نهضة الأمة في ضوء الرؤية القرآنية
كتبه: السيد جعفر العلوي
حرر في: 2017/06/06
القراءات: 113

{قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ}، (سورة سبأ: 46).

يرشد الله رسوله الكريم، أن يحدّث الأمة بخير موعظة رئيسية، وهي أن تنهض وتتحرك في سبيل الله. وما دام الله اختار هذه الموعظة الواحدة الهامة، فذلك دلالة على أنها من أهم ما تحتاجه الأمة في سيرها وحركتها نحو الله ونحو رفعتها وعلو شأنها.

وحتى تكون هذه «العِظة» النهضوية ذات مصاديق على أرض الواقع، لابد من توفر شروط منها:

 

 الشرط الأول: الإخلاص لله

وهو ما نفهمه من قوله تعالى: {أَن تَقُومُوا لِلَّهِ}، بأن تكون حركة النهوض خالصاً لوجه الله، وليس لغايات أخرى مثل؛ التسلّط وتحقيق مطامع شخصية، أو وجاهات اجتماعية، أو تلبية لعصبيات جاهلية. وإنما يكون النهوض والقيام، ابتغاء مرضاة الله وتحقيق ما أمر به.

هذه النية الخالصة ينبغي أن تجد طريقها للاستمرار على طول الخط، فكثيراً ما تبدأ الحركة والنهوض لله - تعالى- ولكن سرعان ما يقع أهل الحركة في مطبّات التحزّب والصراعات الفئوية، بينما ينبغي مراعاة مصلحة الأمة في التعاون وتكاتف الجهود وتكاملها، لا التضارب والرغبة في التفرد، فما أكثر الذين قادوا الحركات والثورات، ولكن حين وصلوا الى السلطة، كان السقوط المريع في الاختبار، فتحولوا سراقاً للمال العام، وراغبين في التسلّط والبقاء على كراسي الحكم دون الاهتمام لقضايا الناس واحتياجاتهم التي كانوا ينادون بها أيام معارضتهم.

 

 الشرط الثاني، تنوع وتنظيم النهوض

وهناك شكلان للنهوض، إما نهوض عام وهو المقدم والأساس، وهو ما عبّر عنه القرآن بكلمة ﴿مَثْنَىٰ وهو تعبير يدل على أقل ما يمكن من تكاتف جهود اثنين فما أكثر، أو النهوض الفردي وهو مهم أيضاً.

ويرى المرجع المدرسي في تفسيره من «هدى القرآن»، ان كلمة مثنى وفرادى، تشير الى التحرك والنهوض الفردي أو الجمعي، بينما يرى العلامة الطباطبائي، صاحب تفسير «الميزان»، أن هاتين الكلمتين تشيران الى ضرورة التنظيم وعدم الغوغاء في النهوض، فيكون التفكير بشكل منظم، وبالنتيجة أن هناك ما يدل على وجود حالة تعدد منظم في ذلك النهوض، ومن الملاحظ أن القرآن الكريم قدم النهوض والقيام الجمعي على الفردي، لأن «يد الله مع الجماعة»، ولأن النهوض المؤثر هو النهوض العام والجمعي، ولكن إشعال موقد النهوض في الفرد مهمٌ أيضاً، فحركة النهوض لابد أن يشعر بمسؤوليتها ويهتم بها كل فرد في المجتمع، ولو - لا سمح الله - كان هناك تخاذل في التحرك العام، أو لأسباب القهر من قبل الطغاة، فإنه ينبغي للأفراد أن يتحركوا ولو بشكل فردي حتى تحين الفرص لهم لتوجيه القيام والنهوض بشكل جمعي منظم.

 

 الشرط الثالث: التخطيط السليم

وتأتي الآية الكريمة لتحثنا الى حالة التفكر العام، حيث تقول، ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا، ولم تقل ثم تفكروا، إنما بصيغة الجماعة، وهي تدل على تبادل الافكار وضرب الآراء بعضها ببعض للوصول الى الأفضل، فالنهوض لا بد له من تفكّر وتخطيط جمعي بدراسة كل السبل التي تؤدي الى نجاح القيام والنهوض العام وذلك من خلال التشاور والتدارس بين الناهضين برويّة ودون عجلة، ففي الحديث عن الإمام الهادي، عليه السلام: «ما تشاور قوم في أمرهم إلا هدوا الى رشدهم». وكل أمر يسبقه التخطيط السليم ووضع الخطط والتشاور فيها مع أصحاب الشأن والاختصاص يؤدي الى النجاح.

