الحوزات وجديد العام الدراسي
هموم التربية وتطلعات التجديد
كتبه: الشيخ عبد الحسن الفراتي
حرر في: 2012/10/28
القراءات: 943

لا نبالغ اذا قلنا ان بدء العام الدراسي الجديد في المرافق العلمية والتعليمية في بلادنا الاسلامية على الصعيد الاكاديمي؛ الابتدائي والثانوي منها، وكذلك الأكاديمي- الجامعي، يحمل معه اشد الهموم والمسؤوليات من لدن المتصدين لادارة هذه العملية التربوية الواسعة النطاق، الا ان الهمّ الأكبر يكمن في قطاع الحوزات العلمية، وبما تحمل من مسؤولية التربية والاعداد للكوادر القيادية، وابراز معالم وتطلعات التجديد، بما يتواءم مع الجديد من تحديات العصر .

ان اختيار طالب العلوم الدينية هذا الطريق، وخلافا للسياق العام لتوجه باقي الطلبة، بحد ذاته، يعدّ العتبة الاولى للانطلاق في رحاب الوحي الالهي ومدرسة الانبياء والائمة المعصومين (ع), وكذلك «العقبة» الاولى والصعبة التي ينبغي ان يتجاوزها لكي يستشرف المراحل القادمة وتحدياتها، وهذا يتطلب التشبع بكم هائل من المفردات والعناصر الروحية التي تعطيه زخما لتجاوز العقبات المتتالية وتسعفه لمواجهة ضغوط المجتمع والاسرة والفضاء العام الذي – عادة- الاّ يشجع الشبيبة للانخراط في طريق العلوم الدينية. إلا ان جملة كبيرة من الآيات الشريفة والاحاديث المباركة تفعل فعلها السحري وتحسم الامر لصالح طلاب الحقيقة والمعرفة كما جاء في قوله تعالى: «هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون» و «ولا تقف ما ليس لك به علم» و «يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات».. والاحاديث الشريفة كذلك كقول امير المؤمنين (ع): «ايها الناس اعلموا ان كمال الدين طلب العلم والعمل به الا وان طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال. ان المال مقسوم مضمون لكم قد قَسَمه عادل بينكم وضمنه وسيفي لكم، والعلم مخزون عند أهله وقد أمرتم بطلبه من اهله فاطلبوه» (1) وعن الامام جعفر بن محمد الصادق (ع): «تفقهوا في الدين فانه من لم يتفقه منكم في الدين فهو اعرابي ان الله يقول في كتابه "ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون"» (2) وعنه (ع): «ان العلماء ورثة الانبياء وذاك ان الانبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا وانما اورثوا احاديث من احاديثكم فمن اخذ بشيء منها فقد اخذ حظا وافرا فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه فأن فينا اهل البيت في كل خلف عدولا ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين».(3)

ولكن بالرغم من اتخاذ القرار الشجاع من قبل طالب العلوم الدينية بالانخراط في سلك الحوزة العلمية، الا انه يبقى الحنين الى الجو والفضاء السابق الذي عاش فيه خارج الحوزة العلمية، والذي عادة ما يرافقه نوع من الاغراء والضغوط من قبل اقرب المقربين له، كالاب والام والاخوة والاقارب، ممن لم يستوعبوا فضل العلم ومسؤولية وأهمية نشر الفضائل لإصلاح المجتمع، ومن هنا يبدأ الصراع الحاد بين ضغوط المجتمع ومتطلباته وبين طالب العلم والتصاقه بالقيم وذوبانه في رسالة الانبياء الذين عانوا ما عانوا من اجل اصلاح المجتمعات والامم.

ان عملية الضغط المتواصل على طالب العلم تأخذ ابعاداً مختلفة وأنماطاً عديدة فمرّة  مفادها ـ على لسان العائلة: ومن يقول ان طريق خدمة الدين او الالتزام بالدين لابد ان يكون عن طريق الحوزة فقط..؟!

