التطلّع نحو النجاح والتخلّص من مشاعر العبثية
كتبه: أنور عزّالدين
حرر في: 2017/06/07
القراءات: 104

لكل شيء في الحياة هدف ووسيلة تؤدي اليه.

فاذا أخذنا أعضاء الانسان الواحد تلو الآخر، وسألنا ما الهدف منها؟ لأجابنا العلم بسرعة وحسم؛ ان الهدف من العين؛ الابصار، ومن الأذن؛ السماع، ومن الكبد؛ إنتاج الدم، ومن الكلية؛ تصفية الدم، ومن الشرايين؛ نقل الدم ونقل الأوكسجين من خلال الدم، ومن الزائدة الدودية؛ المحافظة على مخزون للأكل لأوقات الحاجة، وهكذا سائر الأعضاء في الجسم.

واذا أخذنا ما في هذه الحياة من كائنات حيّة؛ مثل الأشجار، نجد أن لكل شجرة هدفاً خاصاً، فأما ان تكون الشجرة مثمرة، فهدفها ثمرتها وغلالها، أو لا تكون مثمرة، فهدفها خشبها، او تكون الشجرة دواء لمرض، كذا الحال بالنسبة للحيوانات، فان لكل حيوان من مختلف الاحياء البحرية والبرية والبرمائية او الطائرة، هدفاً يعيش ضمنه ويتحرك نحوه، وهكذا الحال بالنسبة لما في الكون من شمس وقمر ونجوم، فانها مسخرات لتحقيق أهداف معينة ومحدودة.

ولو قال احد؛ بأن شيئا خلق عبثاً في هذه الحياة، عليه ان يأتي بدليل لأن المفكرين جميعا او على الأقل، كثيرا منهم في العالم حاولوا ان يكتشفوا شيئا خُلق عبثاً وبدون هدف، وضربوا أمثلة لذلك، ولكن باءت خطتهم بالفشل، واذا بالأمثلة التي ضربوها كانت امثلة وشواهد عليهم وضد نظرياتهم، مثلا: من الأمثال الشائعة الزائفة في هذا المجال قضية الزائدة الدودية، فقد أجريت عملية استئصال للزائدة، في الولايات المتحدة الامريكية لثلث المولودين في سنة 1960 وقطع عنهم الزائدة الدودية، ولكن بعد تسع سنوات، أي عام 1969 أثبت العلم مدى فوائد هذه القطعة من اللحم وتسمى الزائدة الدودية، ومدى اثرها في جسم الانسان وهكذا اللوزتان ايضاً.

كانت ذبابة تتنقل على وجه هارون العباسي، هنا وهناك، فقال هارون بتهكم وغضب: لماذا خلق الله هذه الذبابة؟! وما هي فائدتها؟، فأجابه بهلول: «حتى تذل الطواغيت»، ومرة رأى هارون دودة نتنة في الحديقة، فقال: لماذا خلق الله هذه الدودة؟ فبُلي بمرض وجيء اليه بطبيب حاذق فوصف له لمعالجة مرضه هذه الدودة، وهكذا تحولت الدودة النتنة الى علاج لمرض هارون العباسي.

 

 نزعة الاستمرار وسنّة الفناء

ليس هناك شيء خُلق عبثا في الكون، بما فيه؛ الانسان، وهو طليعة خلق الله - سبحانه وتعالى - وأكرم وأفضل ما خُلق، حتى ان الله - تعالى- اكثر مدح الانسان في القرآن الكريم: منها: «لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم»، فهل خلق هذا الانسان بلا هدف؟!

هذا السؤال هو أعظم سؤال يطرحه الانسان على نفسه لأنه يحدد طريقه في الحياة، ولأنه يرتبط بكل جزء من اجزاء حياته وبكل جانب من جوانبها، ومن دون الإجابة السليمة على هذا السؤال المصيري الخطير فإن حياة الانسان قد تنحرف انحرافات لا تصلح بعدها ابداً، وان كل الواردين جهنم هم ممن لم يعرف بالضبط هذا الهدف او عرفه ونسيه لأسباب مختلفة.

فهل الهدف هو المزيد من الاكل والمزيد من النوم والمزيد من الراحة والمزيد من التمتع بمباهج الحياة؟ حسناً؛ دعنا نفترض ان هذا هو الهدف من حياة الانسان، فنحن نرى العين تتغذى بالدم، وتستقر في المكان المناسب، ولكنها لا تبصر، ثم قالت: بأن الهدف من وجودها هو ان تتغذى من الدم وتستقر في اشرف مكان من الجسد وهو الوجه هل يكون مقبولاً منها هذا الكلام؟ إن الدم الذي تتغذى به يعد وقوداً لاستمرار العمل في المكان الذي تستقر فيه، وهذا المكان هو من عوامل استمرار الانسان في الحياة، وبها يقوم بجميع واجباته، فالعين التي لا تبصر فهي غير نافعة، ووجودها يكون عبثاً، فنخرجها ونضع بدلها عيناً صناعية! كما الشجرة التي لا تثمر ولا تظلل يكون مصيرها التحطيب.

ان كل شيء في الحياة يأكل بطريقته الخاصة، ويستقر في مكان بطريقته الخاصة، ولكن كل شيء يحقق بعد ذلك هدفاً معيناً.

فالشمس تشرق، والقمر ينير، والنجوم تقوم بدورها في الكون والأرض، والبحار تتموج وكل شيء يحقق هدفاً، إلا الانسان الذي سخّر كل شيء في الحياة لنفسه، ثم يبقى حائراً كيف يحقق الهدف من وجوده في الحياة! بل نراه يُفسد الحياة ثم يستهلك الأشياء، بعدها يتعرض هو للاستهلاك ويموت كالشجرة اليابسة!

