أوهام الفرح تصنعها رصاصات طائشة
كيف نعالج ظاهرة إطلاق العيارات النارية في المناسبات؟
كتبه: الشيخ يحيى الطرفي
حرر في: 2017/06/06
القراءات: 235

إن الله - تعالى- جعل هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، وجعل فيها القرآن الكريم خير منهاج ونبراس له، وبذر فيها بذور الخير، اصطفاها من بين سائر الأمم، وأفاض عليها ما شاء من النعم، ودفع عنها كل شر وبأس. وجعل لها رسولاً يُضئ لهم ما كان ظلاماً بإذن الله.

ومن أهداف ومقاصد الشريعة الإسلامية التي سعت الى تحقيقها والحفاظ عليها، هو المحافظة على حياة الإنسان، وإقامة العدل وإشاعة السلام والرحمة وإيجاد مجتمع إنساني فاضل، لا بغي فيه ولا عدوان، بل مجتمع يسوده السلام والمحبة والإنصاف بين جميع أفراده، لهذا حرم الإسلام الاعتداء على حياة الإنسان أو إيذائه.

ولما كانت جريمة القتل من أبشع الجرائم التي يمكن ان تقع على الإنسان، فقد حرمها الإسلام تحريماً قاطعاً لأن الإنسان خليفة الله في الارض، لذلك فقد جاءت النصوص محرمة للقتل في كتاب الله - عزّ وجل - وفي سنّة نبيه محمد، صلى الله عليه وآله.

 

تغييب العادة الأصيلة

إن إطلاق العيارات النارية في مجالس العزاء والأعراس أصبحت عادة منتشرة في هذه الأوقات للتعبير عن أفراح الناس وأحزانهم، فهي عادة سيئة لا تمت إطلاقاً إلى مجتمعنا بصلة؛ لأنها قد تتسبب في إزهاق أرواح بريئة أو تسبب في إحداث عاهات وإصابات إضافة إلى ما فيها من إسراف وتبذير وإنفاق للمال في غير ما أحلّ الله -تعالى-.

وقديما كان العرب اذا حدث عندهم حدث ذو شأن، مثل وفاة شخصية مرموقة أو شيخ عشيرة أو أي شخصية أخرى؛ يقومون بإشعال النار في مكان مرتفع ليلاً بهدف إعلام من بجوارهم بمسافة معينة بأن شيئاً ما قد حدث في هذا المكان، وعند ذلك يهرع من يشاهد هذه النار من بعيد الى ذلك المكان لمعرفة ما حدث، أو أرسال علامة مميزة على جسم يطفو على سطح الماء بالنسبة الى الناس الساكنين على كتف النهر ولذات السبب أعلاه، أو إرسال ما يسمى بـ «الطارش» لإبلاغ الناس شخصياً بذلك الحدث.

وعندما ظهرت الأسلحة النارية انتفت الحاجة لوسائل التبليغ او الإعلان التي ذكرناها سلفا، فصاروا يطلقون إطلاقتين او ثلاثة وهي تعد بمثابة تبليغ الى العشائر المجاورة بأن شيئاً ما حدث بهذا السلف.

واليوم، ورغم توفر وسائل الاتصال الحديثة، وبدلاً من الامتناع عن اطلاق العيارات النارية، اصبح بعض الناس يبالغون في اطلاق مئات الآلاف من الإطلاقات في هذه المناسبات، وهي عادة خاطئة تقف وراءها دوافع نفسية مثل الرياء والجهل.

 

انتشار الظاهرة

هذه الظاهرة، انتشرت بشكل كبير في مختلف الأوساط ، انتشاراً خطيراً، والأشد خطورة هو التصاعد الكبير في انتشارها؛ فعلى الرغم من الفواجع والمصائب الكبيرة التي نعيشها والتي نشاهدها جراء هذه العادة السيئة، ما زال البعض يربط بينها وبين الإحساس بالفرح، وكأن الفرحة لا تكتمل إلا بإطلاق النار، أو تعبيرا عن الحزن وكأنما يرجع الميت إلى الحياة من خلال إطلاقاته! فكم من فرح انقلب الى حزن، وكم من تشييع ميت يقتل فيه بريء!

والمسألة بمجملها تتعدى حدود الإحساس بالمسؤولية، بل وخروجها عن حدود مسؤولية الأجهزة الأمنية، لتصل إلى تدني مستوى الثقافة الفردية في المجتمع بأسره، سواء كان ذلك في عدم الإرشاد على من يخالف القانون، أو في منع أي شخص من إطلاق النار.

