فهم حاجات الطفل نفسياً، اللعب أنموذجاً
كتبه: ضياء باقر العيداني
حرر في: 2017/09/04
القراءات: 27

مرحلة الطفولة هي من المراحل المهمة في حياة الإنسان ولها فهمها الخاص بها، لذلك علينا أن نتعرف على ما غرسه الله - تعالى- في هذه المرحلة العمرية وكيفية التعامل معها عن طريق فهم ميوله ورغباته، فإذا فهمنا ذلك تعاملنا معه بشكل صحيح، لأن عالم الطفل ليس نسخة مصغرة من عالم الكبار، بل ان الطفل - خاصة في سنواته الأولى - يتعامل مع العالم الخارجي عن طريق حواسه وميوله، كما علينا معرفة مدة الطفولة التي حددها القرآن الكريم بقوله: {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ}، (سورة الحج: 5)، أي إلى أن يبلغ الطفل أشده ويخرج من إطار الجهل إلى رحاب العلم، ومن الضعف إلى القوّة، ومن التبعيّة إلى الاستقلال.

ومن هذه الميول الذاتية التي ينبغي أن نعرفها؛ غريزة اللعب التي تعد جزءاً من الحاجات النفسية للطفل، وقد أكد القرآن الكريم هذه الحاجة في قوله تعالى، في سورة يوسف: {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، (سورة يوسف: 12) وفيه ذكر واضح لحقيقة احتياج الطفل إلى اللعب، وهي دعوة لفهم حاجات الطفل النفسية، وأبرزها اللعب التي تكمن في السبع سنوات الأولى من عمره، كما أكد نفس الحقيقة الإمام الصادق، عليه السلام، في حديثه: «دع ابنك يلعب سبع سنين...».

فاللعب غريزة إنسانية تنشأ مع الإنسان منذ أن تتفتح مداركه ويستشعر بما حوله، فيكتسب من خلاله أنماطاً سلوكية تنعكس على الشخصية المستقبلية في مراحل مقبلة من العمر، واللعب قد يكون على شكل حركة أو نشاط يمارس فردياً أو جماعياً يستغل فيها طاقته البدنية والذهنية.

وللعب الأطفال فوائد عدّة نذكر منها:

1- اكتساب العلم والمعرفة

يمثل اللعب وسيلة للأطفال للتعلم واكتساب المزيد من المعلومات والتجارب البسيطة عما يدور حولهم في حياتهم الاجتماعية، فنرى الطفل الصغير في مرحلة عمرية يميل إلى تفكيك الأشياء أو البحث بين الأوراق والكتب ومختلف الأشياء الموجودة في البيت، وهي دلالة واضحة على حب الاستطلاع المغروز في نفسه، وبهذا فالطفل يستثير حواسه الخمس: السمع - البصر -اللمس - الشم - التذوق من خلال اللعب والتي تسهم في بناء معرفته، فيكون للعب دورٌ في تنمية المعرفة لدى الطفل.

وفي مرحلة عمرية أكبر نراه يلعب مع أقرانه متقمصين رموزاً كبيرة في المجتمع مثل المعلم او الشرطي، فيحاول الطفل هنا الظهور أكبر من عمره ويمارس أعمالاً كبيرة ايضاً.

2- بناء الشخصية

يُسهم اللعب في بناء شخصية الطفل، ويرى علماء النفس، أن الطفل قليل النشاط والحركة مغلَّف بالضعف، يتوقَّع له التعثُّر وربما الفشل، أما الطفل النشيط فإنه يكتسب الجرأة والإقدام وقوة الشخصية ويُتوقَّع له النجاح.

وهناك مفهوم خاطئ عند البعض عندما يعدّون الطفل الذي لا يتحرك ولا يلعب كثيراً ولا يسأل أو يستفهم، بأنه طفل هادئ غير مزعج، ويفضلونه على الطفل النشيط الدائب الحركة الذي يسأل ويستفهم دون أن يفهموا أن الحالة الاولى والمفضلة لديهم تترك آثاراً سيئة على شخصية الطفل مستقبلاً، بينما الحالة الثانية التي تثير الإزعاج لدى البعض، فإنها مطلوبة له لأن الطفل يتعلم عن طريق اللعب، وعادات التحكم بذاته، وباندماجه مع أصدقائه، يكون ذا شخصية انبساطية ذات ثقة عالية بالنفس، وليست انطوائية، يكون الخجل والخوف سمتها.

3- تنمية العلاقات الاجتماعية

إن لعب الطفل مع أصدقائه له دور في تعليمه كيفية تكوين العلاقات الاجتماعية والصداقات المفيدة ويعلمه التعاون والأخذ والعطاء، والتعرف على عالمه المحيط به، ويتعلم الطفل عن طريق اللعب، التنظيم الذاتي تمشياً مع الجماعة، وقد دلت الدراسات التربوية الحديثة على أن الطفل يكتسب كثيراً من العادات الطيبة إذا وُضِع له برنامجٌ صحيح ودقيق للألعاب؛ لأن الأطفال الذين ينصرف اهتمامهم إلى أشياء تُعجِبهم لا يجدون متسعاً من الوقت للشجار.

4- الصحة البدنية

انغماس الطفل في اللعب، يطور كلاً من عقلهِ وجسده؛ أما جلوسه بدون حركة فإنه يفقد الحيوية والنشاط اللازمين لنموّه، وبذلك ترتخي عضلاته ويصاب بالخمول والفتور، فاللعب بمنزلة العمل بالنسبة للكبار يشد من جسده ويقويه وينميه بالشكل الصحيح.

