القرآن يعرّف نفسه بنفسه
كتبه: كريم الموسوي
حرر في: 2017/06/05
القراءات: 65

نواجه دائما مشكلة فهم آيات القرآن الكريم بالرغم من اليسر في الطرح، والحلاوة والطراوة في التعبير، الأمر الذي جعله أقرب الى الهجران من العرفان، فلا يعدو وجوده في اوساطنا إلا في مجالس الفاتحة، واذا كانت ثمة مجالس ومحافل لتعليم وتلاوة الكتاب فهي في أيام شهر رمضان وحسب.

لكن؛ يمكننا تسليط الضوء على ثلاثة مرتكزات يمكن عدّها اساسية في القرآن المجيد بإمكانها ان تسهل عملية الفهم، وهي اللغة والسياق والتفسير:

 

 أولاً: اللغة

بالرغم من ان اللغة العربية أشمل وأدق وأجمل اللغات في انها تعطي لكل حقيقة لفظا قريباً يتناسب معها تماما، وبالرغم من ان العرب اختاروا لكل تطور ينشأ في شيء، لفظاً يخصه، ويوحي الى تلك الحقيقة متلبسة بذلك التطور، بالرغم من هذا وذاك، فإن الكلمات العربية اكتنفها الغموض مما افقد إيحاء اللفظ وظلاله، فلم نعد ـ نحن العرب ـ نملك رهافة الحس التي كانت بين لفظتي «قرب ـ اقترب» أو «فكر ـ افتكر»، حتى لم نعد نعرف الفرق بين كلمتي (سار وسارب) و(دلك وأولج) وما أشبه.

ويعود ذلك الى عدة اسباب:

1- كثرة استعمال الألفاظ في غير معانيها الأدبية، فحينما يستعمل العربي كلمة (قرب) في المجال المحدد لـ(اقترب) او حتى كلمة (سار) في موضع كلمة (سارب) تختلط ظلال الكلمتين مع بعضهما، وتضيع الإيحاءات الخاصة.

2- تعلقت أذهاننا بمعان جامدة ومحددة لألفاظ عربية، وفقدنا الشعور بمحور شعاع الكلمة، فنحن حينما نستعمل كلمة (جِنْ) يتبادر الى أذهاننا المخلوق الغريب، ودون ان نفكر ولا لحظة حول ارتباط كلمة (جنين) مع هذا المخلوق، ونستعمل كلمة (جنين) دون ان نعرف ان هناك علاقة تناسب بين معنى الولد في بطن امه (جنين) ومعنى المخلوق الغريب (جن)، وهي ان كليهما مستور عن اعين الناس.

وكذلك نطلق لفظة الخمر للدلالة على السائل المُسكر، ونطلق لفظة الخِمار للدلالة على الساتر لوجه المرأة، ولا نلاحظ ان علاقة اللفظين ببعضهما انما هي من ناحية السِتر، فهذا يستر الوجه، وتلك تستر العقل.

وهكذا تتداخل إيحاءات اللفظ العربي ببعضه، فنفقد بذلك فهم أهم سمة من سمات اللغة العربية التي لو فهمناها لسهل علينا فهم القرآن كثيرا.

من هنا يتوجب علينا الخروج من الفهم التقليدي للألفاظ العربية نحو أفق أسمى، يستشم المعنى الإيحائي العام منها.

وهذا الخروج ضروري لفهم القرآن الحكيم، إذ انه في قمة البلاغة التي تتلخص في رعاية التناسب الشامل بين الموضوع واللفظ، وبين الواقع والتعبير، فيكون كشف المنحنيات التعبيرية والإيحاءات اللفظية ذات اهمية خاصة في القرآن اكثر من أي كتاب آخر، لأنها معنية فيه بشكل مذهل، يبقى السؤال عن كيفية الخروج؟

الجواب هو عبر الخطوات التالية:

1ـ ان يتجرد الانسان بداية، عن موجبات المناخ الفكري الذي يصور له معنى جامداً للفظ.

2ـ ثم الرجوع الى المادة الاساسية التي تجمع كل التصريفات للكلمة، والتفكير في المعنى المناسب لربط هذه المجموعة باللفظ، فمثلا نجمع معاني يعرشون؛ عرشاً، معروشات، ونعود الى تصريفات اللفظ الأخرى؛ عريش، وعرش، وما أشبه، لنستنبط منها جميعا معنى البناء الفوقي، لأنه يجمع معاني سرير الملك، والبناء المرفوع، و سيباط الكرم، والخيمة من الخشب، وهذه المعاني التي ذكرتها العرب لهذه الالفاظ.

3ـ قياس موارد استعمال اللفظ ببعضها، ليعرف المعنى المشترك الذي يمكن ان يكون جامعاً بين هذه الموارد، ومن الطبيعي ان يعتبر في الاستعمال بأن يكون على لسان اهل اللغة المعتنين بالبلاغة.

والأدباء اليوم يكتشفون ظلال الكلمات وإيحاءاتها من موارد الاستعمال في منطق البلغاء أكثر مما يكتشفونها في بطون الكتب اللغوية، وذلك لأن ما في كتب اللغة لا يعدو أن يكون تسجيلا ميتاً لموارد الاستعمال، او استنباطاً لمعنى مشترك منها قد قام به مؤلفو الكتب، ومن هنا يكون تعرّف الشخص ذاتيا بهذه الموارد واستنباطه بنفسه المعنى الجامع بينها، افضل من تقليد كتب اللغة.

