الخُمس فريضة دينية ذات آثار اجتماعية وحضارية
كتبه: الشيخ حيدر العامري
حرر في: 2017/09/04
القراءات: 39

يُعد الخمس ركناً أساسياً من أركان الإسلام، فلا تصح فريضة الحج - مثلاً- إلا بعد تخميس الأموال.

كما تُعد فريضة الخمس من المسائل الشرعية المغيبة عن أذهان البعض من الناس ممن، ربما لم يجرّب في حياته تخميس أمواله لعدم معرفته بتفاصيل المسائل المتعلقة بالخمس، فهو يسمع به - عادةً - عندما يتهيأ للسفر الى حج بيت الله الحرام، فيقال له: عليك أن تخمّس أموالك! فتكون مفاجأته بالموضوع أمام عالم الدين أو الوكيل الشرعي.

 

 على ماذا يصدُق الخُمس؟

عرف الفقهاء الخمس بأنّه فرض مالي محدّد بنسبة الخمس مما يتعلق بأنواع من المال، منها؛ غنائم الحرب، والمعادن، والكنز، والغوص، والمال الحلال المخلوط بالحرام، والأرض التي يمتلكها الذمّي من المسلم، وأرباح المكاسب كأرباح التجارة والراتب الذي يستلمه الموظف أو العامل وما شابهه، كل ذلك فرضه الله - عزّ وجل - في نص الآية الكريمة: {وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، (سورة الأنفال : 41) وقد قام به النبي، صلى الله عليه وآله، شخصيا في أخذ خمس غنائم دار الحرب وهو من الفرائض التي جعلها الله تعالى لنبيه الأكرم، صلى الله عليه وآله، وذريته عوضاً عن الزكاة، إكراماً لهم ومن منع منه درهماً كان مندرجاً في صف الظالمين لهم والغاصبين لحقهم، ففي الحديث عن الإمام الصادق، عليه السلام: «أن الله لا إله إلا هو حيث حرم علينا الصدقة أنزل لنا الخمس، فالصدقة علينا حرام والخمس لنا فريضة»

وإنّ أكثر المفسّرين الذين تناولوا هذه الآية بالبحث، صرّحوا بأنّ للغنيمة معنى واسعاً في اللغة يشمل غنائم الحرب وغيرها ممّا يحصل عليه الإِنسان.

 

 متى يجب الخمس؟

الخمس واجب على كل مكلّف بالغ له دَخْل ومورد مالي كالتاجر والموظف والعامل وغيرهم، ويجب الخمس بعد مضي عام على حصول أول ربح في التجارة - مثلا - أو على استلام الراتب بالنسبة الى الموظف والعامل، كما ويجب على ولي الطفل أن يقوم بالمحاسبة الخمسية بالنسبة لأموال الطفل قبل بلوغه.

هذا ومن لم يُخمِّس حتى الآن، ولم يخمّس أمواله وَليُّهُ، فالواجب عليه أن يقوم بالمحاسبة حالاً.

ما يجب فيه الخمس؟

من الناحية الفقهية؛ يجب الخمس في سبعة أشياء:

1- غنائم دار الحرب

يجب الخُمس في غنائم دار الحرب المنقولة وغير المنقولة المأخوذة بالقتال من الكفار الذين يحل قتالهم، فإنه يثبت فيها الخمس إذا كان القتال بإذن الإمام المعصوم، عليه السلام، أو نائبه.

2- المعادن

في المعادن، كالذهب والفضة والنحاس والرصاص والصفر والحديد وغيرها، المستخرج من الأرض، ففيه الخمس بعد استثناء تكاليف الاستخراج.

3- الكنوز

وهو المال المدفون في الأرض، أو المخبأ في الشجر أو في الجبل أو في الحائط إذا بَعُد عهده بحيث ينقطع عنه مالكه ووارثه عُرفاً لتقادم العهد، فاكتشفه شخص ما، فهذا يُسمى كنزاً عُرفاً، فإنّه يكون ملكاً لواجده وعليه فيه الخمس.

4- الغوص

وما فيه من الجواهر التي يحصل عليها الإنسان في قاع البحر، مثل اللؤلؤ والمرجان وغيرهما من الأشياء الثمينة بمختلف أشكالها، فإن فيها الخمس.

5- المال الحرام المختلط بالحلال

إذا لم يتميز المال الحرام عن الحلال ولم يعرف صاحبه، كمن اكتسب مالاً من دون رعاية الحدود الشرعية أو عمل في مؤسسة يختلط فيها الحلال والحرام، فإن عليه إخراج الخمس منه ليطيب له ماله.

أما إذا عرف مقدار المال الحرام وعرف صاحبه وجب عليه إخراجه وردّه اليه، وإن عرف صاحب المال وجهل المقدار، فعليه أن يرضيه بالصلح، وإن عرف المقدار وجهل صاحبه، تصدق به على الفقراء نيابة عن صاحبه.

6- الأرض التي يشتريها الذمي من المسلم

فإذا اشترى الذمي أرضاً من المسلم وجب على الذمي أن يدفع خمس الأرض.

7- الفائض عن مؤونة السنة.