5- نضوج الأخلاق

يساعد اللعب على نضوج الصفات الاخلاقية الحميدة وبلورتها في شخصيته كفضيلة الحلم، فقد ورد في حديث للإمام الكاظم عليه السلام أنه قال: «تستحب عرامة الصبي في صغره ليكون حليماً في كبره». أي إن الأطفال ذوو الحركة والنشاط في اللعب والذين لم يكبتوا في صغرهم يصبحون أكثر هدوءاً.

 

 أيُّ لعب للطفل؟

مع اقتحام تكنولوجيا المعلومات وانتشار أجهزة الحاسوب ثم الأجهزة اللوحية والهاتف النقال، عالم لعب الأطفال، بات موضوع لعب الطفل يمثل الشغل الشاغل لدى الكثير من الآباء الحريصين على بناء شخصية أطفالهم، لاسيما وأن تقنية الالعاب وتعدد اشكالها الجذابة والمثيرة خلقت بيئة جديدة للطفل تفصله بمسافات بعيدة عن جيل الآباء والأمهات، وهذا ما يؤكد بشكل خاص ضرورة إبعاد الطفل عن الألعاب المضرة على سلوكه وفكره وحتى سلامته، وتحديداً من ناحية العين الباصرة.

ومما يؤسف له، انه مع التقدم الحاصل للعلم وانتشار الأجهزة الإلكترونية في البيوت، بات الكثير من الاطفال مدمنين على الألعاب التي تضخها شركات ومؤسسات خاصة مهمتها صناعة تطبيقات ألعاب تستهدف الأطفال، وهذا الإدمان من شأنه ان يشلّ الطفل عن الحركة والنشاط الفردي او الجماعي، فيميل الطفل إلى الانطواء على عالمه الافتراضي الخاص به، والذي هو عبارة عن شخصيات وهمية يتعامل معها على أنها موجودات حيّة تعيش معه! وبالنتيجة؛ فان العالم الخارجي سيكون للطفل، عالماً غريباً عنه، لذا ترى أن الطفل في سنواته الأولى والذي يدمن الألعاب بالأجهزة الالكترونية يصاب بمرض التوحد.

ومن الخطأ قيام بعض الأمهات بإشغال طفلها بمتابعة قنوات الأطفال على الشاشة الصغيرة، أو بتوفير الأجهزة الإلكترونية له، لتتفرغ لأعمالها المنزلية، وهذا ما يحصل في بعض دور الحضانة والروضات، وهي من الوسائل الخاطئة التي تقود الطفل إلى أن يترك مزاولة اللعب ويخسر كل الفوائد التي تطرقنا إليها أعلاه.

لذا ننصح الآباء بالانتباه إلى مضار الإدمان على الألعاب الالكترونية في الجانب الفكري والعاطفي والاجتماعي.

 

 اللعب حق من حقوق الطفل

لقد بيّنا أن اللعب ضروري لتنمية الناحية الجسمية والعقلية والسلوكية، وايضاً الاجتماعية عند الطفل، وقد أكد الإسلام على ذلك فقد جاء عن رسول الله، صلى الله عليه وآله، «انه كان يشارك الحسن والحسين، عليهما السلام، في فعلهما ويتصرف وكأنه أحدهما»، كما جاء في بحار الانوار.

وهذا يعطينا فهماً بأن من حقوق الطفل أن يفسح له المجال بالكلام والاستفهام المتكرر الناتج من حب الاستطلاع وأن تكون له مساحة في الحركة والتعبير عن نفسه.

وحرمان الأطفال من اللعب جريمة بحق الطفولة، فالكثير من الأطفال يُحرمون من ممارسة حقهم في اللعب بطرق كثيرة، منها منع الآباء والأمهات لأولادهم من اللعب لأسباب غير موجهة، منها الحد من الضوضاء والإزعاج، ورغبة الكبار في تحكيم الحزم والشدّة والصرامة على حياة الطفل.

ومن حق الطفل علينا أن نختار له الألعاب المناسبة لمرحلته العمرية، وأن نختار الألعاب التي تنمي مهاراته و نبعده عن الألعاب الخطرة التي قد تؤذيه أو تؤذي من يلعب معه وأن لا نجعل الالكترونيات هي البديل للعبه.

ووردت رواية عن رسول الله، صلّى الله عليه وآله وسلّم: «الولد سيّد سبع سنين...»، وعن أمير المؤمنين علي، عليه السلام: «يرخى الصبي سبعاً...».

فالروايات تؤكّد على أنّ مرحلة ما قبل الثامنة من العمر هي مرحلة اللعب، وعلى الوالدين أن يمنحا الطفل الحرية في اللعب دون ضغطٍ أو إكراه، باستثناء الألعاب الخطرة التي يجب إبعادها عن الطفل أو إبعاده عنها.

ويؤكّد جميع علماء النفس والتربية على حرية الأطفال في اللعب فالطفل يحاول أن يرسم برنامجاً خاصاً به في أعماله وهذا عامل فعّال في تكوّن الشخصية عنده.

كما يمكن إعطاء الأطفال الحرية في مشاركتهم مع الوالدين في اللعب والتكلم معهم بالكلمات والعبارات التي يفهمونها، والمتناسبة مع مستواهم اللغوي والعقلي. وبمعنى آخر: أن يتصرّف الكبير وكأنّه طفل، قال رسول الله، صلّى الله عليه وآله وسلّم: «مَن كان عنده صبي فليتصاب له».

وبهذا ينبغي علينا أن نراعي الغريزة البريئة عند الأطفال وإعطاؤهم الحق فيها وعدم حرمانهم منها، حتى لا يضطروا لاستبدالها بالألعاب الإلكترونية التي تسرق أوقاتهم وأفكارهم وقواهم البدنية والذهنية.


ارسل لصديق