الغدير و محورية التوحيد
كتبه: آية الله السيد حسين المدرّسي
حرر في: 2012/10/25
القراءات: 1124

لعل مقولة الشهرستاني صاحب كتاب "الملل والنحل"، إنه "ما سُلَّ سيفٌ في الإسلام بقدر ما سلّ في مسألة الإمامة" فيها بعض المصداقية، فهل تقعقعت السيوف أو اصطكت الأسنّة أو اعتركت الآراء على موضوع كما حدث بالنسبة إلى موضوع الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله؟

والسبب في ذلك أن دائرة الإمامة لا تقف عند كرسي الحكم أو سلطة التشريع أو قيادة الأمة، وإن تضمنّت كل ذلك حتى قالت الصديقة الطاهرة في خطبتها الفدكية: "وطاعتنا نظاماً للملّة وإمامتنا أماناً من الفرقة". إلا أن موضوع الإمامة ينطوي فيه معنى محض العبودية، إنها تعني فيما تعني حقيقة التوحيد الذي تتمحور وتحوم حوله جملة السلوك الجوارحية والجوانحية، وتتفرع منها سائر القضايا الفردية والاجتماعية. هذه هي حقيقة الصراع: الإمامة اسمه، والتوحيد لبّه. ولذلك فالإمام، هو إمام التوحيد قبل أن يكون إمام الشرع والفقه والأخلاق.

ولعل من أبرز الشواهد على هذا خطبة النبي يوم الغدير، فإنها من أعظم خطبه في التوحيد، بل هي توحيد من الصدر إلى الساق، ونبذ للأنداد ودعوة إلى الله ثم إلى الإمام. نشير إلى بعض فقرات الخطبة:

" الحمد لله الذي علا في‏ توحّده،‏ و دنا في تفرده، و جلّ في سلطانه، و عظم في أركانه، و أحاط بكل شي‏ء علماً، و هو في مكانه، و قهر جميع الخلق، بقدرته و برهانه، مجيداً لم يزل محموداً لا يزال، بارئ المسموكات و داحي المدحوات و جبار الأرضين و السماوات قدوس سبوح رب الملائكة و الروح- متفضل على جميع من برأه متطول على جميع من أنشأه يلحظ كل عين و العيون لا تراه كريم حليم ذو أناة، قد وسع كل شي‏ء رحمته و منّ عليهم بنعمته لا يعجل بانتقامه و لا يبادر إليهم بما استحقوا من عذابه قد فهم السرائر و علم الضمائر و لم تخف عليه المكنونات و لا اشتبهت عليه الخفيات له الإحاطة بكل شي‏ء و الغلبة على كل شي‏ء و القوة في كل شي‏ء و القدرة على كل شي‏ء و ليس مثله شي‏ء و هو منشئ الشي‏ء حين لا شي‏ء دائم قائم‏ بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم‏ جل عن أن تدركه‏ الأبصار و هو يدرك الأبصار و هو اللطيف الخبير لا يلحق أحد وصفه من معاينة و لا يجد أحد كيف هو من سر و علانية إلا بما دل عز و جل على نفسه و أشهد أنه الله الذي ملأ الدهر قدسه و الذي يغشي الأبد نوره و الذي ينفذ أمره بلا مشاورة مشير- و لا معه شريك في تقدير و لا تفاوت في تدبير صور ما أبدع على غير مثال و خلق ما خلق بلا معونة من أحد و لا تكلف و لا احتيال أنشأها فكانت و برأها فبانت فهو الله الذي لا إله إلا هو، المتقن الصنعة الحسن الصنيعة العدل الذي لا يجور و الأكرم الذي ترجع إليه الأمور و أشهد أنه الذي تواضع كل شي‏ء لقدرته و خضع كل شي‏ء لهيبته ملك الأملاك و مفلك الأفلاك و مسخر الشمس و القمر كل يجري لأجل مسمى، يكور الليل على النهار و يكور النهار على الليل‏ يطلبه حثيثا قاصم كل جبار عنيد و مهلك كل شيطان مريد لم يكن معه ضد و لا ند أحد صمد لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفوا أحد إله واحد و رب ماجد يشاء فيمضي و يريد فيقضي و يعلم فيحصي و يميت و يحيي و يفقر و يغني و يضحك و يبكي و يمنع و يعطي‏ له الملك و له الحمد بيده الخير و هو على كل شي‏ء قدير، "يولج الليل في النهار و يولج النهار في الليل" لا إله إلا هو العزيز الغفار مجيب الدعاء و مجزل العطاء محصي الأنفاس و رب الجنة و الناس لا يشكل عليه شي‏ء و لا يضجره صراخ المستصرخين و لا يبرمه إلحاح الملحين العاصم للصالحين و الموفق للمفلحين و مولى العالمين الذي استحق من كل من خلق أن يشكره و يحمده أحمده على السراء و الضراء و الشدة و الرخاء و أومن به و بملائكته و كتبه و رسله أسمع أمره و أطيع و أبادر إلى كل ما يرضاه و أستسلم لقضائه رغبة في طاعته و خوفا من عقوبته..الخطبة."

