القرآن الكريم.. حضارة و ثقافة و فوائدُ لا عدّ لها
كتبه: حسين محمد الفيحان
حرر في: 2012/10/28
القراءات: 1303

القرآن الكريم.. المحكم الحكيم، هو الكتاب الرباني الإعجازي، وهذا الكتاب المقدس، ليس دستوراً خاصاً بالأمة الإسلامية فحسب، إنما هو دستور للمجتمع الانساني برمته.. وإذا كانت الكتب السماوية التي سبقت نزول القرآن الكريم قد شابها التحريف والتشويه، بفعل المصالح البشرية الدنيوية، فإن القرآن الكريم، لم يتعرض لمثل هذا الفعل ابداً، كما ورد في الآية الكريمة "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" (الحجر/ 9).

 إذن؛ حُظي القرآن الكريم بالحفظ والصون الإلهي، ذلك انه خاتم الكتب السماوية التي نزلت على خاتم الانبياء والمرسلين محمد الصادق الأمين، صلى الله عليه وآله وسلم، كما أن وجود نبينا الكريم والأئمة الهداة من بعده، صلوات الله عليهم، حتى قائمهم المؤمل المنتظر عجل الله فرجه الشريف، يُعد أحد عوامل حفظ هذا الكتاب الحكيم.

ثم ان كتابنا المجيد، يمثل خاتمة الكتب السماوية، ويحمل للإنسانية الدين القيّم، المتكامل في نهجه ونظامه، فلا نظام ومنهج لحياة الانسان أكمل وأصوب مما جاء في القرآن الكريم، فهو صدّق الكتب السماوية التي قبله، وأضاء بالجديد للإنسانية حتى قيام الساعة. وقد ضم الأحكام والقيم التربوية والأخلاقية والفكرية، وكل ما يحتاجه الإنسان في حياته، وما يضمن به آخرته. كما انه تضمن قصص الأنبياء عليهم السلام، لما فيها من العبر والدروس.

ومن هنا يكتسب القرآن الكريم أهميته القدسية والفكرية والقيمية، في انه ينقل لنا تجارب الشعوب والأمم في سلوكها ومنهجها في الحياة، وايضاً في علاقتها مع الخالق جلّ وعلا.. ويلخص القرآن الكريم تعريفه لذاته في ثلاث كلمات من خلال الآية الكريمة في سورة البقرة "ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ".(1)

أولاً: الكتاب.. والتي تعني انه كتاب ثابت ومتفاعل، وليس مجرد توجيهات غير مترابطة، او غير متكاملة، بل هو مترابط ومتكامل من كافة جوانبه ونواحيه.

ثانياً: لاريب فيه.. وتعني أنه لا يرقى إليه شكّ حقيقي، لأنه غير متناقض في ذاته ولا مع الإنسان، ولا بالنسبة الى هدى العقل.

ثالثاً: هدى للمتقين.. وتعني، أنه يهدي من يحب الهداية، ويعمل من اجلها، فالتقوى حذر بالقلب وعمل في الواقع ومن دون الحذر - العامل النفسي الذي يبعث نحو إرادة الهداية - ومن دون العمل من اجل الهداية، لن تكون هداية.

ومن خلال هذا التعريف الذي عرّف به القرآن الكريم ذاته، نستنتج و ندرك ان الكتاب الحكيم هو مرجع أساسي لكل من يبحث عن فكرة سديدة سامية، او يكتب في موضوع مهم ومفيد، او يستهدي بتجربة خلاّقة، او يحتاج الى هداية و حكمة، او يتحقق من دليل، او يعالج مشكلة او يخرج من هم او كرب.. والقرآن الكريم هو كتاب الله الغني والشمولي والمعمّق الذي يوسع لك الآفاق، ويثري منك الأفكار، ويثير فيك الهمم والعزائم، ويعينك على مواجهة الحياة، ويوضح لك نظرة الخالق الى الكون والوجود الذي خلقه من العدم، في ستة أيام ثم استوى على العرش جلّ في علاه سبحانه، ومن هنا ندرك، ان قراءة الكتاب المجيد، له فوائد عظيمة وقيمة، منذ ان نزل على صدر رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، و الى انقضاء الخلق اذ ان فوائده وقيمته متجددة ومستمرة مع الأزمان والسنين، ولا تنحصر في زمان ومكان. وهنا نذكر بعض الفوائد القيّمة والجليلة لقراءة هذا الكتاب المقدس:

 

أولاً: التسليم لله سبحانه

وتعالى وتوحيده

كما اسلفنا، فان القرآن الكريم يوضح لنا ذاته من خلال آياته المباركة الكريمة، التي تحثنا في اغلبها على التسليم لله سبحانه وتعالى في كافة أمورنا الدنيوية والأخروية، وان لا نشك قيد جزيئة في وجود الله وقدرته على الكون الذي خلقه فأحسن خلقه. وان نبعد عن قلوبنا الشك والاختلافات في تفسير آيات الذكر الكريم، وان نعتمد على مصدر واحد في تفسير الكتاب المجيد وهو النبي الأكرم و أهل بيته الكرام صلوات الله عليهم، لان هناك بعض الاختلافات القائمة بين المذاهب الإسلامية، حول تفسير بعض آيات الذكر المجيد، إلا أنها ليست كثيرة، بل ضخمها و أوجدها اصحاب المصالح الدنيوية والمادية. لكن المهم هو التسليم كما اشرنا سابقا، وتقويم النفس الإنسانية بما يجعلها في طريق التكامل والتسامي، وما أراده الله تعالى للإنسان. وان من السلبيات التى وقع فيها بنو اسرائيل وعلينا تجنبها هو التكبّر والغرور والاعتداد بالنفس الى حدّ القطيعة مع السماء، ومحاربة أنبياء الله ورسالته. فحاولوا على طول الخط، أن يوهموا سائر البشرية أنهم الافضل والأجدر على قيادة العالم، وذلك من خلال التقوّل على الله تعالى بأن جعل له ولداً...! " وقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا " (سورة البقرة/ 116). وهذه كانت أبرز مشاكلهم النفسية التي حالت دون أن يستقيموا على الطريقة حيث فضّلهم الله تعالى على العالمين ومنحهم من الطيبات والرزق العظيم، لكنهم كفروا بكل ذلك، وفضلوا قناعاتهم الخاصة ونزواتهم ومصالحهم الضيقة.