وقد تكون المسؤولية كبيرة جداً بالنسبة لأصحاب المناسبة، أو من شيوخ العشائر والسادة الأفاضل، الذين يفترض أن يكون لهم دور في ذلك، سواء في التنبيه على المدعوين بعدم إطلاق النار، أو في الإرشاد إلى أبناء عشيرتهم، ومحاسبة من يخالف التعليمات والتبليغ عنه، وفيما لو عدنا إلى الأصول العشائرية العربية القديمة لم نر عادات كهذه، وبهذه الطريقة المفرطة، والخارجة عن الأعراف العشائرية الأصيلة.

من هنا؛ فالمسؤولية الوطنية تستدعي تكاتف جهود الجميع من أجل وقف تلك الظاهرة التي تحولت إلى عادة سيئة، وتسببت في إزهاق الأرواح التي تسقط في ساعة غفلة من قبل شخص لا يعرف المسؤولية، وأطفال في عمر الزهور تزهق أرواحهم من غير ذنب جنوه سوى أنهم كانوا حضوراً في حفل أو مناسبة، أو يكون جالساً في بيته، أو ماشياً في الطريق.

علينا أن نكون كما في قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}، (سورة المائدة: 2)، وكما أراد الرسول، صلى الله عليه وآله: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى».

 

ما تؤول إليه الإطلاقات النارية

هنالك الكثير من المآلات الخطيرة التي يدفع ثمنها أفراد المجتمع، نذكر منها:

1- إشاعة الرعب والخوف بين الناس، مع احتمال تعرضهم للأذى عن طريق الخطأ، مما يؤدي إلى اصابتهم بجروح أو وفاتهم. وقد قال النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا».

وإذا كان النبي، صلى الله عليه وآله، قد نهى عن حمل السلاح مكشوفاً خشية أن يؤذي المسلمين عن طريق الخطأ، ونهى عن الإشارة بالسلاح إلى المسلم خشية أن تزل يده بنَزْغٍ من الشيطان الرجيم، فكيف بمن يستعمل السلاح فعلاً ويتسبب بأذى المسلمين؟! قال، صلى الله عليه وآله: «إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِي مَسْجِدِنَا أَوْ فِي سُوقِنَا وَمَعَهُ نَبْلٌ فَلْيُمْسِكْ عَلَى نِصَالِهَا، أَوْ قَالَ: فَلْيَقْبِضْ بِكَفِّهِ أَنْ يُصِيبَ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا شَيْءٌ».

2- إتلاف للمال بلا فائدة، وهذا تبذير وإسراف نهى عنه الله - تعالى- بقوله: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا}، (سورة الإسراء: 27).

3- حاجة العتاد الذي صُنع للدفاع عن الدين والوطن والمواطنين، فلا يجوز استعماله بهذه الطريقة العبثية البعيدة عما وجد هذا السلاح من أجله، واستعمال النعمة في غير ما خلقت له هو من كفران النعمة.

لقد تصدّت المرجعية الدينية وأفتت بحرمة إطلاق العيارات النارية في الهواء، وذكرت ان في ذلك هدراً للمال العام وترويعاً للنساء والأطفال وتعريض حياة الناس للخطر، فضلاً عن أننا نفرط في عتاد نحن بأمس الحاجة اليه، وذلك لوجود خطر حقيقي على ارض الواقع يهدد أمننا ووجودنا، وهو تنظيم داعش الإرهابي، ويفترض ان ندَّخر هذا العتاد لمواجهة هذا التنظيم التكفيري الذي لا يراعي الحرمات.

لهذا كله؛ فإن الواجب يقتضي إبعاد الناس عن هذه العادة المنافية للشرع والأخلاق والعرف، وليكن التعبير عن الفرح بما أحله الله - تعالى-، فيبارك الله في مناسبة الفرح والنجاح، ونشكر الله - عزّ وجل - بالطاعة لا بالمعصية التي قد تؤدي الى قتل إنسان، وكذلك يجب أن يكون مجلس العزاء، يسوده الخشوع لله - سبحانه وتعالى- والرضا بقضائه وقدره، والدعاء للمتوفى بالرحمة والمغفرة؛ لا أن نطلق العيارات النارية بهذه الطريقة الهمجية التي لا ترضي الله ولا رسوله ولا المؤمنين.


ارسل لصديق