شهر رمضان، مواجهة التحديات وتعزيز الهوية والانتماء
كتبه: د. راشد الراشد
حرر في: 2017/06/04
القراءات: 150

لشهر رمضان المبارك قيمة خاصة في نفوس المؤمنين، لما يعنيه هذا الشهر الكريم من مكانة وكرامة بالنسبة لسائر شهور السنة، فمن جهة هو الشهر الذي يتضمن الليلة التي هي خير من ألف شهر- ثلاثة وثمانون عاماً - والتي تقدر بمتوسط عمر الإنسان، كما أن الله تعالى قد خصّ هذا الشهر بالكرامات المتعددة، وخصّه بأن فيه أبواب الرحمة تكون مفتّحة على مصراعيها، وقد سُمي بشهر الرحمة والمغفرة.

كما أن لهذا الشهر ذكريات ومناسبات جليلة، ترتبط بتاريخ حضارة الخير والرفاه التي جاء بها الإسلام العزيز، ففيه انتصر المسلمون في بدر، وكانت الانطلاقة العظيمة التي نرفل تحت ظلها لحد الآن وإلى يوم الدين.

كما جرت أحداث مؤلمة وقاسية في حياة الأمة في هذا الشهر الكريم، ما زالت الأمة تترنح تحت ما جرّته من مصائب وويلات وإحن، وذلك بشهادة سيد المتقين وأمير المؤمنين، من الأولين والآخرين، الإمام علي بن أبي طالب، عليه السلام، الذي آل على نفسه إلا أن يقيم حقاً ويدحض باطلاً، وأن يقيم العدل مهما كان مراً وقاسياً على أصحاب المصالح والمنافع الشخصية والذاتية.

وشهر رمضان في طول الساحة الإسلامية وعرضها، هو الشهر الذي تجري فيه الإستعدادات الضخمة إلى استقباله بما ليس فيه للشهور الأخرى رغم مكانة بعضها وعظمتها هي الأخرى، فحتى الأسواق في عموم العالم الإسلامي تلبس حلية خاصة ويتغير ما بها استقبالاً واحتفاءً بهذا الشهر الكريم الذي خصّه الله - تعالى- بالكرامة والمنزلة العظيمة، فقد خصّه الله؛ إضافة إلى كل ما تقدم باسمه العظيم، حيث سمّى هذا الشهر بشهر الله - تبارك وتعالــــــى- وفي المأثورات ورد أنه لا ينبغي لنا أن نقول «رمضان» حافية، لأنه من أسماء الله - تعالى- والصيام، إنما في شهره الذي خصه باسمه دون سائر الشهور، ولذلك فهو «شهر رمضان».

 

المسلسلات التلفزيونية وشهر الصوم

وفي الوجه المقابل، عندما يطلّ علينا هذا الشهر، تبرز عدة ظواهر في طريقة تعاطينا مع هذا الشهر العظيم، وربما كثير منها يضيف نكهة خاصة للمحبين والصائمين، إلا أن هناك الكثير من الظواهر السلبية أيضا، تبرز في العديد بين أبناء الأمة في هذا الشهر الكريم عندما يهيمن الجانب القشري من شهر الصيام على الأغراض والغايات الجوهرية لفريضة عظيمة كشهر رمضان المبارك، والمؤسف أن يتحول هذا الشهر العظيم إلى مناسبة بعيدة كل البعد عن الروح الإيمانية وما يتناسب مع قداسة هذا الشهر في جوانبه العبادية وتسيطر عليه البرامج الخارجة عن إطار الدين الإسلامية وتعاليمه ولا تزدهر تجارتها وترويجها إلا في هذا الشهر العظيم، وبما يتنافى مع ما يفترض أن يغرسه في روح ووجدان كل واحد منا كأبناء هذه الأمة في موجة نجزم بأنها ليست بريئة من حيث التركيز والتوجيه والتي تستهدف في عمومها هذا الشهر العظيم وفي أهم أغراضه المقدسة من حيث كونه شهراً للعبادة والتبتل والتقرب إلى الله - عزوجل - والالتزام بدينه الذي ارتضاه للبشرية.