ومرة اخرى بالقول: ومن قال ان المؤمن لابد ان يجوّع نفسه وعائلته من اجل طلب العلم؟ ثم هل طلب العلم واجب أم مستحب أم مباح..؟!

واخرى: وهل الذين سلكوا غير طريق العلم وهم يخدمون في الوظائف الادارية والمهنية غير متدينين..؟! أم ان الجنة مفتوحة لطلاب العلم فقط؟!

واذا اجاب طالب العلم  كل هذه الاثارات الهادفة لثنيه عن مواصلة الدراسة الحوزوية، تتصاعد وتيرة الضغط بأسلوب آخر وطريقة (ناعمة)، علّها تصيب الهدف منها: ما هو الإشكال من الجمع بين علمي الدين والاكاديمية؟ و لماذا تأخير الزواج الى حين يقضي طالب العلم وطراً من العلم ـ كما قيل ـ ؟ ألا يحبذ الإسلام الزواج المبكر؟ فلماذا لم يكن طالب العلوم الدينية قدوة ومثالاً للآخرين؟ وغيرها من التساؤلات التي تحاول جر طالب العلم صوب مغريات العيش.

هذه النماذج من الضغوط تُرتّب على مسؤولي الحوزات العلمية مهام تربوية صعبة, تستدعي وضع الخطط والبرامج وعلى كافة الابعاد, بهدف انتشال طالب العلم الناشئ من وحل الثقافة السطحية العامة والتي لا ترمي الا اشاعة ثقافة اللامسؤولية, واللامبالاة, وكذلك الاسترسال مع الحياة الرتيبة الموحية للتكيف مع متطلبات الحياة والعيش الهانئ, بغض النظر عن مسؤولية ومهمة مراقبة المجتمع, اخلاقيا, وتربويا وعقائديا, واصلاحه على كافة الصعد.

ان اكبر مسؤولية جسيمة تقع على كاهل مدراء الحوزات العلمية هو وضع برامج لـ(غربلة) الطالب ومن ثم «تحصينه» من الضغوط و المغريات الخارجية.

فمع الاسف الشديد, لقد نحت الكثير من الحوزات منحى الانشغال بشكليات الهموم الادارية, كوضع الجدول الدراسي, وترتيب الفصول الامتحانية, والحضور, والغياب و.... رغم اهمية هذه المهام ـ دون وضع الاسس لهيكلة الدراسة الحوزوية واخضاعها لمشروع تربوي ـ علمي متكامل الابعاد تتعاشق فيه شكليات الوضع الاداري واساسيات المشروع التربوي.

ان توجه الكثير من الحوزات صوب تبني الاقسام الداخلية ومنهجة الدراسة ومرافقة الطالب من الاستيقاظ الصباحي, ومرورا بالمتابعة الدراسية له وكيفية تعامله مع الطلبة الزملاء والاساتذة الى فترة النوم، تعد خطوة مهمة ومتقدمة في مجال اعداد الطالب وتنشئته وتربيته ومراقبة أخلاقه وسلوكه في كل مفاصل الدراسة اليومية.

 من هنا تأتي اهمية غربلة الطالب وتخليصه من ادران الماضي العالقة به من الشارع والبيت والمجتمع والتي عادة ما يحملها معه الى الحوزات .

ومن المشاكل الكبرى التي تحيط بالطالب وهو يختار طريق العلم، احساسه بانه «كامل الشخصية» وذلك لانه اختار طريق الحوزة باعتبار «اذا احب الله عبدا فقهه بالدين» ـ كما يقول الحديث الشريف، فهو ـ اي طالب العلم ـ اختاره الله لهذا الطريق!

