(دوحة القرآن الكريم) بمدينة سيهات..
صوت المرأة الرسالية لنشر الثقافة القرآنية
كتبه: أسماء بورشيد
حرر في: 2012/10/25
القراءات: 2669

بالرغم من انها مدينة صغيرة تابعة لمحافظة القطيف شرقي السعودية، لكنها أبت إلا ان تكون صوتاً هادراً للقرآن الكريم على ضفاف الخليج، ولتكون الى جانب الأصوات المباركة الاخرى في سائر المدن، التي ينشط فيها حملة الكتاب المجيد، وأهل المسؤولية الإيمانية.. انه مشروع "ملتقى القرآن الكريم" في مدينة سيهات التابعة لمحافظة القطيف.. هذه المدينة العريقة بتاريخها الثقافي والديني، وتراث أهلها الأطياب، حيث قدمت طيلة القرن الماضي، أسماء لامعة في مجال العلم والأدب والثقافة والفكر. وكان من الطبيعي ان نشهد ظهور هكذا مبادرة حضارية عام 1424هـ، على يد ثلّة من الشباب المؤمن والرسالي، حيث أثمرت عن ولادة مشاريع قرآنية اخرى، أجمل ما فيها التنوع في الفعاليات، والاستفادة من آخر تقنيات الاتصال مع الجمهور. ومن تلك الثمار الطيبة والمباركة: "دوحة القرآن الكريم"، التي تميزت بتوجهها الاجتماعي المركّز، وإعطائها المجال الرحب للمرأة المؤمنة والرسالية للمشاركة في تكريس الثقافة القرآنية في المجتمع.

 

"ملتقى القرآن الكريم".. المنطلق

وقبل الخوض في مشاريع وفعاليات "الدوحة"، يجدر بنا الاشارة الى أن ملتقى القرآن الكريم، ينظم مؤتمراً قرآنياً كل عام في شهر رمضان المبارك، وفي يومي السادس عشر والسابع عشر من الشهر الكريم، ويشارك فيه نخبة من العلماء والمفكرين والباحثين، وتقدم الى المؤتمر البحوث والدرسات في شتى القضايا التي تهمّ الأمة والساحة الاسلامية، ثم تتكفل ادارة الملتقى بطباعة الدراسات التي يتناولها المؤتمر وتوزيعها على المهتمين بالشأن القرآني بشكل خاص، والثقافي بشكل عام. كما ان الملتقى يقيم على مدار السنة، ندوات و مؤتمرات قرآنية لبحث ومناقشة عديد من القضايا في ضوء القرآن الكريم، وبذلك يقدم فرصة للعديد من الباحثين وعلماء الدين لأن يدلوا بدلوهم في هذا الشأن، علّهم يفلحو في استنباط الحلول الناجعة، والحصول على الاضاءات المشرقة من هذا الكتاب العظيم.

 

أما أبرز اهداف الملتقى فهي :

1- العمل على إشاعة الثقافة الاصيلة المستمدة من كتاب الله المجيد، عبر الوسائل المختلفة.

2- العمل على رفد الساحة الإسلامية بالكوادر القرآنية الكفوءة والمتخصصة في حل المشكلات التي تواجه المجتمعات الاسلامية.

3- الإسهام في تقديم مقاربات فكرية ناجعة, تستند الى النظرية القرآنية في حلّ المشكلات التي تواجه المجتمعات الاسلامية.

4- اعداد جيل واعد, يتفاعل مع القرآن الكريم على المستويات كافة، ويكون ركيزة لمجتمع ناهض و واع.

5- السعي نحو ابراز الانشطة القرآنية لاتباع أهل البيت عليهم السلام أينما وجدت.

 

"الدوحة".. الهمّ التعليمي والتربوي

استجابة لنداء القرآن الكريم، والدعوة السماوية الصادحة، بأن يكون القرآن أمامنا وبين أيدينا، وفي جميع شؤون حياتنا، وهو ما يوصينا به كراراً ومراراً، أئمتنا الأطهار، وقبلهم الرسول الاكرم صلوات الله عليهم اجمعين، فقد عكف الأخوة المؤمنون الرساليون على تأسيس "دوحة القرآن الكريم" التي أبصرت النور عام  1426 هـ، وكانت ثمرة إحدى التوصيات التي خرج بها مؤتمر القرآن الكريم الأول الذي عقد في شهر رمضان المبارك عام 1424هـ.

