الشروط الموضوعية للمتدبر في القرآن الكريم
كتبه: السيد سجاد المدرسي
حرر في: 2012/10/28
القراءات: 1311

 حتى يكون تدبرك في القرآن الكريم مثمراً وحيوياً. متكاملاً وسليماً، لابد ان تتوافر فيك صفات نفسية وعلمية، وشروط موضوعية، وقد ذكرنا في المقال السابق الصفات النفسية والعقلية، وفصلنا الحديث فيه، وسنذكر في هذا المقال بعض الشروط الموضوعية التي لابد ان تتوفر في المتدبر في القرآن الكريم.

 

أولاً: الملاحظة العلمية الدقيقة

لفترة طويلة من الزمن كان الناس يرون حوادث مختلفة، ولكنهم كانوا يمرون عليها مرور الكرام، إلا أن  البعض منهم توقف عند تلك الحوادث متسائلاً عن خبايا تلك الحادثة، فلولا ملاحظة اديسون للقدحة الحاصلة من اصطكاك أسنة الخيل بالاحجار الصماء، لم يتمكن من اختراع الطاقة الكهربائة، ولولا ملاحظة نيوتن التفاحة، لم يكن قانون الجاذبية مكتشفا بعد، ومن هنا فإن قسطاً كبيراً من التقدم العلمي الحديث، يعود الى روح البحث والملاحظة التي توفرت في هذا العصر.

وفي التدبر في القرآن ايضاً، لابد من توفر (الملاحظة الدقيقة)، ليكون التدبر مثمراً ومفيداً، وهذه الملاحظة تكون عبر طرح تساؤلات حول مختلف الظواهر القرآنية، مثلاً: لماذا جاءت هذه اللفظة في هذا السياق، ولم تأت الكلمة المرادفة لها..؟ ولماذا تقدمت هذه الكلمة على تلك..؟ مثل قوله تعالى "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" ولم يقل (نعبدك ونستعينك) مثلاً، ولماذا يستخدم القرآن كلمة  نزّل  - بالنسبة للقرآن – فيقول : "نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ"، ويستخدم كلمة أنزل – بالنسبة الى التوراة والانجيل – فيقول : "وأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ"؟ او التساؤل عن علاقة نوع العذاب الالهي على نوع الذنب والمعصية المرتكبة من قبل المشركين؟ فعلى سبيل المثال: لماذا تكوى جباه وجنوب وظهور الذين يكنزون الذهب والفضة في قوله تعالى: "يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ" (1) وغيرها كثير من هكذا أسئلة، فيكون امام المتدبر كم هائل من الاسئلة التي يريد الحصول على اجابتها من القرآن الكريم.

وبعد ذلك لابد من التركيز في البحث عن الاجابات، وكما ذكرنا في المقال السابق، ان التركيز بمثابة الزجاجة المقعّرة التي توجه شعاع الشمس نحو نقطة معينة فتحرقها، هكذا الفكر، اذا ما تركز نحو نقطة ما فستكون نتائجه مثمرة. فليست الكمية في الافكار هي المهمة عند المتدبر بل المهم هو الكيفية الجيدة من الافكار التي يصل اليها.

وهنا لابد من ملاحظة هامة هي: قد لا يصل الانسان في بعض الاحيان الى اجوبة للتساؤلات المطروحة حول الظواهر القرآنية، او لا يتمكن من فهم مراد الآية المباركة، وفي هذه الحالة لا يجوز أن يصاب باليأس، بل عليه الاستمرار في البحث والتفكير والتدقيق.

 

ثانياً: التروي والاناة:

قد يصل الفكر الى بعض الاجابات، ولكن لا يصح التسليم لها بسرعة وتبنيها، بل لابد من التأني والتروي في قبول الأفكار، اذ إن للفكرة بريقاً خاصاً، يجذب الإنسان نحو قبولها، الأمر الذي يوقع الكثير من الناس في اخطاء فادحة جراء التسرع في قبول الفكرة، دون تدقيق في  صحتها او سقمها.

