففي الحديث عن الإمام الصادق، عليه السلام، قال في تعزية: «إِنْ كَانَ هَذَا الْمَيِّتُ قَدْ قَرَّبَكَ مَوْتُهُ مِنْ رَبِّكَ أَوْ بَاعَدَكَ عَنْ ذَنْبِكَ فَهَذِهِ لَيْسَتْ مُصِيبَةً وَلَكِنَّهَا لَكَ رَحْمَةٌ وَعَلَيْكَ نِعْمَةٌ وَإِنْ كَانَ مَا وَعَظَكَ وَلَا بَاعَدَكَ عَنْ ذَنْبِكَ وَلَا قَرَّبَكَ مِنْ رَبِّكَ فَمُصِيبَتُكَ بِقَسَاوَةِ قَلْبِكَ أَعْظَمُ مِنْ مُصِيبَتِكَ بِمَيِّتِكَ إِنْ كُنْتَ عَارِفاً بِرَبِّكَ»9.

خامساً: البكاء، وأعظمه ما كان الدمع فيه على مصائب أهل البيت، عليهم السلام، ويكفي في ذلك وصية الإمام الرضا - روحي له الفداء - لابن شبيب حيث قال: «يَا ابْنَ شَبِيبٍ إِنْ كُنْتَ بَاكِياً لِشَيْ‏ءٍ فَابْكِ لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عليهما السلام، فَإِنَّهُ ذُبِحَ كَمَا يُذْبَحُ الْكَبْشُ وَقُتِلَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا مَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ شَبِيهُونَ وَلَقَدْ بَكَتِ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرَضُونَ لِقَتْلِهِ..»10.

وبكلمة؛ أمراض القلب هي العقد النفسية التي تظهر في الصفات الرذيلة كالحسد والحقد والكبر واليأس، أما قسوة القلب فهي التي تنشأ بسبب تراكم آثار الذنوب.

فإذا به لا يستجيب للحق، ولا يهتز للإنذار والتبشير، ولا يعتبر بمصير المجرمين، ولا ينتفع بآيات الله في الآفاق، وهكذا تكون الفتنة من خلال القاءات الشيطان بالنسبة الى القلوب المريضة والقاسية، ذلك أن القلب المريض أو القاسي يبحث أبداً عما يتوافق معه، فإنه يستجيب سريعاً لوساوس الشيطان ويكون مثله مثل الجسم المريض الذي تكاثرت فيه الجراثيم، وضعفت مناعته الذاتية، فإذا به يتلقف الجراثيم الجديدة بسهولة، كذلك القلب المريض أو القاسي، فهلا فتحنا حساباً لمواجهة ذلك؟

-------------

1. بحار الأنوار ج: 75 ص: 176

2. التوحيد للصدوق، ص: 300

3. الكافي، 2، ص482.

4. وسائل‏ الشيعة ج: 12 ص: 187

5. مستدرك ‏الوسائل ج: 5 ص: 320

6. مشكاة الأنوار ص: 167

7. تحف‏ العقول ص: 284

8. بحار الأنوار ج :2 ص: 312

9. مستدرك ‏الوسائل ج: 2 ص: 478

10. وسائل ‏الشيعة ج: 14 ص: 502.


ارسل لصديق