 

 الشرط الرابع: احترام وطاعة القيادة الربانية

ثم تطرح الآية الكريمة {مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ}، ومعنى الآية كما ذكر صاحب الميزان «والمراد بصاحبكم النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، نفسه والوجه في التعبير به تذكرتهم بصحبته الممتدة لهم أربعين سنة من حين ولادته إلى حين بعثته ليتذكروا أنهم لم يعهدوا منه اختلالا في فكر أو خفة في رأي أو أي شيء يوهم أن به جنونا»1، كما يتهمه أعداؤه، ولكن هذا النفي، باطنه ومفهومه، أن النبي يتحرك بعقل وهداية ربانية، بدليل أن الله هو الشاهد على نفي اتهامات الأعداء عنه.

ووفق ذلك، لابد للقيام (النهضة) من وجود يقين بالقيادة الشرعية والطاعة لها، وهي قيادة النبي أو الأئمة من بعده، أو الفقهاء العدول في عصر الغيبة؛ ومن ثمّ لابد لهذا القيام من قيادة شرعية تمثل العقل في هذه النهضة بعيداً عن أي تخبط وتهور وجنون كما يرمي الأعداء - عادة - القادة الناهضين بذلك.

فكل نهضة لا بد لها من قائد يمثل خير من يستطيع النهوض بها، كما قال الإمام الحسين، عليه السلام، حين تحمّل مسؤولية النهوض، وقال: «وأنا أحق من غيّر».

وفي الواقع؛ كل نهوض يبدأ عادة من قائد شرعي ينطلق به ويعطيه صفة الشرعية والوجوب الكفائي أو العام، ويحدد مساراته والغاية منه ويوزع المسؤوليات فيه ويدير النهوض في كل تحركاته منذ الانطلاقة الأولى له حتى تحقيق الغاية منه.

ومن ثورة الإمام الحسين، عليه السلام، نقتبس تجربة عملية للنهوض في سبيل الله، ففي ثورته من الدروس الكثير الكثير، في كيفية القيادة للثورة، وحسن التدبير، والتقوى، والنُبل، والطهارة فيها، الى جانب العمل الجماعي، علاوة على العمل الفردي، مع اليقين بدور القائد والامتثال لأوامره.

 

 الشرط الخامس: ربانية النهوض

يتطلب النهوض الكثير من العناء والجهد والتضحيات، ولكنها مسؤولية القائد ونهضته التي لابد أن يتحقق فيها شرط الإنذار، حيث تتحدث الآية أن النهوض الذي يقوده النبي ومن يمثله له غاية؛ وهي الإنذار: {إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ}، فالإنذار هو إيقاظ الأمة، وقرع جرس القلق لديها بخطورة ترك الأمور على ما هو عليه، في حين أن هناك عذاباً شديداً ينتظر كل من يتخلف عن الأمر الإلهي ولا يحقق الهدف من وجوده في هذه الحياة، ومن ذلك؛ هدف الأمة الإسلامية بأن تكون النموذج لأمم العالم نحو الصلاح والهداية، فالنهوض العام والثورة يقودها الربانيون حين ينتشر الباطل ويتمكن من السيطرة على الوضع العام.

إما بسبب الطغاة كما في عهد يزيد، أو بسبب غفلة الناس وتواجد الانحرافات في أوساطهم، مما يتطلب نهضة روحية تخرجهم من حالة السكرة والغفلة الى حالة اليقظة والانتباه لمصائرهم كما قام بذلك الإمام زين العابدين، عليه السلام، أو يكون بسبب انتشار الباطل هو بسبب وجود تحديات فكرية وعقائدية وتشريعية تتطلب نشر العقيدة والعلوم النافعة، كما قام بذلك كل الأئمة، عليهم السلام.

من هنا تأتي مسؤولية ربانية النهوض، فينبغي أن يوجه قادة الثورة والنهوض كل الناس الى ضرورة تحمّل المسؤولية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن ترك الظلم والباطل ليستفحل ويزداد هو من أخطر الأمور المؤدية الى نزول العذاب في الدنيا والآخرة.

-------------

1- تفسير الميزان: ج16.


ارسل لصديق