وعن هوية هذه الدوحة المباركة، قال لنا "سماحة الشيخ علي هلال الصيّود" المشرف العام على مركز "دوحة القرآن الكريم": انها "مؤسسة قرآنية، تربوية، تعليمية، تهدف الى صناعة جيل قرآني حافظ لحروف القرآن وحدوده، و واعٍ لمسؤولياته الحضارية". ويهتم المركز بالفعاليات الاجتماعية ونشر العلوم والثقافة القرآنية في اوساط المجتمع من خلال برامج صيفية سنوية تتضمن دروساً قرآنية ودينية وثقافية متنوعة، منها إقامة الندوات القرآنية، فقد أقيمت ندوات قرآنية تحت عنوان: "آفاق التربية الروحية" و "العمل الصالح.. الجذور والآفاق القرآنية"، و "الشخصية الإنسانية في التصور القرآني".

وهنا لابد من تسليط الضوء على الدور النسوي الكبير في إنجاح مشروع الدوحة، حيث يقيم برامج صيفية كل عام، وكان البرنامج الأخير هذا العام، هو التاسع من نوعه، ويعلن المركز قبل بدء العطلة الصيفية بواسطة "الانترنت" عن بدء التسجيل.

وذكرت لنا مسؤولة المركز "أم حسن الصيود" أن البرنامج يتضمن دروساً قرآنية ودينية وثقافية وترفيهية متنوعة. وأوضحت أن برنامج رياض الأطفال مخصص من سن (3- 6 سنوات)، يتعلم الطفل فيه حفظ بعض السور القرآنية القصار باستعراض القصة المناسبة للسورة، ونطق الحروف والأرقام وكتابتها باللغة العربية والإنجليزية، والأناشيد الهادفة.

أما عن الفئات العمرية، فقد أعد المركز برامج مكثفة ومعمّقة، أشارت اليها الأخت "أم حسن"، منها برنامج تعليم الصلاة للصف الاول والثاني والثالث الابتدائي، يركز بالدرجة الأولى على تعلم السور القرآنية والصلاة، بالإضافة إلى تعلم العقائد المبسطة والوضوء والأذكار والأدعية المستحبة وتعلم اللغة الإنجليزية. أما للصف الرابع والخامس والسادس، هنالك دروس قرآنية للفتيات، وايضاً في العقائد، والفقه، واللغة الإنجليزية، والقصص المفيدة، والمهارات اليدوية.

وتحدثت الأخت "أم حسن" عن برنامج "جنود الإمام الحجة" عجل الله فرجه، وهو للمرحلة المتوسطة والثانوية وما فوق، الى جانب تقديم دروس قرآنية في علوم القرآن، والفقه، والعقائد، وسيرة أهل البيت عليهم السلام، والمهارات اليدوية.

ومن أبرز الفعاليات القرآنية للمركز هذا العام، إقامة حملة التدبر في المجتمع، خلال شهر رمضان الماضي، وقد لاقت المبادرة إقبالاً كبيراً، فكما يتعلم المسلم أحكام التلاوة في شهر رمضان المبارك، يكون بإمكانه تعلّم كيفية التدبّر في القرآن الكريم.

وربما من عوامل نجاح هذا المشروع الرائد، خروجه من "سيهات" وامتداده على رقعة جغرافية كبيرة، شملت مدن: سيهات و الدمام والقطيف وعنك، كما ان الفضل في هذا النجاح يعود الى الجهود المباركة التي بذلتها الاخوات: الاساتذة "فاطمة السماعيل" والاستاذة "أحلام الحجاج"، والاستاذة "صدوق الخميس".

وكان الهدف الأساس لهذه الدورات، بناء جيل واعٍ من خلال التدبر في القرآن و روايات العترة الطاهرة. وتجاوز عدد الحضور في "عنك" الـ (40) فتاة، وقد لاقت الدورة إعجاب الفتيات حيث طالبن بالمزيد من الدورات التي تهتم بإعطائهنّ البعد العملي للتدبر.

أما الدورة المُقدمة في مدينة الدمام، فكانت موجهة للأمهات واللاتي تشوقْن لطلب المزيد من العلوم القرآنية، بحيث تم تمديد الدورة إلى ليلتين أخريين.

