بيان الأربعين لسماحة المرجع المُدرسي
الإمام الحسين عليه السلام نور هدىً ومسيرة إصلاح
كتبه: هيأة التحرير
حرر في: 2017/10/23
القراءات: 76

أصدر سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي - دام ظله - بيانه السنوي بمناسبة أربعين الامام الحسين، عليه السلام، وفيما يلي مقتطفات منه:

أيها الزائرون الكرام، يا من تقطعون مسافات شاسعة حتى تصلوا إلى مرقد إمامكم بشوق وعزم، وتتخطون الصعاب وتتحدون الإرهاب، تعالوا لنقرأ كتاب ربنا المجيد حين يبين ما لزيارة داعي الله من أجر كريم. يقول ربنا عن لسان كل مؤمن: {رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْعَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ}، (سورة آل عمران: 193).

وهكذا فإننا نقول في مسيرتنا الحاشدة نحو مرقد السبط الشهيد، عليه السلام: لبيك داعي الله. و»يا ليتنا كنا معك فنفوز معك فوزاً عظيماً»، ونرجو بهذه الأمنية الشيّقة أن نحظى بأجر المشاركة مع أصحاب سيد الشهداء، وبالتدبر في الآية التي سبقت فنحن نرجو بهذه الزيارة ثلاث غايات مصيرية:

الأولى: غفران الذنوب

إننا نعلم يقيناً أن وزر الذنوب قد أثقل ظهورنا، ويكاد يُفسد ضمائرنا، ويذهب بإيماننا، وهكذا جئنا لنولد من جديد ولكي نطهّر صفحات أعمالنا، ولكن؛ إنما يغفر لنا ربنا عبر التوسل إليه بوجه نبيه والأئمة المعصومين من ذرية نبيه، عليه وعليهم صلوات الله، ألم يقل ربنا سبحانه: {وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحيما}، .(سورة النساء: 64) إننا نقول: يا ربنا! يا سيدنا! يا إلهنا! إن رسولك الكريم، عليه أفضل صلواتك، قال لنا: «حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْنا»، وها نحن نحضر عنده، أليس الحسين بضعة من رسولك، جئنا هنا لكي يستغفر لنا الإمام الحسين وجده المصطفى، عليهما صلواتك وتحياتك، ألم يقل لنا رسولك العظيم محمد، صلى الله عليه وآله عنه: «َإنه مِصْبَاحُ هُدًى وَسَفِينَةُ نَجَاةٍ»، جئنا يا رب عند مصباح الهدى لتهدينا، جئنا آملين أن نركب سفينته لكي تنجينا من عذابٍ أليم.

أيها الزائر الكريم: تعال نجعل من كل خطوة نخطوها نحو مرقد سيد الشهداء، عليه السلام، وسيلة نقترب بقدرها من الجنة ونبتعد عن النار، تعال نغسل هنا قلوبنا لكي نعود طاهرين من كل دنس، إننا نقرأ في زيارته:

 «أَشْهَدُ أَنَّكَ طُهْرٌ طَاهِرٌ مُطَهَّرٌ مِنْ طُهْرٍ طَاهِرٍ مُطَهَّرٍ طَهُرْتَ وَطَهُرَتْ أَرْضٌ أَنْتَ بِهَا وَطَهُرَ حَرَمُكَ».

 فمن هذا الطُهر نستفيد طهراً ثم نزداد عزماً على التخلص من وزر الخطايا وآثار الفواحش، ونصوغ شخصياتنا على هدى مصباح الحسين ونركب معاً في سفينة النجاة مع سيد شباب أهل الجنة.

أيها الزائر الكريم :إن عزم إرادتك بترك ذنوبك هي الغاية السامية التي تحدد بإذن الله مصيرك اللاحب وإلى الأبد وتجعلك إن شاء الله مع النبيين والصديقين وحسن أولئك رفيقا.

الثانية: تكفير السيئات

إننا نرجو من الله سبحانه أن يستر علينا عيوبنا فلا أحد منا مهذب من كل نقص ولكن الله سبحانه ستار العيوب، ودعاؤنا إليه ألا يفضحنا، لا في الدنيا ولا في الآخرة على رؤوس الأشهاد.

الثالثة: حسن العاقبة

إننا حين نقول مع سائر المؤمنين: «يا رب توفنا مع الأبرار»، فإننا نطلب منه حسن العاقبة، ونستجير إليه من سوئها. إن هذه الغاية المثلى تجعلنا نستفيد من هذه اللحظات العرفانية المشرقة ونحن في رحاب السبط الشهيد أن نجاهد أنفسنا لتصاغ شخصياتنا من جديد، لنعود فعلاً حسينيين قلباً وقالباً ظاهراً وباطناً، منذ الآن وإلى يوم نحشر مع سيد الشهداء، عليه السلام.

إنك أيها الزائر الكريم! خلقك الله في أحسن تقويم ولكن الظروف المعاكسة ربما جعلت الواحد منا يُرد إلى أسفل السافلين. وها نحن نأتي إلى كربلاء ونستشفع بالحسين الوجيه، عليه السلام، إلى ربنا ليجعلنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، نعود كما خلقنا الرب في أحسن تقويم؛ إنها فرصة ذهبية لكي نتعالى إلى حيث عباد الله الصالحين، والسبيل إلى ذلك أن نستنير بنهج أبي عبد الله، عليه السلام، المستقيم، أن نستمع إلى خطبه الحكيمة في أرض الشهادة، أرض عبودية الرب؛ أي كربلاء المطهرة. هناك كان خطّ السبط الشهيد، خارطة طريق لنا إلى الجنة، كما أن زياراته المأثورة وزيارات أخيه قمر بني هاشم أبي الفضل العباس، عليه السلام، كلها ترسم أمامنا خارطة واضحة لطريق التوبة وللتسامي إلى الفضيلة.

