كلام في معركة (الوعي)!
كتبه: د. راشد الراشد
حرر في: 2017/08/29
القراءات: 141

تواجه الأمة الإسلامية منذ انطلاقتها الأولى تحدّيات عديدة ومتنوعة، بعضها يتصل بصراع الإرادات نحو السلطة والنفوذ، وبعضها الآخر يتصل بجبهة الفكر والرؤية.

وشهدت الأمة معارك ضارية على الجبهتين؛ جبهة من كانوا يريدون السلطة والنفوذ، وجبهة من كانوا يعترضون على الدين «الفكرة» و«القيم» و«الرؤية».

وربما دعمت أطراف الصراع من أجل السلطة والنفوذ في حقب تاريخية متفاوتة، أهل الرأي والفكرة من ذوي الاتجاهات الأخرى للبروز والظهور لمجابهة الأمة في صميم ما يبرر وجودها وقيامها.

فبرزت إلى سطح الساحة الفكرية مذاهب وأيديولوجيات تم تنظيمها وتنسيق فكرها لتتحدى ما يدعو إليه الفكر الإسلامي من قيم ومبادئ، وما يرتكز عليه من أصول في العقيدة والمنهج.

وحفل التاريخ الإسلامي بالعديد من السجالات مع مفكري المذاهب والإيديولوجيات الأخرى الذين اجتمعت إرادتهم - ربما - مع أرباب طلاب السلطة والنفوذ في تحطيم قيم الدين الإسلامي ومبادئه الخيرة التي تدعو إلى العدالة والمساواة وصيانة وحماية الكرامة الإنسانية، كما تغرس في نفوس الأمة قيم الخير والصلاح والفضيلة.

إن أخطر ما يمكن أن تتعرض له الأمة، لا يكمن مواجهتها بالحروب الساخنة، فهذه قد تشحذ إرادة الأمة وتصل بها إلى مراتب متقدمة وتعطيها زخماً هائلاً يجعلها قادرة على المجابهة والمقارعة وإنزال أشد الهزيمة بالعدو الظالم والمغتصب للشرعية ، وإنما الخطر كل الخطر فيما يتربص بالأمة من تحديات تطال «الفكر» و»القناعات».

لقد تطورت أدوات الحروب لإيقاع شر الهزائم بالخصوم في ميدان الحروب والمجابهات الساخنة، لكن أي هزيمة حقيقية لا يمكن أن تحدث إلا إذا ترافقت مع الهزيمة في جبهة «الفكر» و»العقائد» و«القناعات».

اليوم تجابه الأمة إضافتاً إلى الحروب الغاشمة التي تستهدف وجودها وهويتها، حروباً أخرى ضارية على جبهة تدمير «الفكر» و«العقائد».

وتتنوع وسائل التدمير التي تستهدف جدارة الحياة واستحقاق التفوق للأمة خارجياً من خلال إشعال الحروب وممارسة الضغوطات الاقتصادية وفرض شتى أنواع الحصار كما يحدث في بقاع عديدة من بلاد الأمة، وليست سوريا والعراق واليمن وأفغانستان وليبيا وتونس والبحرين والقطيف سوى عناوين ممتدة لهذا الاستهداف، وداخلياً وهو الأخطر وسواء من خلال ما عرف أو يعرف بالحرب الناعمة أو من خلال أدوات ووسائل الفتن وتأجيج الصراعات البينية، ومروراً بالحروب المعنوية التي تستهدف طموحات وتطلعات الأمة في الريادة والتفوق ووصولاً بالحروب التي تستهدف «الفكر» والقواعد الأساسية لما يشكل قناعات وعقائد الأمة.

إننا نعيش في أتون معركة شمولية تفرض علينا اليقظة التامة والحذر في جميع الاتجاهات، خاصة وأننا نقف اليوم أمام استهداف خطير لعقول شبابنا من خلال توظيف الثورة المعلوماتية والتقنية في توجيه لافت لحرف أبناء الأمة عن التمسك بعُرى قيمهم الحضارية والإنسانية.

تيارات الإلحاد وتشويه صورة الفكر الديني اليوم تمضي بشراسة شديدة لتشويه كل ما يرتبط بـ»الدين» وما يمثله من قيمة كبرى باتجاه التفوق وقيادة الحضارة الإنسانية والانطلاق بها نحو آفاق كونية وإنسانية خلاقة كبديل عن القيم الجاهلية الحاكمة على السيطرة والنفوذ والتحكم.

لقد أضحت المخاطر والتهديدات التي تستهدف «عقل» و«فكر» و«روح» الأمة تقترب من تحقيق أهدافها الخبيثة في زعزعة عقائد الكثيرين الذين ضاعوا في مهب رياحها العاتية وأصبحنا نتساءل بفعل ضخامة التحدي:

كيف يمكن أن نحصن أنفسنا وشباب أمتنا من الوقوع ضحية الشرخ الخطير في علاقتنا ووجودنا كأمة لها هويتها وشخصيتها الخاصة؟

وكيف لنا أن نبدع في مواجهة هذه التحدّيات؟

إنها معركة الوعي!

وهي أخطر من كل معارك الدبابات وأزيز الرصاص، فهل نشهد قفزة تبين لنا مدى استعدادنا لأن نكون بمستوى التحديات المفروضة، وأن نكون حيث يجب أن نكون في سياق تعميق الإيمان بمبادئ وقيم الأمة وتعزيز ثقافة الاعتزاز بها كمهمة وأولوية قصوى تستحق منّا كل العناية والاهتمام، نأمل ذلك.


ارسل لصديق