الحوزات العلمية واستحقاق الوعي الحضاري
كتبه: الشيخ حيدر الشمري
حرر في: 2017/06/04
القراءات: 128

ليس من العقلانية الوقوف على حالة ما من دون النظر الى الدوافع والمحفزات، سواء كانت نفسية نابعة من الادراك البشري، أو عن طريق وحيانية النصّ المحفز، ولذا تقف امام الباحث في شرعية الحوزات العلمية، والمحفزات للانضمام اليها مدركات خارجية وأخرى داخلية تتأطر ضمن إطارين: الوحيانية والعقلانية، وأدل دليل على ذلك النصوص الشرعية الدينية المتكثرة؛ سواء نصوص القرآن الكريم، أو الاثرائية (الحديث الشريف) هذا من جانب، ومن جانب آخر فإنَّ الأعم الاغلب من البشر متفقون عقلاً على اهمية المعرفة والاشادة باصحابها.

 

الحوزات العلمية واستثمار العقل

ولابد من الانتباه الى مسألة لها شأنية كبيرة وهي؛ أن النص الشرعي حينما دعا الى المعرفة وحثّ على العلم وإعمال العقل من خلال برنامج عملي تدريجي يعمق في ذهنية المتلقين لخطابه ذلك الاسلوب من التعاطي مع المعرفة، وفي مقدمة تلك النصوص الوحيانية، كما أكد كل مفكري الإسلام، قوله - تعالى -: ‏{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ}، (سورة العلق: 1-3)، ومن خلال هذا النص الذي يُعد اول نص أوحيَ الى النبي، صلى الله عليه وآله، تتضح قيمة المعرفة، إذ ابتدأ بنعمة الإيجاد والخلق، ثمُّ اردفها بنعمة العلم، فلو كان ثمة منّة، أو توجد نعمة بعد الايجاد هي أعلى من العلم، لما خصه الله تعالى بذلك، وصدر به نور الهداية، وطريق الدلالة على الصراط المستقيم ملفتاً الانتباه الى أنَّ مدارج كمال هذا الإنسان الذي خلق من أخس الاشياء (العلق) هو العلم الذي به يصير في غاية الشرف والنفاسة.

وحصر الخشية في العلماء إذ قال: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، (سورة فاطر: 25)، على شرط ان يكونوا من الذاكرين ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ، (سورة الأعلى:10)، والعلم هو من أبين ابواب الوصول الى الحكمة التي هي خيرٌ كثيرٌ، وقد آتاها لأنبيائه.

وكذا الاحاديث الشريفة فهي كما الآيات المباركة اهتمت بالبناء الفوقي للمعرفة، إذ جاءت جميعها لترسخ عقيدة الإيمان بقدرة العقل على الوصول الى الكمال، والذي قُرنت بعضها بينه وبين الانبياء في احتجاج الله - سبحانه - على خلقه، ولذا ينبغي الإيمان أنَّ إعمال العقل من خلال المعرفة التي من خلال العلم بها، ومن هذه النصوص من لم يكتف ببيان الاثر الدنيوي بل ركز على الأثر الأخروي، كما في قول النبي، صلى الله عليه وآله: «من أحب أن ينظر الى عتقاء الله من النار فلينظر الى المتعلمين فو الذي نفسي بيده ما من متعلم يختلف الى باب العالم الا كتب الله له بكل قدم عبادة سنة وبنى له الله بكل قدم مدينة في الجنة ويمشي على الارض وهي تستغفر له ويمسي ويصبح مغفوراً له وشهدت الملائكة أنه من عتقاء الله من النار».

ولكي لا يدنو الشك الى أحدٍ مستغرباً من عظم هذا الثواب فإنه، صلى الله عليه وآله، أوضح السبب في ذلك إذ قال: «فضل العالم على العابد سبعين درجة بين كل درجتين حضر الفرس سبعين عاماً وذلك لأن الشيطان يضع البدعة للناس فيبصرها العالم فيزيلها والعابد مقبل على عبادته»، وهي العلة ذاتها التي ذكرت مرارا في الروايات فليس المقصود بالعلم غير ما يترتب عليه من وظائف ومهام.

وجميع هذه النصوص الشرعية التي جاءت محفزة لطلب العلم والانضمام الى الحوزات التي تمثل احد ابرز مظاهر السعي لذلك، وقد جاءت من وراء غاية أسمى وهي البناء الفوقي لخلق حالة التكامل البشري من خلال زرع المعرفة وإنمائها في المجتمعات لمحاربة حالة الجهل التي من أشد الحالات خطورة في المجتمعات.

وبناء على ذلك فإن حالة التكامل البشري تظهر في أبرز صورها من خلال المعرفة والتكامل المعرفي، إضافة الى التناغم الوظيفي مع التغيَّر السلوكي لطالب العلم والمعرفة من جهة، ومن جهة أخرى التغَّير السلوكي المجتمعي، ومن المؤكد ان الساعي للتكامل لا يتوقف عند حدٍ و درجة معينين، بل يستمر في ذلك الى آخر لحظة من حياته، وهذا ديدن الكثير من العلماء الكبار الذين سجلوا أسماءهم في صفحات التاريخ فإنهم لم يعرف عنهم انهم توقفوا عن الاستزادة المعرفية حتى آخر لحظة في حياتهم، بل إن بعضهم كان يشكو من قلة الوقت لذلك حتى كأنه يموت حسرة على لحظة من لحظات عمره لم يغتنمها لزيادة معرفته.