 

ثانياً:الشعور بقرب الله تعالى واستجابة الدعاء

الآية (186) من سورة البقرة توضح لنا هذه النقطة: "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ".. هناك أوقات وأماكن كريمة ومباركة لاستجابة الدعاء عند الله تعالى، كشهر رمضان المبارك، وعند مرقد الامام الحسين عليه السلام، او سائر مراقد المعصومين والأولياء الصالحين، وأيضا الأوقات والأيام الخاصة التي يستجيب الله خلالها لدعاء المؤمن المضطر الذي يدعو الله بقلب خاشع ونقي من شوائب الدنيا، فإذا كانت الدعوة حقيقية ومتجهة الى الله وحده، خالصة من الشرك والرياء، فان الله يجيبه لا ريب، عاجلا ام آجلاً.

"فليستجيبوا لي".. بمعنى؛ هم بدورهم أن يعملوا بأوامر الله، ليبادلهم الله جزاء الحسنة بعشرة امثالها. "وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون". استجابة دعوة الله، تبدأ من الايمان بالله، فإذا أخلص العبد ايمانه بربه، يدعوه ايمانه الى تنفيذ واجبات الله ثم يستجيب له ربه .. ومن هنا كانت الدعوات المأثورة متوجة بالاستغفار لله، لان الاستغفار يعيد الانسان الى فطرته النقيّة، والى واحة الإيمان والاطمئنان بالرحمة الإلهية.

 

ثالثاً: معرفة الاحكام الشرعية والاجتماعية

جاء في الآية (11) من سورة النساء: "يوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ"..

هذا التعبير، يمثل حكماً دينياً ملزماً لأفراد المجتمع، كما يعبر ايضاً عن رؤية اجتماعية دقيقة لأحوال البشر، فالذكر الذي يأخذ حصة كاملة – إن صحّ التعبير- إنما لدوره في الحياة، وتكوينه الجسمي والنفسي، بينما تأخذ الأنثى نصف الحصة، ايضاً لدورها وتكوينها في الحياة. فاذا كانت في مسألة الإرث لها سهم واحد، فان لها في المجالات التربوية والعاطفية، ليس سهماً واحداً او اثنين، بل أسهماً عديدة، وأدواراً لا طاقة للرجل عليها. ثم لنلاحظ صيغة الخطاب الإلهي؛ الذي استعاض (بالوصية) عن صيغة الامر، فقال: (يوصيكم) للدلالة على ان في ذلك فائدة كبيرة لكم قبل ان تكون فريضة عليكم.

وهناك أحكام عديدة يبينها القرآن الكريم لنا، كما يبين فضلها وفوائدها الكبيرة، منها "الصلاة"، فإلى جانب توضيح وقتها وفريضتها، تقول الآية الكريمة: "إنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ" (العنكبوت/ 45)، ولنا أن نعرف المدى التربوي لهذه الآية وحاجتنا الماسّة لتقويم الواقع الاجتماعي السيئ الذي نعيشه، ومكافحة الظواهر الشاذة التي تطرأ عليه.

إذن؛ نحن نقرأ القرآن الكريم لأجل فوائد لا عدَد ولا حصر لها، ونقرأ لأجل التوحيد، ومن اجل التبرك والثواب واستجلاب الخير، كما نقرأ لكسب المعرفة والحكمة والعلم، فالقرآن الكريم قبس من نور الخالق، وهذا القبس الالهي يغذي العقل والروح والجسد. فمن يريد ان يكون لسانه عربياً فصيحا بليغاً. ومن يريد ان يتدبر في هذا الكون، ومن يريد معرفة الاحكام الشرعية والاجتماعية وغيرها من احكام وقوانين الحياة فليقرأ القرآن الكريم.

إذن؛ قراءة القرآن الكريم والتأمل في معانيه السامية، غذاء للعقل وشفاء للجسد والنفس والروح، وتحليق في عالم المعرفة والتفكر والعبادة الصالحة الحقة.. لان التفكّر والتأمل في قدرة الخالق وإعجازه هي أسمى العبادات، فالقرآن الكريم حضارة متكاملة ودائمة ومعرفة شمولية. ومن يريد ان يبني أمة قائمة على اساس الحق والعدل والحرية والكرامة، فليقرأ القرآن الكريم و ليهتدِ به وليجعل منه دليلاً ومنهاجاً ونبراساً للعمل الصالح، فهو الطريق الامثل لبناء الانسان والمجتمع.

وخيرا تفعل بعض القنوات الفضائية ووسائل الاعلام باهتمامها بعلوم القرآن الكريم وأحكامه وتعليمه للصغار والكبار بهدف اشاعة الثقافة القرآنية، التي تمنح العقول اشعاعا و وعيا ومعرفة، والنفوس بهاءً و رفعة، والأجساد صفاءً وسلامةً. وتساعد على بناء مجتمع ايماني متقدم ومتطور.

----------------

(1) تفسير (من هدى القرآن) لسماحة المرجع المدرسي- الجزء الاول في تفسير الآية الكريمة "ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ"


ارسل لصديق