في ذكرى استشهاده في محراب صلاته ... الإمام علي، عليه السلام، وتجربة الحكم الجماهيري
كتبه: علي جواد
حرر في: 2017/06/08
القراءات: 249

بعد أيام من مقتل عثمان، حملت أمواج الاضطراب السياسي سفينة الأمة بعيداً عن شواطئ الأمان، فاجتمع المهاجرون والأنصار وفيهم طلحة والزبير، وأجمعوا على بيعة الإمام علي بن أبي طالب، عليه السلام، فجاؤوا إليه مسرعين عارضين عليه البيعة ليكون أميراً للمؤمنين، فرفض فوراً. ودار حوار ساخن عند باب بيته، عليه السلام، وبعد شدّ وجذب، قال، عليه السلام: «...ففي المسجد، فإن بيعتي لا تكون خفيّةً ولا تكون إلاّ عن رضا المسلمين». ثم قال: «دعوني والتمسوا غيري، فإنا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان. لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول».

فقالوا ننشدك الله، ألاَ ترى ما نحن فيه؟ ألاَ ترى الإسلام؟ ألاَ ترى الفتنة؟

فقال: «قد أجبتكم وإني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم».

هكذا يصوغ أمير المؤمنين، عليه السلام، نظرية الحكم التي تحقق الاستقرار السياسي والسعادة للناس، وذلك على أساس ثلاثة مقومات للحكم الرشيد:

الأول: الانتخاب العلني وليس خلف الأبواب المغلقة، (بيعتي لا تكون خفية).

الثاني: رأي الأغلبية (رضا الناس)، ثم تحملهم المسؤولية.

الثالث: الالتزام والطاعة، (ركبت بك ما أعلم).

 

 حاكم على الناس بكامل وعيهم

الوصول الى قمة السلطة لدى البعض يمثل قمة النجاح والانتصار وتحقيق الذات، حتى وان كان على حساب مصالح الآخرين، او من خلال إشعال نيران الفتن السياسية وخلق الأزمات مع المعارضين، فهي تعد لدى هذا البعض من وسائل تعزيز الموقف السياسي في القمة، ولا يهمّ حينئذ من يدفع ثمن الأزمة، وبأي شيء؟ ربما تكون في قلّة الخدمات، او في التخلف العلمي او في هدر الثروات، او حتى هدر كرامة الإنسان، ثم في الأرواح والدماء.

أمير المؤمنين، عليه السلام، يعلم جيداً أن الرغبة بمبايعته - وبغض النظر عن الدوافع والنوايا - كان يقابلها رغبات بالضد من فلول «النظام السابق»، ومن المنتفعين في عهد عثمان، وتحديداً الأمويين. ومهمة مواجهة الفساد العريض والعميق الذي أوجده هؤلاء في الأمة، لم يبدأه الامام، عليه السلام، من منطلق سياسي بحت، إنما من منطلق حضاري، لذا طلب منهم ان يكون «لهم وزيراً خير من ان يكون أميراً..». فعندما يتدافع الناس على دار الامام يطلبون منه مدّ يده للمبايعة، يعني إعلانهم المشاركة في مسيرة التطهير التي سينطلق بها لاحقاً ضد كل رواسب الفساد والانحراف طيلة الخمسة والعشرين عاماً من عمر الحكم المنحرف عن نهج رسول الله، صلى الله عليه وآله.

لذا نجده، عليه السلام، وبعد مبايعته خليفة وحاكماً، يصدح بالقول: «...ألا وإن بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيه، صلى الله عليه وآله، والذي بعثه بالحق، لتبلبلنّ بلبلة، ولتغربلنّ غربلة، ولتسلطن سوط القدر، حتى يعود أسفلكم أعلاكم، وأعلاكم أسفلكم».

من هنا نعرف، أن الامام علياً، عليه السلام، لم يكن يريد للمشهد السياسي آنذاك، أن يتسم بالصراع على السلطة بينه وبين الطامحين للحكم، وايضاً معارضيه من الأمويين، بقدر ما كان يخطط لأن تكون المرحلة الجديدة متسمة بالوعي واليقظة وتحمل المسؤولية، فهو يقود الأمة بعلمهم لا بجهلهم، كما هي السياسات المتبعة آنذاك، وما تزال وفق المنهج الميكافيلي، حيث التسطيح والتضليل والخشية من الوعي والثقافة والنقد.

 

 تحمّل المسؤولية أو النتائج المرّة

ومن الواضح أن الامام علي، عليه السلام، كان يجهّز الامة ويحثها على الاستعداد للمواجهة مع جبهة الباطل والبغي، متمثلة في «معاوية» المتمرد على أمر الخلافة الشرعية بالتنحّي عن منصبه كوالي على الشام، ليحدد المسؤولية الشرعية على الأمة، سواءً من هم في المدينة او الكوفة او البصرة أو سائر الأمصار الاسلامية، وما عليهم فعله.