 

العطلة؛ في مقدمة أسباب التراجع

وهنا ينبغي الاشارة الى حالة التراجع المعرفي التي شهدتها حوزاتنا العلمية على الرغم من تطور وسائل المعرفة ويسر تناولها من قبل الجميع، فاليوم صار بإمكان الجميع التعلم في البيوت، مع كثرة الجامعات المفتوحة في كل البلاد، وكذا الحوزات العلمية الإلكترونية التي قطعت أشواطا كبيرة، واختزلت مراحل كبيرة أمام طلاب المعرفة، نجد ان حالة التراجع تُسجل - في كل مكان - بصورة ملحوظة في الحوزات العلمية، فقديما كنا نسمع بفلان البصري، الكوفي، البغدادي، إذ مرَّ على كل تلك الحواضر العلمية للاستزادة من علمائها ومعارفهم، اصبحنا اليوم ننظر الى ظاهرة العزوف الحقيقي عن المعرفة، وإن كانت بحسب الظاهر غير ظاهرة .

ولذا على الحوزات العلمية:

أولا: ان تراجع برامجها التربوية والتعليمية.

ثانيا: ان تهتم بنوعية الأفراد الذين ينتمون اليها.

ثالثا: على طلاب المعرفة ان يتعلموا كيف يبرمجون ذواتهم.

فإن حالة الخواء المعرفي أصبحت ظاهرة واضحة للجميع، وليس بالمقدور تجاهلها والسكوت عنها، وهذه الظاهرة لم تقتصر على جانب من جوانب المعرفة.

وجميع الدراسات التي عنت بدراسة أسباب تنامي الأمم وتطورها، أكدت على أنَّ أهم الأسباب لتنامي المجتمعات وتطورها؛ ازدياد علاقة تلك الأمم والشعوب بمصادر المعرفة، إذ أشارت بعض الدراسات أنَّ اليابان على الرغم من الظروف الصعبة التي مرت بها فإنها استطاعت ان تغزو العالم بصناعاتها والتي باتت تتطور شيئاً فشيئاً، حتى أصبحت الصناعات الإلكترونية الدقيقة من أضخم صناعاتها التي تصدرها للعالم، ويُعزى السبب في ذلك الى تنامي حالة الوعي لأهمية المعرفة.

ويذكر المراقبون أنَّ واحدة من أكثر المظاهر شيوعا هي العلاقة الايجابية بين تلك الشعوب وبين الثقافة، فتكاد لا تخلو المرافق العامة من مشاهد القراءة والمطالعة التي كانت وراء تعزيز ثقافة تلك المجتمعات.

وتعد حالة التراخي وعدم الالتزام الدرسي أو حالات التعطيل في الحوزات، واحدة من أكثر المظاهر شيوعا، والتي لابد ان تعالج علاجا صحيحا حتى لا يضطر الطالب ان يتأخر سنين طويلة في قطع المراحل الدراسية، وواحدة من تلك المدد الزمنية التي تعطل فيها الحوزات هي أيام المواسم التبليغية، مثل؛ شهر رمضان وشهر محرم الحرام، إذ تكثر مجالس الوعظ والارشاد في هذين الشهرين من كل سنة، مما تضطر الحوزات العلمية ان تعطي فرصة للمبلغين لكي يتصدوا لتوجيه الناس وإرشادهم، ولكن العادة جرت ان يضاف اليهما جزء من الشهر السابق وجزء من الشهر اللاحق وبالأخص في شهر محرم حيث العادة ان تعطل الحوزات في شهر صفر كذلك.

وهنا يأتي السؤال: هل بالإمكان ان يستمر الدرس في هذه الأيام أم لا؟

من المؤكد اننا لا نريد ان نسير باتجاه طوباوي يغلب عليه المثالية، ولكن من المؤكد ان حالة التكامل المعرفي بل حتى البحث الدرسي ليست قاصرة على الالتزام بالدرس وإنما هناك الكثير من الامثلة المتكررة في المجتمعات ومنها الحوزات العلمية، أن عديد العلماء والمفكرين في الحوزات العلمية ألفوا في مجالات لم تكن معروفة على مستوى الدرس الحوزوي، كمن كتب في الفلسفة والفكر والعرفان، بل وحتى الاقتصاد الإسلامي وغيرها من العلوم الإنسانية التي لم تكن حاضرة في الحوزات العلمية كمواد تدرس بصورة منهجية، ولكن حب المعرفة والسعي نحو التكامل المعرفي لدى هؤلاء المفكرين الافذاذ، هي التي اسهمت في بناء الحضارة الاسلامية وبيان النقاط الايجابية في التشريع الاسلامي، على اسس المنهج الاسلامي القويم، وهذا الذي يدعونا الى القول انه ينبغي ان تكون لدينا حالة تفاعلية بين الاجواء التربوية التي تنشأ في هذه المواسم التبليغية لاسيما في شهر رمضان، وبين الاجواء المعرفية لتخلق حالة من التكامل المعرفي التربوي السلوكي عند طلاب المعرفة.


ارسل لصديق