ومن جهة أخرى، نفترض ان الهدف في حياة الانسان هو ان يأكل ويشرب وينام ثم ماذا؟ قطعاً المصير هو الموت لهذا الموجود الذي هو اعجب ما نعرفه من خلق الله سبحانه وتعالى.

هذا المخلوق انما خلق لكي يستمر 70 عاماً لا لان يموت وتنتهي معه كل آماله وأحلامه وتطلعاته، فقد أبت حكمة الله وعظمته، وأبت نظرتنا الى الكون التي تدلنا على حكمة الله، أن نشهد خلق الانسان لفترة محدودة ثم يتحول الى تراب ثم لا شيء، لذلك فطرة الانسان وجدانه وضميره لا يقبل هذا، والإنسان يريد ان يستمر ويتزوج ويصبح له اولاد ثم يستمر في أبنائه، وعندما يريد الانسان ان يرسم لوحة فانه يستمر في لوحته ويكتب كتاباً، حتى يستمر من خلال كتابته، والسبب في ذلك وجود شعور عميق في كيان الانسان بالعظمة والرغبة في تحقيق الذات، وهذه اعظم واعمق شيء في حياة الانسان، لان الانسان يأبى ان ينتهي عند حد معين، لذا نجد في فطرة الانسان الاستمرار والبقاء وهو على اتجاهين: واقعي وحقيقي، واستمرار مزيف، فالاستمرار الواقعي هو حياته بعد الموت، أما الاستمرار الكاذب المزيف هو مثلا ان يرسم لوحة فنية وتبقى في ذاكرة الناس ويبقى اسمه من خلال هذة اللوحة.

هذا الاستمرار والبقاء ليس بقاءً حقيقياً إنما بقاءً مزيفاً لأن البقاء أمرٌ خيالي، بيد أن فطرة الانسان ووجدانه يدعوانه الى الاستمرار، ويدعوانه الى البقاء، وهذا دليل على ان الانسان لم يخلق لهذه الفترة المحدودة لأن فطرته تأبى ووجدانه وضميره كذلك.

 

 التكامل لاكتشاف المزيد

القرآن الكريم يعيدنا الى فطرتنا وضمائرنا عندما يصرح في الآية الكريمة:

{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ}، (سورة المؤمنون: 115)، والقرآن الكريم لا يريد ان يحملنا افكاراً بقدر ما يريد منا ان نتوجه الى ضمائرنا والى اعمق منطقة في وجداننا، فنتذكر الآية (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا)، هذه الخلقة وهذه العظمة التي سخر لها الله الشمس العملاقة والقمر العظيم والسماوات، ملكوت السماوات، كلها من اجل الانسان، لكن هل يا ترى من اجل أن يأكل ويشرب وينام؟!

ان الهدف الاعظم لحياة الانسان هو شيء آخر، ذلك الهدف الأعظم هو تحقيق المفاهيم البشرية، وأعظم شيء يجب ان تتحرك نحوه هو الاستمرار، والنقص بالنسبة الى الانسان ألم أقوى من أي ألم آخر، بينما الكمال بالنسبة يمثل أكبر لذّة للانسان في الحياة.

وهناك إنسان مؤمن يقول: أين منّي الملوك وأبناء الملوك؟! فأنا اشعر بلذة اكبر من لذة الملوك، وهي لذّة العلم، فالعلماء والمفكرون والمخترعون الذين يفتشون عن حل لمسألة من المسائل، قد يستمرون سنة او حتى سنين ولا يجدون حلها، ولكن مرة واحدة، وهو جالس يجد الحل أمامه، عندها يشعر بلذة العمر.

ان هذا لدليل على ان الانسان حينما يكون ناقصاً فإن النقص بالنسبة اليه ألمٌ كبير، وحينما يكتمل فإن ذلك الكمال يكون أحسن وأعظم نعمة بالنسبة اليه، وهذا من الأدلة البسيطة على ان الهدف الرئيسي والحقيقي من وجود الانسان هو ان يكتمل وينمو ويصبح شخصية متكاملة.

واذا وجدنا هذا الهدف واكتشفناه فإننا على طول الخط نكون في حالة الكمال وحالة التقدم وتحقيق ذلك عندما نجد عوامل هذا التقدم مثل طلب العلم والتزام الصفات الاخلاقية مثل الصدق والوفاء والصبر والاستقامة اما الاكل والنوم وسائر الملذات انما وسيلة لتقوية العوامل الآنفة الذكر وليست الهدف.

واذا كان الانسان يفكر بهذا الشكل فانه يربي نفسه ويقوّم صفاته من خلال تبادل الحديث مع أصدقائه ومصارحتهم، فقد يصاب الانسان بألم بسيط فانه يراجع العديد من الأطباء لمعالجة هذا الألم، بينما لا تراه مستعداً لمعالجة حالة سلبية في سلوكه او حالة مرضية في أخلاقه، وما أكثر من يعاني من حالات غير سوّية كهذه!

من هنا؛ فان شروط الفوز بالجنة ورضوان الله - تعالى- أن يخرج الانسان من الدنيا ولا يعتريه النقصان في أخلاقه وواجباته والتزاماته، ويكون قد أدى كل شيء ولم يبق في ذمته أمام الناس وأمام الله، وإلا فان الحساب سيكون عسيرا في تلك الدار الاخرى حيث الحياة الابدية.


ارسل لصديق