شعبان شهر الخير
كتبه: جميل توفيق
حرر في: 2017/05/10
القراءات: 14

جعلت الشريعة الإسلامية للزمان والمكان قدسية خاصة، ودعت الإنسان لاحترامهما وعدم الاستهانة بهما، فقد ورد في الحديث الشريف عن رسول الله، صلى الله عليه وآله، قوله: «لا تعادوا الأيام فتعاديكم»، وقد أقسم الله - جلّ وعلا- بالليل والنهار وما فيهما من فترات كالفجر والضحى والعصر، ومما جاء في الكتاب المجيد: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى‏* وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى‏}، (سورة الليل: 1-2).

ولهذا التعظيم والقسم حرمة كبيرة عند الله - تعالى- كما أن هذا التعظيم نجده في عامل زمني آخر، يمثل إحدى الفرص العظيمة لتوثيق العلاقة بين العبد والسماء، وهي أشهر وأيام كريمة وعظيمة، منها؛ الأشهر الثلاث؛ رجب الأصبّ، وشعبان المعظم، ورمضان المبارك، وقد أولت الشريعة السمحاء في مثل هذه المواسم قدسية لا توصف، ليتزود فيها المؤمن من الثواب العظيم، ونخصّ بالذكر من هذه المواسم شهر شعبان المعظم، الذي تتشعب فيه الخيرات، وهو شهر رسول الله، صلى الله عليه وآله، وقد دعا بالرحمة لمن أعانه على شهره هذا بالعبادة والطاعة.

لتسمية هذا الشهر بهذا الإسم معنيان؛ بغض النظر عن المعنى اللغوي:

المعنى الأول: غفلة الناس عن هذا الشهر لمَّا اكتنفه شهران عظيمان؛ الشهر الحرام (رجب الأصب)، وشهر الصيام (رمضان المبارك)، وفى هذا دليل على ضرورة تحويل أوقات الغفلة، الى أوقات اليقظة والصحوة بين يدي الله - تعالى- .

والمعنى الثاني؛ يجسده الحديث النبوي الشريف: «وإنما سُمي شعبان لأنه يتشعب في أرزاق المؤمنين»، ولا يخفى أن الرزق يشمل الجانبين؛ المادي والمعنوي، وربما يكون الحديث إشارة إلى ما ورد من تقسيم الأرزاق في ليلة النصف منه، حينما قال، صلى الله عليه وآله: «شهر شعبان تتشعب فيه الخيرات».

وقد وردت في فضل شهر شعبان الأحاديث الكثيرة عن المعصومين - عليهم السلام -، وهي تبين عظمة هذا الشهر الشريف وحرمته، وتحثّ على اغتنامه بالدعاء والأعمال المسنونة، بما تفيد في عملية البناء الذاتي للانسان وايضاً للمجتمع.

وبما أنه شهر رسول الله، صلى الله عليه وآله، فان صيامه وقيامه، في لياليه وأيامه، يعد فرصة ذهبية لتحقيق التأسّي بصاحب هذا الشهر العظيم، وبذلك نطبق الآية الكريمة: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً}، (سورة الأحزاب: 21). وتشير الأخبار الشريفة إلى أن شهر شعبان المعظم، هو شهر النبي، صلى الله عليه وآله، فعن الإمام موسى بن جعفر، عن آبائه، عليهم السلام، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وآله: «شعبان شهري وشهر رمضان شهر الله تعالى».

وفي رواية عن أبي الصلت الهروي، قال: «دخلت على أبي الحسن علي بن موسى الرضا، عليه السلام، في آخر جمعة من شعبان، فقال لي: يا أبا الصلت، إن شعبان قد مضى أكثره، وهذا آخر جمعة منه، فتدارك فيما بقي منه تقصيرك فيما مضى منه، وعليك بالإقبال على ما يعنيك وترك ما لا يعنيك، وأكثر من الدعاء والاستغفار وتلاوة القرآن، وتب إلى الله من ذنوبك، ليقبل شهر الله إليك وأنت مخلص لله عز وجل، ولا تدعن أمانة في عنقك إلا أديتها، ولا في قلبك حقداً على مؤمن إلا نزعته، ولا ذنباً أنت مرتكبه إلا أقلعت عنه، واتق الله وتوكل عليه في سر أمرك وعلانيتك، [وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً]، وأكثر من أن تقول فيما بقي من هذا الشهر: اللهم إن لم تكن قد غفرت لنا فيما مضى من شعبان فاغفر لنا فيما بقي منه. فإن الله تبارك وتعالى، يعتق في هذا الشهر رقاباً من النار لحرمة شهر رمضان».

إن فضل الصيام فى شهر شعبان، هو ما ذكره النبي، صلى الله عليه وآله، بقوله :»هو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم».

ولا شك أن من حَرَصَ على الصيام فى مثل هذه الأوقات، يكون أشد حرصاً على سائر الطاعات، والأعمال الصالحات؛ من صلوات مفروضة، ونوافل مسنونة وأذكار موظفة، وقراءة للقرآن، وصلة للرحم، وإنفاق فى وجوه الخير وغير ذلك.


ارسل لصديق