من المحزن أن نرى تحويل هذا الشهر العبادي في حياة الأمة إلى مسلسلات تلفزيونة تتسابق في نشر كل ما يتناقض مع روح الدين وتعاليمه الأخلاقية، وإلى حفلات طرب ومهرجانات غناء لا تزدهر إلا في هذا الشهر الكريم لتستهدفه في الصميم وتجعل منه بدل أن يكون مناسبة إلى العبادة، إلى ما هو أقرب إلى محطة لغرس قيم وأخلاقيات مناقضة لروح وجوهر هذا الشهر العظيم.

وكم هو سيىء أن يتم اختزال هذا الشهر العظيم في مظاهر إبراز الخطوط الجميلة والزركشات (الإسلامية) الملونة لإضفاء الطابع الديني التقليدي، ولكن دون أن تمس هذه النوعية التي تغطي معظم صحافتنا اليوم ووسائل إعلامنا، الأبعاد المعنوية لشهر الصيام، أو الأبعاد الفكرية والاجتماعية لشهر الصيام، بينما تغيب الإجابات عن أسئلة كثيرة يمكن طرحها في هذا السياق:

كيف نستفيد من شهر رمضان العظيم كمناسبة عبادية مقدسة بأقصى ما يمكن؟

وكيف نعمق في نفوسنا الأغراض والغايات التي أرادها البارئ - عزوجل - من خلال هذا الشهر العظيم؟

كيف ننمي صفات الخلق والإبداع من خلال هذا الشهر المقدس؟

وما هي البرامج الكفيلة بتطوير القدرات الفكرية والثقافية وحتى الفنية في شهر الصيام؟

وكيف نستفيد من هذا الشهر في قضايا الأمة الإسلامية بصورة عامة؟ فهناك المجاعة والمشردون والمعذبون في كافة بقاع الأرض.

وكيف نعمّق جذور الترابط الاجتماعي في حياتنا من خلال فرصة هذا الشهر الكريم؟

وأسئلة آخرى تتعلق بفهم الأبعاد الهامة لشهر رمضان العظيم وما له من غايات وأغراض مقدسة في الرسالة الإسلامية وكيف نتعرف على ذلك؟

 

الاستثمار الصعب والممكن

إن شهر الصيام فرصة طيبة للاستثمار في كافة الأبعاد الحياتية والفكرية الإنسانية، ففيه مقومات الترابط والتعاون، وفيه يزداد الإنسان التصاقاً بالقيم والمبادئ، مما يجعل الفرصة أكثر متاحة للتربية والتزكية في حياة أفراد المجتمع الذي نعيش فيه، وهذا ما يستلزم الحرص أكثر للاستفادة من معطيات هذا الشهر الفضيل.

وهناك من الفوائد العبادية والصحية والنفسية ما لا يمكن حصره بأي شكل من الأشكال، وفي كل يوم نطالع بحثاً او مقالاً او دراسة او نسمع خبراً يدلي بمعلومة جديدة حول فائدة من فوائد الصيام.

والتساؤل الذي يطرح نفسه؛ كيف يمكن لنا أن نستفيد من شهر رمضان بأقصى ما يمكن ونجعله واحداً من الواجهات الأساسية في التحدي الحضاري الشامل الذي تخوضه الأمة في صراعها المرير مع الأفكار الهدّامة التي تستهدف الانحطاط والتحلل الأخلاقي في البشرية اليوم؟

إن الطريق إلى ذلك ليس سهلاً، ولكنه في نفس الوقت ليس مستحيلاً، يكمن في أن نربي في أنفسنا حب الصيام.

وأول: خطوة يمكن التفكير فيها؛ تحويل شهر رمضان العظيم إلى مناسبة ومحطة معبرة عن هويتنا وثقافتنا ورؤيتنا في عالم يعجّ اليوم بالصراعات المتوحشة من أجل الهيمنة والسيطرة والنفوذ، ولتكن مناسبة الشهر العظيم محطة لتبادل الفكر في موضوعات هكذه، وإيجاد الحلول الأخلاقية والعملية لما تعانيه البشرية بسبب ابتعادها عن قيم السماء وتعاليم الخالق - عزّوجل -.

وثانيا: أن يكون جميع ابناء الأمة، ونحن منهم، على يقظة تامة، من الوقوع في الأفخاخ المنصوبة وبسوء نية للإيقاع بنا في طرق الشيطان والابتعاد عن قيم الخير والفضيلة وطريق الله - عزّوجل - الذي يريد أن يعصمنا من الوقوع في براثن الشر وأن نكون مصادر بناء ورفاه وتنمية فاعلة في وسط مجتمعاتنا.