 

قضية رسالية وليست شخصية

 ولما كان مقام الإمامة العظمى والخلافة الكبرى بحيث اشتبك وعجن بمسألة التوحيد، فإن من لم يصدّق بها حسب ما أراد الله، فقد تنكّب جادة التوحيد، وأخذ بطريق الشرك.

إن أمر الإمامة في بيان النبي صلى الله عليه وآله، أمر إلهي بيد الله وحده، وهي امتداد لنفس نبوة النبي ورسالته، كما هي وسيلة معرفة الخالق المتعال، والطريق الذي به تتمحّض العبودية الحقيقية لله سبحانه وتعالى.

إنها من منظار النبوة ليست مسألة إمرة، ناهيك عن كونها مسألة شخص، ومن هنا فإن الدفاع والذبّ عنها هو أولاً وبالذات: دفاع عن التوحيد، وهو ثانياً: وبالعرض دفاع عن الإمامة.

هذه هي الحقيقة التي أكدتها النصوص وألمّت بمفادها الاخبار الصادرة عن أئمة الحق، ونكتفي بجملة منها  :

الأول: قال الإمام الحسين بن علي عليهما السلام: "إنّ الله جلّ ذكره ما خلق العباد إلاّ ليعرفوه فإذا عرفوه عبدوه فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة ما سواه".

 قال له رجل: يا ابن رسول الله بأبي أنت وأمي فما معرفة الله؟

 قال عليه السلام: "معرفة أهل كلّ زمان إمامهم الذي يجب عليهم طاعته."  (العلامة المجلسي: بحار الأنوار: ج٥ ص٣١٢)

الثاني: جاء في ذيل قوله تعالى : "هذان خصمان اختصموا في ربّهم" عن الإمام الحسين عليه السلام أنّه قال: (نحن وبنو أمّية اختصمنا في الله عزّوجلّ قلنا صدق الله وقالوا كذب الله فنحن واياّهم الخصمان يوم القيامة). (العلامة المجلسي: بحار الأنوار: ج٣١ ص٥١٧)

الثالث:  عن الهيثم بن عبد الله الرماني قال حدثنا علي بن موسى الرضا عليه السلام، عن أبيه عن جده محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام، في قوله‏: "فطرة الله التي فطر الناس عليها"، قال هو لا إله إلا الله محمد رسول الله علي أمير المؤمنين ولي الله إلى‏ هاهنا التوحيد (علي بن إبراهيم: تفسير القمي: ج2 ص155)

الرابع: عن علي بن الصلت عن الحكم و إسماعيل عن بريد قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول‏ بنا عبد الله و بنا عرف‏ الله‏ و بنا وعد الله‏ (محمد بن الحسن الصفار: بصائر الدرجات: ج1 ص64)

الخامس: عن ابي عبد الله عليه السلام في حديث قال : "..ولولانا ما عُرف الله" (محمد بن الحسن الصفار: بصائر الدرجات: ج1 ص61)

إذا عرفت ما تلوناه يتجلى معنى الحديث المعروف بحديث سلسلة الذهب، حيث علّق عالم آل محمد الإمام علي بن موسى الرضا صلوات الله عليه الإعتقاد بالتوحيد على الإعتقاد بالإمام فكان الثاني من شروط الأول.

 

الإمام.. آية الله في الأرض

فعن إسحاق بن راهويه قال: لما وافى أبو الحسن الرضا  "عليه السلام" بنيسابور و أراد أن يخرج منها إلى المأمون اجتمع إليه أصحاب الحديث فقالوا له يا ابن رسول الله ترحل عنّا و لا تحدثنا بحديث نستفيده منك.. و كان قد قعد في العمارية، فأطلع رأسه و قال: "سمعت أبي موسى ابن جعفر يقول سمعت أبي جعفر بن محمد يقول سمعت أبي محمد بن علي يقول سمعت أبي علي بن الحسين يقول سمعت أبي الحسين ابن علي بن أبي طالب يقول سمعت أبي أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله، يقول سمعت جبرئيل يقول سمعت الله جل جلاله يقول: لا إله إلا الله حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي"، قال: فلما مرت الراحلة نادانا: "بشروطها و أنا من‏ شروطها". (الشيخ الصدوق: التوحيد: ص25 ح23)

إن التمعن والنظر في حياة أمير المؤمنين صلوات الله عليه و الأئمة المعصومين، يهدي بصاحبه إلى معرفة الله تعالى، وإلى معنى كون الإمام آية لله تعالى، والدال على وحدانيته سبحانه، فهو اسم الله الأعظم وآيته الكبرى والنبأ العظيم، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: "والله ما لله نبأ أعظم مني ولا لله آية أعظم مني" (تفسير فرات الكوفي: ص٥٣٣).

ولذا قال تعالى في يوم الغدير، بعد أن عرّف النبي لهذه الأمة إمامها: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا" فلولا الإمامة الحقيقية، فلا دين ولا إسلام، وإنما هو الضلال المبين.


ارسل لصديق