وفي مدينة سيهات، وفي حسينية "سهو"، حملت الدورة عنوان "القرآن وصناعة المرأة الواعية".

وعلى الرغم من أن الدورة استمرت ليومين فقط، إلا أن عدد الحضور تجاوز الخمسين إمرأة وفتاة، تفاعلن مع الاستاذة السماعيل، أثناء تقديمها للدورة، وطالبن بدورة مكثفة خلال الأيام المستقبلية. وفي سيهات ايضاً؛ أقيمت دورة في حسينية الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، وتركزت الدورة على معرفة قيمة الذات وانعكاسها على معرفة القيمة الحقيقية للقرآن. وبلغ عدد الحاضرات ثمانين إمرأة وفتاة.

وفي القطيف قدمت الاستاذة الحجاج دورة قرآنية في مجلس "نداء الزهراء" تحدث فيها عن فضل السورة المباركة: "العنكبوت – الدخان- الروم"، واستحباب قراءتها في ليلة القدر وفضل هذه السور.

هذه الدورات وغيرها كثير، تخلق أجواءً روحانية نقية، تتنفس فيها المرأة والفتاة، عبق الايمان، وتتزود من الثقافة القرآنية ، من خلال الاستماع والمشاركة في بحوث التدبر وشروطه ومتطلباته، والمفاهيم القرآنية المتعددة.

 

"آيات وأفكار" كتيب قرآني للأطفال

ومن جملة الانشطة الثقافية الرائعة لدوحة القرآن الكريم، يمكن الاشارة الى إصدار كتيب خاص للاطفال، تحت عنوان "آيات وأفكار" في شهر آيار الماضي، وجاء في مقدمة الكتيب: ان القرآن الكريم كتاب الحياة، حيث أنزله الله لنا لنعيش السعادة في الدنيا والآخرة، ومن خلال آياته الشريفة يمكن أن نربي أبناءنا ونغرس فيهم قيم الخير والصلاح.. وكما هو الحال في جميع المجالات يحتاج الشخص إلى تنويع الأساليب وتطويرها، كي تتناسب و مراحل النمو المختلفة، فالطفل -عادة- يميل إلى التغيير والانتقال بين الألوان المختلفة من أساليب التعليم.

ويُشير مُعد الكتيب في مقدمته إلى أن "الطالب في هذا الإصدار يتنقل بين القراءة والتلوين والمشاركة الشفوية والتحريرية، ليكون دور المعلم هو التوجيه والتحفيز، وإتاحة الفرصة للطالب كي يعبر عن آرائه في الموضوعات المطروحة لتتعمق القيم والمفاهيم في نفسه، ويشعر بحيوية الدرس ويتفاعل معه.

وشمل الكتيب أشكالاً مختلفة من التعليم من ضمنها:

1/ التلاوة والحفظ، حيث يتلقى الكيفية الصحيحة لتلاوة الآية، ثم يحفظها.

2/ المناقشة والأفكار، من خلال استثارة المعلم للطالب.

3/ تلوين الرسومات بعد التعليق عليها.

4/ كتابة ملخص فكرة الدرس من خلال جملة واحدة، يكتبها الطالب في نهاية كل درس.

 

المعهد القرآني

الى جانب "دوحة القرآن الكريم"، هنالك "المعهد القرآني" المتخصص في مجال التعليم، ومدته أربع سنوات للفتيات المؤمنات. وخلال حديثنا مع سماح الشيخ علي هلال الصيّود، بيّن لنا منهج المعهد المتشكّل من عشر مواد دراسية: علوم اللغة العربية ، ومنهاج المفسرين، والتدبر الموضعي. والتدبر الموضوعي. والروايات وطرق الاستفادة منها في فهم القرآن. وفقه القرآن. وعقائد القرآن. وعلوم القرآن. والتجويد. وتعلم الخطابة والكتابة.

ويضيف سماحته موضحاً: إذا أكملت الطالبة السنوات الأربع للدراسة، تتخصص في أحد التخصصات التالية:

1/ مركز البحوث والدراسات: ويعكف على إعداد الدراسات القرآنية في مختلف الجوانب، بحيث تتحول الطالبة إلى باحثة قرآنية.