إن البديل المتاح هو إضاعة هذه المكرمة الربانية العظيمة في مجالس اللهو، فهذا الشهر لم يوجب فيه الباري - عزّ وجل - الصيام، من أجل أن نغتنم لياليه في حفلات الطرب والسمر، بل جعله شهراً لسمو الروح وتعالي القيم السامية في النفس الإنسانية، كما هو شهر الدعاء والاستغفار والإنابة إلى الله - تعالى- والتصميم على المبادرة إلى فعل الخيرات وما يعود على الناس والمجتمع بل والبشرية بالخير والرفاه والأمان.

 

مهمتنا الحفاظ على الهوية والانتماء

إن ما يجري في بعض بلادنا الإسلامية،- وللأسف الشديد - يمثل تحريفاً خطيراً للمسيرة التي أرادها الخالق - عزّ وجل - لأن يكون عليها الشهر الذي اختصه باسمه دون سائر الشهور، فقد تحول هذا الشهر من ساحة العبادة والتبتل إلى ملعب للهو والرقص والغناء والطرب وسائر الأعمال المنافية لمقاصد الشريعة الإسلامية والمخلّة - أيضاً - بالآداب العامة، وأصبح جيل عريض من المسلمين يستقبل هذا الشهر الكريم ليس بالدعاء وترتيل الآيات القرآنية أو التفكير في قضايا واقع حال النفس والمجتمع والأمة، وإنما بانتظار البرامج المتعددة التي تزخر بها الأسواق والفضائيات التي اقتحمت حياتنا بشكل متوحش، وما يجري فيها من أمور تعيدنا إلى عصور الجاهلية والتيه والضلال.

بينما يفترض علينا كمسلمين أن تتحول ساحتنا المجتمعة إلى مكان للذكر والتبتل والعبادة والاستغفار، وإلى ساحة نهتم فيها بقضايا بعضنا البعض في طول الساحة الإسلامية وعرضها.

فشهر الصيام يترك إيحاءات نفسية عظيمة لدى كل المسلمين، فكل مسلم يصوم ويفطر في نفس الوقت الذي يكون أخوه المسلم في كافة بقاع الأرض - أيضاً - ويؤدي نفس الطقوس، لا فرق هنا سوى التباعد الجغرافي، والمسلم يحضر المساجد والجوامع الدينية لإحراز المزيد من التوجه نحو الساحة الإلهية طلباً للمغفرة ولمزيد من الأجر والثواب.

فبعد أشهر طويلة من الانشغالات المعيشية ومتطلباتها القاهرة، يكون هذا الشهر بالنسبة للمسلمين والمؤمنين أكثر من مجرد فرصة ليعطي نفسه الوقت المناسب للاستراحة والتوجه إلى الخالق - عز وجل - الذي أنعم وأكرم علينا بهذا الشهر الكريم.

إننا كأبناء أمة تعتزّ بدينها وبرسالتها السماوية، تقع علينا اليوم مهمة هي من أخطر المهمات التي تكمن في طريق تصحيح الكيفية التي نتعاطى فيها مع هذا الشهر الكريم وتحمل المسؤولية في إطار مجابهة التحديات التي تستهدف الهوية والانتماء وعلى طريق إحياء واحد من أهم المناسبات الدينية والعبادية في حياة الأمة.

والخلاصة أننا بحاجة إلى العودة إلى جذورنا التاريخية وأصولنا الحضارية وتراثنا العلمي والإنساني الرفيع لنستلهم منه ما يعيننا على صناعة واقع أفضل لحياتنا كأمة ومجتمع، هذا في الوقت الذي تجتاح أمتنا موجة عاتية من الغزو الثقافي والفكري الذي يهدف أول ما يهدف إلى ضرب هذه الجذور وإصابتنا في الصميم من خلال التدمير الشامل لقيمنا ومبادئنا، وكل ذلك باسم الحرية والانفتاح.

إننا نقف اليوم على مفترق طرق بين ديننا وعقيدتنا وإسلامنا، وبين هذه الموجات العاتية التي تستهدفنا في العمق حيث الهوية والانتماء، وفي هذا الطريق نحن بأمس الحاجة إلى تعزيز روح انتمائنا وتمسكنا بالقيم التي نعتزّ ونتشرف بحظوة الانتماء اليها، وشهر رمضان المبارك نعمة كبرى لتحقيق كل تطلعاتنا في هذا الاتجاه.


ارسل لصديق