أيها الزائر الكريم! اسع سعيك لكي يكون سيد الشهداء رفيق دربك في الدنيا وشفيع ذنوبك في الآخرة وتكون معه عند لقاء ربك ونبيك، كذلك ستكون سعيداً وافر الحظ من خير الدنيا والآخرة ذلك عندما تتواصل مع السبط الشهيد متألقاً بنور الولاية مزداناً بصبغة العبودية لله - تعالى-.

 

 كيف نلحق بمسيرة الامام الحسين، عليه السلام، الإصلاحية

منذ فجر نهضته العظيمة وعند خروجه من مكة المكرمة أعلنها السبط الشهيد كلمةً تدوي عبر التاريخ:

«إني لم أخرج أشراً، ولا بطراً ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، وهو خير الحاكمين».

ومنذ ذلك اليوم انطلقت في الدنيا مسيرة إصلاحية رفرفت عليها راية أبي عبد الله، فهذه المسيرة المليونية وتلك أيام عاشوراء وهذه حشود المجاهدين، وتلك المقاومة الصلبة لكل طاغوت وكل ظالم، كلها قبسات من نور تلك الكلمة الصاعقة: «وإنما خرجت لطلب الإصلاح». بلى؛ إنها حقاً كما رافد عظيم يتدفق في كل ناحية فيبارك به الرب عباده باسم الإمام الحسين، عليه السلام، وأنا وأنت وعشرات الملايين ندخل ذلك البحر الموّاج لنتطهر من دنس الشرك والشك ورجس الفواحش ونطهر الأرض من حولنا من كل باطل.

ويستمر هذا التدفق الهائل حتى يرفع ابن الإمام الحسين المدّخر عند الله لإنقاذ الأرض ولأخذ ثأر جده الحسين حينما يظهر بإذن ربه ويقول: «ألا يا أهل العالم إن جدّي الحسين قتلوه عطشا ألا يا أهل العالم إنّ جدّي الحسين، عليه السّلام، طرحوه عريانا، ألا يا أهل العالم إنّ جدّي الحسين، عليه السّلام، سحقوه عدوانا». يومئذ تتساقط حجب النفاق وتندك حواجز الشقاق وينتصر العدل على كل ظلم وتعود شرائع الله سبحانه لتنشر في ربوع الأرض راية الكرامة والعزة والعيش الرغيد.

وللإمام صاحب الزمان الحجة بن الحسن المهدي - عجل الله فرجه الشريف -، أنصاره ولعل زائري جده، عليه السلام، هم بعض أولئك الأنصار؛ وهكذا.. فإنك - أيها الزائر الكريم - تستطيع الآن أن تسجل اسمك في قائمة أنصاره فتكون من المنتظرين حقاً له. ولا شك أن مسيرة الإصلاح الحسينية التي أنت اليوم في خطها الظاهر إنها من علامات انتظارك للفرج.

 

 العراق ومسيرة الإصلاح الحسينية

ونحن في العراق ومنذ التغيير قبل أكثر من عقد وحتى قبل ذلك نشهد تحولاً إيجابياً في هذه المسيرة وعلينا اليوم أن نكمل مساعينا حتى يسود بلادنا الخير والرحمة والبركة.

أولاً: علينا أن نسعى جميعاً لإصلاح أنفسنا والتسامي بإيماننا وأخلاقنا وسلوكنا إلى حيث يرضي الرب وقد قال سيد الشهداء عليه السلام: «رضا اللّه رضانا أهل البيت‏».

ثانياً: علينا أن نتخلص من الوزر الكبير الذي خلفه نظام الدكتاتور المقبور ونسعى من أجل إصلاح الأنظمة المرعية التي هي قائمة على أساس النظام الشمولي والتي تخالف الدستور والتي تخالف ثوابت الشريعة السمحاء والتي تتعارض مع مصالح المواطنين. إن كل قانون فاسد إصر وغل ويؤدي إلى فساد عريض وقد يسخط الرب فينزل عليناً عذاباً أليما وعلينا جميعاً السعي من أجل تغييره بما هو أصلح وأنفع. ولا شك أن الكثير من الفساد الإداري ومن التخلف الحضاري ومن الكوارث التي تصيبنا ناشئة تلك القوانين الفاسدة التي لا زلنا نجري عليها خلافاً لأحكام الرب ومصالح عباد الله.

ثالثاً: إن علينا أن نراقب سلوك المسؤولين ونسعى لإصلاحهم وتسديدهم ومن ثم نقوم بتأييد الصالحين منهم حتى تسود العدالة ويرتفع الحيف ويختفي الفقر والجهل بإذن الله - تعالى-.

رابعاً: على كل واحد منا أن يكون داعية إلى الحق وآمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر حتى يسود الصلاح في كل أبعاد حياتنا، هنالك نكون بإذن الله - تعالى- من أنصار الحجة ومن السائرين في درب سيد الشهداء، عليه السلام.


ارسل لصديق