فرصة البناء والتغيير موجودة دائماً لمن يستثمرها
كتبه: خالد عبدالله
حرر في: 2000/11/30
القراءات: 75

حوادث الزمن كالنهر يدفع بعضه بعضاً، فلا يمكننا ان نقف عند لحظة زمنية معينة ونتصور ان الاحداث قد اتخذت عندها شكلها النهائي، وانه سوف لن تأتي وراءها لحظة جديدة تحمل متغيرات جديدة.

ان الحوادث تتسلسل والزمن يجري ويبقى الانسان هو الانسان، وقد تكون هناك ظاهرة سياسية او عسكرية او اية ظاهرة اخرى ذات اثر كبير في المستقبل، إلا ان وجود مثل هذه الظواهر لا يلغي أبدا دور الانسان في امكانية الاستفادة من العوامل التي تسهم في صنع ظاهرة جديدة تخلق واقعا مختلفا كليا عما سبقه.

ولو كانت هناك ظاهرة كبرى استطاعت ان تلغي دور الانسان في التأريخ، لكانت حادثة الطوفان الشهيرة، وانقراض نسل الكافرين من فوق البسيطة، ولكان ينبغي ان يظل الناس بعد الطوفان مؤمنين، لان الله ـ عز وجل ـ أغرق في تلك الحادثة كل ذي نفس فوق الارض ولم يبق سوى المؤمنين الذين أنجاهم بالفلك مع نبيه نوح، عليه السلام.

ومع ذلك فان الحياة من بعد الطوفان ظلت كما كانت قبله تدور حول ذات السنن الالهية، وأبرز هذه السنن سنة الابتلاء، ومنح الاختيار للبشر في جو من الحرية، والقدرة على الاختيار.

في خضم هذه المسيرة، أمام الانسان فرصة التأثير والتغيير في لحظة تاريخية وذلك عندما يثبت ارادته وعزيمته على الارض.

وقد سخـر الله ـ تعالى ـ للانسان إضافة الى الارض التي يعيش عليها، كل ما في السمـاء من أجرام: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَـارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِاَمْرِهِ}، (سورة النحل: 12)، وأودع فيه جوهرة هي الأعظم في الكون، ألا وهي جوهرة المشيئة؛ أي الإرادة، وحرية الاختيار، وجعل العقل مسيطرا عليها. إن الحياة تبقى جديدة لمن أراد ان يعيشها، وعلى سبيل المثال؛ فان اليهود ظلوا طوال اربعة آلاف عام ينتحبون ويرثون انفسهم ويقولون: لقد انتهينا! فقد ظُلمنا وقُتلنا وشردنا واضطهدنا، حتى جاء هيرتزل، صاحب فكرة تأسيس دولة لليهود، وقال: من الآن لنبدأ بصنع دولة، فقيل له: لقد مر علينا أربعة آلاف عام، ولم نستطع ان نبني لأنفسنا كيانا، فقـال: هناك آية في قرآن محمد تقول: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لاَنفُسِكُمْ، (سورة الإسراء: 7)، وهذه الآية تعلمنا بأننا لو اردنا لاستطعنا.

من هنا فنحن كمسلمين لا يجوز لنا ان نتصور ان كل شيء قد انتهى، فالآية نزلت فينا قبل ان تنزل في اليهود، وهي تخاطبنا قبل ان تخاطبهم؛ فالحياة جارية كالنهـر، وعلينا ان لا نستسلم للضغوطات والتحديات، فالاستسلام هو مصيبة اكبر من الهزيمة ذاتها وأعمق أثرا.

وعلى سبيل المثال؛ فان على الانسان ان لا يكتفي بأن يوصي بإنفاق أمواله في سبيل الله من بعد وفاته، بل عليه ان يبادر هو في حياته من اجل تأسيس مشاريع خيرية تنفع الإسلام والمسلمين، كما يشير الى ذلك الحديث الشريف: «اذا مات ابن آدم انقطع عمله الا من ثلاث؛ علم نافع، وولد صالح يدعو له، وصدقة جارية». وقد يتبادر الى الأذهان ان المقصود بالإنفاق؛ هم أولئك الميسورون وأصحاب رؤوس الأموال الضخمة، في حين ان الدين الاسلامي الذي حارب ويحارب الطبقية، يدعو المسلمين بكل فئاتهم وشرائحهم للمشاركة في دفع العجلة الاقتصادية الى الامام ضمن نظام اجتماعي متماسك وفي ظل أجواء من المحبة والإخاء. وبدلاً من المشاريع الضخمة المتطلبة لرساميل ضخمة، بإمكان أفراد المجتمع تأسيس مشاريع تنموية وتجارية بأهداف خيرية على غرار التعاونيات والمؤسسات الخيرية مثل «القرضة الحسنة»، أو الأسواق التعاونية وغيرها، وإمكانية نجاح هكذا مشاريع تأتي من سعة المشاركة الجماهيرية مما يضمن النجاح بشكل كبير اذ من المعروف ان المجتمع يضم بين جنباته رؤوس أموال صغيرة لكن عديدة ومتناثرة، وما ان تجتمع حتى تتحول الى رأسمال ضخم. إن ريع مشاريع كهذه لن يذهب بعيداً، فان مجتمعاتنا لاسيما تلك التي تعاني الازمات السياسية المتعددة الجوانب والأشكال، مما يجعلها اكثر من اي وقت آخر بحاجة الى الدعم والمساندة للتغلب على هذه الأزمات، في خطوة للنهوض فيما بعد بالواقع الاقتصادي والسياسي وتحقيق الاستقرار والأمن ومن ثم تحصيل الرفاهية والسعادة.


ارسل لصديق