ان هذا الاحساس في شخصية طالب العلم بانه كامل الشخصية وانه لم يأت الى الحوزة الا لمجرد الحصول وكسب العلوم والمعارف ليس الا، يعتبر بداية الخطر والمنزلق في نفسية طالب العلم، وهنا يتوجب على مسؤولي الحوزات تحسيسه بانه طالب لعلوم الدين وان طريق العلم هو صعب جدا, ولابد من البدء بهذا المشوار عن طريق التزكية والتهذيب لقوله تعالى: (قد افلح من زكاها وقد خاب من دساها) وانه يطلب الكمال الروحي والعلمي معا، وهذا الامر, يعد الخطوة الاساسية في مشروع غربلة الطالب وتخليصه من ادران النفس الامارة بالسوء، الا سوف تتحول العلوم التي يكتسبها ـ لا سمح الله ـ الى سلاح خطير يستخدم للتبرير عن امراض قاتلة, كالغرور, والعجب وحب الذات, والتكبر و ..

من برامج الغربلة ايضا هو قبول الطالب لمدة لا تقل عن ثلاثة اشهر كقبول مؤقت, يراقب الطالب فيها اخلاقه, والتعرف على شخصيته وجوانبها النفسية والروحية اهم من كل ذلك هو التدقيق في النية الحقيقية لدخوله الحوزة العلمية، وهل الدخول كان مصداقا لقوله تعالى: «اللهم ادخلني مدخل صدق واخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا»؟

وهنا يمكن لزملائه الطلبة الكرام ممن سبقوه من ممارسة دور التعرف عليه وتوجيهه واعانة الحوزة في هذا المشروع التربوي، والاّ فبعد عبور فترة الثلاثة اشهر يصعب رفض قبوله كطالب، واذا بقي الطالب في الحوزة وقد علقت عليه ادران الخارج فسوف يصعب ازالتها اذا انخرط رسميا في مراحل الدراسة الحوزوية، نعم هذا لا يعني اهمال الطالب في المراحل المتقدمة تربويا وتوجيهيا.

اما مهمة «تحصين» الطالب داخل الحوزة وخارجها من الافكار الجاهلية, والتربوية والسطحية, والقشرية, والمنحرفة، هي من المهام الجسيمة التي تقع على كاهل مسؤولي الحوزة.

فبالتأكيد ان الدروس التقليدية في الحوزة؛ كالمنطق والعربية والاصول والفقه، ليس بامكانها تحصين الطالب عقائدياً وفكرياً واخلاقياً، بل لا نبالغ الحقيقة اذا قلنا ان هذه الدروس لا تعطي الدين لطالب العلم، كون المنطق هو من افرازات شكليات العقل اليوناني الارسطي الذي تسلل الى الحوزات، اما اللغة العربية فهي لغة كباقي في اللغات ـ وان كانت ضرورية لفهم النصوصـ اما الاصول فهو نتاج المنطق الشكلي ، والفقه يُعد اوامر ونواهي ، فاين روح الدين وقيمه بل اين: «اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي اهل بيتي» في مشروع المناهج لتحصين الطالب؟ ناهيك عن الانفتاح على معطيات العصر الفكرية والثقافية لا سيما السائدة في الاكاديميات وعرضها على القرآن والعترة وتحليلها ونقدها وفق بصائرهما؟!

ان تزكية وتطهير قلب وروح وعقل الطالب بآيات الوحي الالهي وكلام المعصومين (ع) الذين اختارهم الله تعالى كافضل واكمل نموذج للكمال الانساني هو الطريق الناجح لتربية واعداد الطلاب الربانيين والقادة الرساليين وانتشال الامة من وحي الجهل والخرافات المتراكمة والمتغلغلة.

خلاصة القول؛ ان التطلع والاضطلاع بمهمة التجديد بالمناهج الدراسية الحوزوية المستندة الى ثوابت الدين ومعطيات العصر ويرافقها الاهتمام بالمشروع التربوي، من المهام الجسام والكبرى التي ينبغي على الحوزات العلمية في هذا العصر المليء بالتحديات المتعددة القيام به وذلك من اجل انجاح عملية التصدي الديني للساحة ومواجهة وافشال المؤامرات التي تحاك ضد الامة من كل صوب وعلى كافة المستويات.

-------------

* استاذ في الحوزة العلمية

-------------

1/الكافي /ج1/ ص24

2/الكافي /ج1/ص25

3/الكافي /ج1/ص26


ارسل لصديق