2/ المركز الإعلامي : والمهمة الأساسية له، خوض تجربة نشر الأنشطة القرآنية، عبر وسائل الاعلام المتعددة، بحيث تكون الطالبة متقنة للمهارات الإعلامية.

3/ مركز الحفظ والتلاوة، بحيث تكون الطالبة حافظة لكل القرآن الكريم ، وتمكنها من تدريس مادة التجويد.

هذا الجهد المبارك في هذه التخصصات الثلاثة أثمر عن نتائج باهرة، فمن مركز البحوث والدراسات القرآنية، صدرت مجلة "مزن" القرآنية، وهي مجلة دراساتية – بحثية، تعنى بالشؤون القرآنية وصدر منها إلى الآن ثلاثة أعداد، خطتها أقلام نسوية واعدة في مجال القرآن الكريم، ففي العدد الأخير كتبت الباحثة القرآنية الأخت زينب العلي بعنوان "المجموعات القرآنية.. منهجية جديدة لتفسير القرآن"، كما كتبت الأخت فاطمة المرشود استاذة التدبر، تحت عنوان "مراجعة علمية لنماذج تفسير القرآن الكريم"، كما كتبت الباحثة الأخت بدرية الحميدي، بحثاً تحت عنوان: "مفهوم النشوز في القرآن الكريم".

أما المركز الاعلامي، فمن انجازاته؛ وكالة "مزن" القرآنية، وهو موقع على "الانترنت"، يتضمن مجمل النشاطات والأخبار والتقارير المتعلقة بمركز الدوحة، بل وعموم النشاطات القرآنية للخط الرسالي. وهنالك موقع خاص بمعارف القرآن الكريم باسم "معارف مزن". وخلال تجوالنا بين ثنايا مشروع الدوحة والتعرف على كل هذه الجهود والاعمال العظيمة، سألنا سماحة الشيخ الصيّود، عن الهدف من إعطاء مسؤولية موقع "مُزن" ومشاريع اخرى للأخوات حصراً، فربما كان السؤال غير متوقع له، لكنه كذلك بالنسبة للقارئ، لذا أوجز سماحته بالقول: ان المسألة تنطلق من الإيمان بضرورة مشاركة المرأة في بناء المجتمع و الأسرة، مستشهداً بالآية الكريمة: "المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض".

كما أشار سماحته الى طموح مركز الدوحة للتوسع الى مناطق اخرى خارج سيهات بل ومحافظة القطيف، وأكد أن المسألة في مرحلة التفكير والتخطيط ونرجو أن نوفق في ذلك في القريب العاجل.

وبالمحصلة؛ يبدو ان "دوحة القرآن الكريم"، تتميز بإعطائها الجانب الاعلامي أهمية خاصة، لما تشهده الساحة من تكالب وتنافس محموم لنشر الافكار والثقافات في العالم الذي تحول الى قرية صغيرة، وباتت القناعات والثقافات والافكار محمولة في جيب الانسان، بواسطة "الجوال"، وحتى في الغرف المغلقة للشباب والشابات بواسطة جهاز "لابتوب"، المصغر لجهاز الحاسوب.

وقد عبّر الشيخ علي هلال الصيود عن هذا الهمّ في كلمة له بإحدى الملتقيات الاعلامية التي أقامتها الدوحة مؤخراً: "لا شك أننا نعيش في حالة من الصراع الحضاري مع الغرب ، ووسط هذا الصراع تولدت تيارات واتجاهات عديدة. أنبهر الطرف الآخر في الحضارة الحديثة، فقلدها في كل شيء ابتداءً من الفكر والثقافة وانتهاءً بالملبس والمأكل والمشرب، وهناك اتجاه آخر فضل الانزواء، وعدم الاحتكاك، كوسيلة للدفاع عن نفسه، وكلا الاتجاهين في تصورنا لم يقدما حلولاً معاصرة لواقع الإنسان المسلم، الأطروحة المثلى، فهي الاعتماد في هذه المعركة، وهذا الصراع على الأصالة والانفتاح على العصر والواقع، والأصالة بما يتمثل بالقرآن الكريم والروايات، والانفتاح على العصر، بما يمثل من علم ومعرفة وتكنولوجيا ،وما إلى ذلك فنحن بحاجة إلى أن نسير في هذين الخطين".


ارسل لصديق