نعم؛ نحن نتحدث عن الإجراءات التي قام بها أمير المؤمنين، عليه السلام، من استبدال جميع ولاة عثمان على الأمصار الإسلامية، وهتافه بعد يوم واحد من بيعته: «إن كل قطيعة أقتطعها عثمان، وكل مال أعطاه من مال الله، فهو مردود في بيت المال، فإن الحق القديم لا يبطله شيء، ولو وجدته قد تزوّج به النساء وفُرِّق في البلدان لرددته إلى حاله، فإن في العدل سعة، ومن ضاق عنه الحق فالجور أضيق». لكن؛ هل ان التطهير وإقامة العوج والانحراف في الأمة، من مسؤولية الامام لوحده؟ وانه الوحيد المكلف بأداء هذه المسؤولية؟

عندما لم تنفع لغة الرسائل والمرسلين بين الامام و»معاوية» المتشبث والمتخندق في الشام، كان لابد من التحرك العسكري، ومواجهة «الفئة الباغية»، فكان تسيير الامام للجيش الإسلامي لمحاربة الجيش الأموي انطلاقاً من الكوفة، وقبل ذلك كان، عليه السلام قد خاض القتال مع «الناكثين» (طلحة والزبير). هذه المعارك كانت بالحقيقة تمثل ميدان اختبار نفسي، اكثر مما هي اختبار للقوى العضلية في ساحة المعركة لإبداء البطولات، مما يمكن القول معه، إن تجهيز الامام لجيشه لمقاتلة جند الشام، لم يكن برغبة منه لزج الناس في الحرب، أو لتحقيق مصلحة سياسية او تنفيذ خطة معينة مجاراةً لمصالح خارجية - كما يحصل اليوم - إنما التعبئة جاءت نتيجة لرأيهم وموقفهم الشديد بمبايعته.

المؤرخون والباحثون يقولون، ان معظم المسلمين، وربما جميعهم، لم يكونوا قد تعرفوا جيداً على منهج امير المؤمنين وفلسفته في الحياة، لذا تفاجؤوا بقراراته بعد توليه الخلافة، منها المساواة في العطاء والحزم والشدة عند الانحراف والباطل، وهو ما أثار طلحة والزبير عليه. طبعاً؛ هو تحليل للظروف والمواقف التاريخية، لكن في كل الأحوال، شكلت تلك الفترة مرحلة اختبار عسيرة للمسلمين في كل مكان، وليس لسكان الكوفة وحسب، بأن يفهموا جيداً أن الاختيار الحر للحاكم يتبعه التزام وتحمّل لمسؤولية التغيير والإصلاح التي ينهض بها هذا الحاكم، وفي غير هذه الحالة، تكون الأمة او الشعب الذي يواجه الخطر في أي جبهة كانت، هي من يجني على نفسه، ولن يلوم إلا نفسه، إذا حقق العدو الانتصار، ولحقت به الهزائم والنكبات.

من هنا؛ نلاحظ شدة عتب ولوم الامام علي، عليه السلام، على المتقاعسين والمتخاذلين عن القتال، وهذا «نهج البلاغة» يعجّ بكلمات وخطب الامام حول هذه المسألة، ولعل نسبة لا بأس بها من هذا الكتاب المقدس، يختصّ بخطب وكلمات تتعلق بعلاقة الامام، عليه السلام، واهل الكوفة والمتخاذلين عن نصرة الحق ومقارعة الانحراف. فالإمام علي، عليه السلام، لم يكن يرضى او يقبل أن يكون هو والصفوة من حوله، يمارسون السياسة والحكم والتجاذبات السياسية مع الأعداء، وتبقى الأمة والشعب في وادٍ آخر، حيث الانشغال بحياتهم اليومية ومصالحهم الخاصة.

إن انتصار أمير المؤمنين، عليه السلام، في معركتي «الجمل» و»النهروان»، وكذلك الانتصارات الباهرة التي حققها في «صفين»، قبل واقعة «التحكيم»، إنما هي تحسب للأمة ولكل من آمن وبايع الامام في تلك الساعات الاولى في مسجد رسول الله، صلى الله عليه وآله، وليس انتصاراً شخصياً للإمام، لأن محور الصراع بالأساس هو الحق والعدل والفضيلة، أما الباطل والانحراف والتضليل، ولطالما بين هذه الحقيقة، عليه السلام، لأهل الكوفة ومن كان في جيشه، وهم بالآلاف، لكن - للأسف - كانوا غثاء كغثاء السيل، وهذا ما جعل الأمة تبتلى بشريحة من أدعياء الإسلام، ممن يقضون أوقاتهم في قراءة القرآن الكريم، وبصوت شجيّ ومثير...! وفي السجود لأوقات طويلة، حتى لُقبوا بـ «أصحاب الجباه السود»، بيد أن الصفة الأكبر التي لصقت بهم هي «الخوارج». وبعد قرون متمادية، وإذا بالأمة، على حين غرّة، تشهد عودة هذه الشريحة وهذا الفكر وهو يسحق كل الاعتبارات والقيم الأخلاقية منها والإنسانية والدينية، مما يضع الشعوب امام مسؤولية تاريخية عظيمة في الاستفادة من التجربة الديمقراطية لصنع جدار عالٍ ومنيع أمام خطر الهجمات العسكرية و الفكرية ايضاً.


ارسل لصديق