يجب الخمس في الأموال الفائضة عن مَؤونة سنة الإنسان، ومَؤونة عياله مما يستفيده من فوائد الصناعات والزراعات والتجارات والاجارات وحيازة المباحات، بل جميع الفوائد حتى مثل الهبة والمال الموصى به ونماء الوقف والمهر وعوض الخُلع والميراث الذي لا يحتسَب لبُعد المورِّث عن الوارث سبباً أو نسباً.

 

 المَؤونة المستثناة من الخمس

والمؤونة المستثناة من الأرباح التي لا يجب فيها الخمس أمران: مؤونة تحصيل الربح، ومؤونة سنته.

والمراد من مؤونة التحصيل؛ هو كل مال يصرفه الإنسان في سبيل الحصول على الربح كأجرة الحمال والدلال والكاتب والحارس والدكان والضرائب الحكومية وغير ذلك، فإن جميع هذه الأمور تخرج من الربح ثم يخمّس الباقي.

أما المراد من مؤونة السنة التي يجب الخمس في الزائد عليها، هو كل ما يصرفه في سنته سواء في معاش نفسه وعياله على النحو اللائق بحاله، أو في صدقاته وزياراته وهداياه وجوائزه المناسبة له، أو في استقبال الضيوف، أو وفاءً بالحقوق اللازمة له بنذر أو كفارة، أو في أداء دين أو غرامة ما أتلفه عمداً أو خطأ، أو فيما يحتاج إليه من سيارة وكتب وأثاث، أو في تزويج أولاده وختانهم وغير ذلك، فالمؤونة؛ هي كل نفقة متعارف له، سواء أكان الإنفاق فيه على نحو الوجوب أم الاستحباب أم الإباحة.

 

 دور الخمس في استقلال الحوزة العلمية

ومن خلال دراسة تاريخ التشيع خلال القـرون الأربعة عشر الماضية، من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية، نزداد إيماناً بحكمة تشريع الخمس كونه أدى دوراً أساسياً في التماسك الاجتماعي والاستقلال المالي، وبات العلامة الفارقة بين التشيع وسائر المذاهب الأخرى التي شابها الانحراف نحو أبواب السلاطين والحكام، وتعرض الكيان الاجتماعي الى الاهتزاز والضياع لعدم وجود قاعدة يستند إليها في تحقيق العيش الكريم.

ومن أبرز مصاديق الاستقلال المالي في التشيّع؛ اكتفاء الحوزات العلمية مالياً في أداء دورها العلمي والتبليغي لتبقى مشعلاً وهاجاً للهدى، وخندقاً للدفاع عن القيم الالهية، ومنذ قرون متمادية تمارس الحوزات العلمية هذا الدور الحضاري والريادي متفوقة على سائر المذاهب، وهذا لم يكن لولا نظام الحقوق الشرعية (الخمس). وفي مراحل تاريخية عدّة، لاسيما في الحقبة المعاصرة، بانت آثار الاستقلال المالي للحوزات العلمية عن الأنظمة الحاكمة، على مواقفهم السياسية ودورهم الاجتماعي والثقافي، ومن أجل ذلك تحملوا ضغوطات وتهديدات جمّة الى حد الموت والشهادة، فوقفوا يتحدون ضغوطات الحكام ويفضلون شظف العيش وصعوبة الحياة على أموال السلطة المرهونة بالطاعة لأوامر الحاكم. لذا على الذين يبذلون الخمس أن يعلموا أن هذا البذل إنما هو ثمن بقاء راية أهل البيت عليهم السلام عالية خفاقة، وثمن بقاء الحوزات العلمية في المجتمع والأمة، بل وثمن استقلال الباذلين للخمس أنفسهم وثمن عزتهم ورفعة شأنهم.

 

 الحفاظ على تماسك الكيان الاجتماعي

على الذين يقصّرون في بذل الخمس أن يعلموا أن ما يرتكبونه ليس فقط ذنب منع حقوق الله وحق السادة من آل الرسول الأكرم، بل وأيضاً التهاون بالقيم التي يؤمنون بها، وأنهم يساهمون - من حيث يعلمون أو لا يعلمون - في طمس معالم الدين و انتشار الفساد في الأمة.

والدليل على ذلك، ترك الساحة فقيرة من المؤسسات الثقافية التي تصون عقول الناس وتحفظ عقائدهم وأخلاقهم من الهجمات الثقافية الشرسة المتمثلة بالقنوات الفضائية ومواقع الأنترنت ثم مواقع التواصل الاجتماعي وما فيها من المثيرات الجنسية ومنزلقات الانحراف الأخلاقي وما يعقبه من تمزق الأواصر العائلية والزوجية.

إن وجود المؤسسات الثقافية وحتى المراكز الإنتاجية التي تديرها المرجعية الدينية والحوزة العلمية بقوة المال المأخوذ من الحقوق الشرعية، قادرة على توفير أكبر قدر ممكن من الحصانة الاجتماعية والثقافية وحتى الاقتصادية للمجتمع، من خلال إيجاد منافذ لنشر الثقافة السليمة والوعي الديني، وإلى جانب ذلك؛ توفير بعض فرص العمل لسد الطريق أمام ظواهر خطيرة مثل البطالة والإدمان على المخدرات وحالات الجريمة بمختلف أشكالها.

---------------

 أستاذ بالحوزة العلمية.


ارسل لصديق