وبكثرة النظر في موارد الاستعمال يؤتى الفرد حسّاً ادبياً مرهفاً يجعله يميز بين كلمتين مترادفتين بشكل دقيق، بالرغم من انه قد لا يستطيع الافصاح عما يعرفه بدقة وتحديد، وإذا كان قياس موارد الاستعمال ببعضها افضل السبل لمعرفة المعنى الحقيقي للفظ ما، فإن افضل قياس من هذا النوع هو قياس موارد استعمال الكلمة في القرآن ذاته، إذ انه ـ ولا ريب ـ ذروة البلاغة العربية، التي عجز عن تحدّيه أبلغ فصحاء العرب.

وهكذا يجدر بالذي يريد التدبر في القرآن ذاته، ان يبحث عن المعنى المحدد للكلمة في آيات القرآن ذاته، ليجد ـ بقياس بعض المواقع المستعملة فيها الكلمة ببعضها ـ ذلك المعنى الدقيق الذي يقصده القرآن.

 

 ثانياً: السياق

لو بحثنا عن اول يوم تعلمنا فيه اللغة، لعرفنا ان السياق كان أول سبيل لهذا التعلم، فالوالد استعمل لفظ العصا عندما كان يتكلم عن الضرب، فعرفنا أنه وسيلة الضرب، والوالدة اطلقت لفظة الولاعة حينما تكلمت عن الطبخ، فعرفنا انها وسيلة اشعال النار.

ولا ريب ان وجود اللفظ في اطاره المتناسب يوحي بمعناه ربما اكثر من تفسير اللفظ بدون سياق يحده.

والقرآن الحكيم، ذلك الكتاب البليغ الذي يناسب بين المفردات في اطار السياق بحيث يصعب عليك تبديل لفظة بأخرى دون ان تضر بتناسب الكلمات، لذلك يهدينا السياق ذاته الى المعاني الدقيقة للكلمات؛ لأنها وضعت في موقع متناسب جدا مع تلك المعاني، فإذا أردنا ان نعرف بالدقة معنى اللفظ كان علينا مراجعة ما قبلها وما بعدها، لمعرفة ما يتناسب معهما من معنى لهذه الكلمة، فمثلا لو اردنا ان نكتشف معنى (قصد) في هذه الآية: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}، (سورة النحل: 9)، لو اردنا ذلك قارنا بين القصد والجائر، والهداية، فنعرف معنى القصد، لأنه جاء في مقابل الجائر الذي يعني المائل، فالقصد هو المستقيم، والجائر هو الظالم فالقصد هو العادل.

أو إذا أردنا التعرف على معنى (نفش) في هذه الآية: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ}، (سورة الأنبياء: 78)، لو اردنا ذلك لم يكن علينا إلا قياس كلمة نفشت، بالحرث والغنم والحكم، مما نعرف انه إتلاف الحرث، وهكذا.

وقد جاء رجل الى صحابي فسأله عن معنى (الأبّ) الذي جاء في الآية الكريمة ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا فلم يعرفه وجاء علي، عليه السلام، وقال: «إن معنى اللفظ موجود في الآية ذاتها، لأن الله سبحانه يقول: [وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ]». [سورة عبس: 31-32].

 

 ثالثاً: التفسير

إن معرفة الاطار التاريخي الذي رافق نزول الوحي، ومعرفة المورد الخاص الذي نزلت فيه الآية، والموقف الاجتماعي الذي وجهته الآية، ذات أثر كبير في تفهم المعنى الدقيق للآية.

ومعرفة تفاسير أئمة الهدى، عليهم السلام، للآية قاطعة في معانيها، بيد ان علينا ان نتخذ منها سبيلا لفهم المعنى العام، ويعطي الآية تطبيقات أشمل، فلا نجمد في النصوص الواردة في تفسير الآيات على انها المعاني الوحيدة التي تحملها، بل نتخذ منها وسيلة لفهم المعنى الأشمل للآية، وندرس كيف ولماذا انطبقت الآية على المورد الذي يعينه التفسير، لنعرف انه هل يمكن تطبيق الآية ايضا على مورد متشابه أم لا؟

فمثلا؛ جاء في بعض النصوص التفسيرية أن الآية الكريمة:

{مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}، (سورة النحل: 106)، نزلت في حق عمار بن ياسر، حسناً؛ فهل من الممكن تجميد الآية في عمار؟ كلا، بل يجب ان نفكر كيف جاءت الآية تطبيقا على حالة عمار، أليس لأنه كان قد اكره على الشرك، فأعطاهم بلسانه ما أحبوه؟ أو ليس ذات الموقف لو تكرر لرجل اليوم وصنع مثل ما صنعه عمار تنطبق عليه؟

إن هذا الاسلوب من التفكير يجعل القرآن حياً أبدا، وقد أمر به الدين، فجاء في الحديث الشريف: «لو ان القرآن كان يذهب بموت من نزل فيهم لذهب القرآن كله، وإنما مثله كمثل الشمس، كل يوم جديد».

بهذا نعرف ضرورة الاستفادة من التفسير الصحيح بالفهم الواعي لحدود تطبيق التفسير لعموم الآية.


ارسل لصديق