كيف نستعد لضيافة الرحمن؟
كتبه: الشيخ ماجد الطرفي
حرر في: 2017/06/06
القراءات: 152

ليس الإنسان كسائر المخلوقات التي وُجدت في هذه الحياة، فتراها تتمتع وتهيم ثم تغادر الدنيا كما جاءت. نعم، نحن ممن خلقه الله وكرّمه وفضّله وسخر له الأشياء ليكون مستحقا لخلقته، وليسمو إلى مستوى ضيافة الرحمن ويكون جليساً في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

الإنسان قيد نفسه بأمور أشغل نفسه بها، من قبيل انشغاله في مجالس السمر واللهو واللعب العبثي، من ثم تصل به الى شفا حفرة من نار، فعليه أن يحررها بالوسائل التي وهبها الله تعالى له ليستخدمها بما أراده تعالى ليهتدي إلى الباري عز وجل ومن ثم إلى الشرع على حد سواء، منها الإدراك والعقل والإرادة وغيرها التي تفيد الإنسان في توطيد العلاقة بينه وبين الله تعالى، كما قال أبوعبدالله، عليه السلام: «من كان عاقلا كان له دين، ومن كان له دين دخل الجنة».

فإن هذه الوسائل هي قوة ادراك الخير والشر والتمييز بينهما، وأفضلها العقل الراجح الذي يعبد به الله عز وجل، كما بين ذلك الإمام الباقر، عليه السلام: «لما خلق الله العقل استنطقه ثم قال له: أقبل فأقبل ثم قال له: أدبر فأدبر ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا هو أحب إلي منك ولا أكملتك إلا فيمن احب، أما إني إياك آمر، وإياك أنهى وإياك أعاقب، وإياك أثيب»، ومن الممكن أن يكون (الإدبار)، إما الصعود إلى الكمال والقرب والوصال لله تعالى، أو الهبوط إلى النقص وما يوجب الوبال.

 فذلك يمكن للإنسان أن يجتنب الوقوع في كمائن الشيطان والشهوات والاستسلام لها، لأن الإنسان الحر بحق يرى نفسه أكبر من السقوط، وأشرف من الشهوات، وأقوى من الضغوط والإرهاب والأطماع والرغبات والأنانيات، وإذا كان الإنسان كذلك، فإنه استحق الحياة وسما إلى حقيقة الإنسانية وجوهرها؛ ولكنه إذا انهار أمام ما يتعرض له من الفتن، فلا يسعه ادعاء الحرية والكرامة، كما لا يمكنه اشتراط عدم تعرضه للمصاعب والفتن في إطار نيله الكرامة الإلهية التي ذكرها رسول الله، صلى الله عليه وآله في خطبته المباركة لاستقبال شهر رمضان.

 

 التفكير بالضيافة

كل ضيافة تكشف عن كرم صاحب الدعوة، والحال أن صاحب هذه الضيافة هو الله عز وجل، وها نحن يستضيفنا الرحمن تكريما لصيامنا، ولاسيما إغلال الشياطين وفتح أبواب الجنان وإغلاق أبواب النيران، بغض النظر عن أن الأنفاس تسبيح والنوم فيه عبادة والعمل فيه مقبول والدعاء مستجاب وما إلى ذلك من الرحمة والمغفرة الإلهية التي يغدقها علينا في كل ليلة، لذا علينا أن ندرك هذه الضيافة والاستعداد لها بشكل كامل.

كما ذكر عن رسول الله، صلى الله عليه وآله، عن قضية ضيافة هذا الشهر في قوله: «هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله»، في إشارة منه الى أن الله تعالى يدعو المؤمن إلى ضيافته سبحانه، ومن ضمن مصاديق دعوة، شهر رمضان المبارك، فإنه مأدبة خاصة لله سبحانه وتعالى، فقد ورد عن النبي، صلى الله عليه وآله، أنه قال: «إذا كان يوم القيامة ينادي المنادي: أين أضياف الله؟ فيؤتى بالصائمين، وينادي: أين رعاة الشمس والقمر؟ فيؤتى بالمؤذنين فيحملون على نجب من نور وعلى رؤوسهم تاج الكرامة ويذهب بهم إلى الجنة»، هذه الدعوة إلى ضيافة الله، لهذا الشهر وليلة القدر وأيام العيد، من رب العالمين يحملها الى الناس، من لدن سيد المرسلين، بالسعادة وكرم الضيافة من الله عز وجل.