وهنا نخص بالذكر ضرورة الحذر – الاكثر – من تقبل الانسان الافكار الجاهزة المصبوبة في قوالب لطيفة وجذابة، إذ إن الإنسان مكلف بفهم المضمون والمحتوى لا الشكل الخارجي، وفي هذا السبيل ينبغي عليه التفكير المعمق، وكذلك على الانسان ان يحذر كل الحذر من تقبله السريع لأفكاره الشخصية، اذ ان الانسان يحابي نفسه ويتحيز لها لواقع حب الذات، ولذلك فانه يتسرع في قبول ما انتجه تفكيره، دون ان يمحص الفكرة الصادرة. من هنا كان على الانسان ان يتهم ما يخطر على قلبه، بان لا يتقبله بسرعة، بل يفكر فيه بدقة، فان كان حقاً قبله وان كان باطلاً طرحه بعيدا.

 

ثالثاً: الثقة بالنفس والإبداع

كما ان التسرع في قبول الافكار الشخصية امرٌ خاطئ، كذلك فان عدم الثقة كلياً بما ينتجه الفكر، أمر خاطئ ايضاً، فعلى الانسان ان لا يستصغر ذاته، ولا يحقر أفكاره، وان لا يسمح لنفسه بالذوبان في آراء الآخرين وأفكارهم.

نعم، انه يستفيد من افكار المفسرين والعلماء الآخرين، لكن لا يعني ذلك ان يجعل افكارهم ابواباً تمنعه من السير في طريق العلم والمعرفة.

وحين يثق الانسان بافكاره السليمة، عليه ان يربي عقله على (الإبداع)، ويحاول استنباط افكاراً جديدة ورؤى مبتكرة، وذلك ضمن حدود الدين وليس خارجاً عنها كما لا يخفى، اذ ان الخروج عن حدود الدين يعني (البدعة) المحرمة شرعاً، بينما التطور في حدود الشريعة يكون ابداعاً.

 

رابعاً: التتلمذ على يد القرآن

على الانسان ان يكون التلميذ المتواضع امام القرآن الكريم، فلابد له ان يسيّر نفسه وفق ما يريده القرآن الكريم، لا أن يسير القرآن وفق ما يريده هو، عليه ان يحكّم القرآن في أفكاره ورؤاه وليس العكس، ومن دون هذا الامر سيكون مصير الانسان الضلال والانحراف وسيكون ساقطاً في وادي التفسير بالرأي، المنهي عنه شرعاً.

فالبعض من الناس، لا يريدون الانصياع للقرآن الكريم وتعاليمه، بل يريدون القرآن متوافقاً مع آرائهم ومسبقاتهم الفكرية دائماً، فإذا ما كانت الآية القرآنية مخالفة مع مذهبهم الفكري فسيحاولون تأويل الآية.

 

خامساً: مراجعة المصادر

صحيح ان التعمق في التفكير امر مهم، الا انه بحاجة الى مادة ومصادر يرجع اليها اولاً، والمصادر هي التالية:

أ‌- روايات الائمة الطاهرين عليهم السلام: وهذا هو المصدر الأساس اللازم دراسته في سبيل التدبر المفيد في القرآن الكريم، اذ لا يمكن فهم القرآن الكريم بالشكل الصحيح الا من خلال عدله وهم اهل البيت عليهم افضل الصلاة والسلام.

فقد ورد في عيون أخبار الرضا (عليه السلام): بإسناده عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه محمد ابن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي (عليهم السلام)، قال: "سئل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن معنى قول رسول الله (صلى الله عليه و آله) إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله، و عترتي من العترة؟

فقال: أنا و الحسن و الحسين، و الأئمة التسعة من ولد الحسين، تاسعهم مهديهم و قائمهم، لا يفارقون كتاب الله، و لا يفارقهم حتى يردوا على رسول الله (صلى الله عليه و آله) حوضه" (2).

وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لرجل: "إياك أن تفسر القرآن برأيك حتى تفقهه عن العلماء..."

ب‌- المصادر اللغوية: العود اليها فيما يستشكل من عبارات وألفاظ مشكلة، اذ ان لغة الناس قد ابتعدت عن لغة القرآن الكريم، الأمر الذي ادى الى عدم فهم بعض الكلمات او فهمها بشكل مغلوط او باهت.

ت‌- التفاسير: ان تفسير العلماء السابقين بمثابة اضاءات تنير درب الإنسان في فهم القرآن، ويعود إليها المتدبر بهذا الهدف فيستفيد منها في سبيل فهم القرآن الكريم.

-------------

1- سورة التوبة: 35

2- البرهان في تفسير القرآن : ج1، ص 21.


ارسل لصديق