فعلى الضيف أن يحترم صاحب الضيافة والتحلي بالدرجة الرفيعة التي تليق بصاحب المكان، فينبغي أن ننظر بنور الإيمان من خلال الرؤيا الحقيقية، والتصرف بحكمة وتعقل، إضافة إلى حرصنا على الاستعداد للتوبة أمام الله تعالى بحيث تظهر آثارها على الشخص التائب، ولنكون على وثوق بأن الله تبارك وتعالى يقبل التوبة عن عباده، فإنه نعم المولى ونعم النصير.

 

 بطاقة الدعوة إلى الله

والخطوة الأولى على طريق الفلاح للإنسان؛ إثارة الفطرة التي فطر الناس عليها التي أكرمنا الله تعالى بها وخصوصاً في شهر رمضان المبارك لكي نكون فيه على أهبة الاستعداد ليستقبلنا الشهر ونحن نستحق هذه الكرامة من الله تعالى، كما ذكر الإمام السجاد، عليه السلام، في وداع شهر رمضان: «ثُمَّ آثَرْتَنَا بِهِ عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ»، أي أننا فُضِّلنا على الذين من قبلنا بالصوم؛ وهذا ما ذكرته الآية المباركة: {يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، (سورة البقرة: 183)، لكي يكون على أهبة الاستعداد لينال كرم الضيافة الحقيقية من لدن إله عظيم الشأن، حتى يحظى بأعلى مراتب الرفعة، والكمال النابع من الكمال الإلهي، وأن يتطلع إلى الأسمى، وأن يعلم أنه إنما خُلق ليعبد الله وحده، وليدخل في خضم الدعوة التي أكرمنا بها رسوله الكريم محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وآله، فيحظى بكرامة الله - عز وجل - البالغة، ولا يكون ذلك إلا في مراتب مختلفة من كرامة الله تعالى فإن للكرامة مراتب مختلفة.

من هنا ينبغي الاستعداد روحياً وجسدياً وبكافة الطاقات وتعبئة نفوسنا لجعل شهر رمضان المبارك بوصلة لتجديد البيعة للسير إلى مرضاة الله تعالى، من خلال الخطبة التي أنشأها رسول الله، صلى الله عليه وآله، في آخر شهر شعبان، لينهل من هذا النعيم الذي ذكره النبي الأكرم لاستقبال شهر رمضان المبارك، لكي يكون أهلا لضيافة الرحمن؛ وهذا يتحقق من خلال التعبئة الروحية في صفوف الأمة التي يتكفلها رجال العلم وأبناء الحوزة العلمية، من خطباء وأئمة مساجد وعاملين في تعليم القرآن الكريم، وغيرهم، من قبيل إقامة المحافل القرآنية والمجالس والندوات والمحاضرات التي تتكلم عن هذا الدين الحنيف الذي كرم الله تعالى فيه الإنسان وجعله صاحب إرادة لا يعبد إلا الله الواحد الأحد، وغير ذلك من الغذاء الروحي الذي ينمي نفس الإنسان؛ للاستفادة ما أمكن من الشهر الفضيل والفرصة الجديدة.

ونحن نقرأ الحديث الشريف عن صوم شهر رمضان، بأن «كم من صائم ليس له من الصوم إلا الجوع والعطش»، والحديث الشريف الآخر الذي يدعونا الى صوم حقيقي متكامل بأن «من صام صامت جوارحه»، وهذا يعني أن من أهم مصاديق الصوم، هو التقوى، وهي تتجلى في أشكال مختلفة، منها ما يكون باللسان، وبالعين، وبالسمع، وحتى بالقلب، فمن يريد الحضور على المائدة الرمضانية والحصول على الرضوان والرحمة الالهية، عليه أن يوفر الوعاء النظيف والطاهر.

وكذلك بين فيه موقع شهر رمضان العظيم عند الله تعالى، وأهميته لدى الناس من حيث الإعداد له، استجابة لأمر الله تعالى أولاً، ورجاء الثواب من عند الله سبحانه والتقرب إليه - عز وجل - ثانياً، بل الناس في ذلك الوقت، وكل وقت يتهيؤون لاستقباله، وذلك من خلال بيان ما له من خصائص ومميزات يمتاز بها على بقية شهور السنة، وما يكون فيه من ثواب وفضل لا ينبغي لعاقل أن يفوت عنه. من هنا يجب أن تكون الوقفة مع النفس جدية وطفرة نوعية ليكون استعدادنا لشهر الله تعالى يتناسب مع موقع الشهر الفضيل، لأنه من نعم الله تعالى علينا، أن وضع رسول الله، صلى الله عليه وآله، بين أيدينا منهجاً رمضانياً ينبع من خطبته المباركة، لكي نتمكن من خلالها تطهير أنفسنا، ليكون شهر رمضان مقبولاً منا، ولنكون قد استحقينا هذا الوسام ألا وهو وسام ضيافة الرحمن بفضله وكرمه.


ارسل لصديق