علماء الدين ومسؤولية البناء الاجتماعي
كتبه: عبد اللطيف جمعة
حرر في: 2012/10/28
القراءات: 1017

حينما يحدثنا القرآن الكريم عن المثل العليا للبشرية، وعن النماذج الاكثر سمواً في العالم وهم الانبياء عليهم السلام، و أوصياؤهم، فانها تبين لنا قصصهم اعتباراً من نشأتهم وبداية منبتهم، فعندما يريد الله تعالى ان يبعث رسولاً للناس، فلابد لهذا الرسول من ان يكون طاهراً ومعصوماً، ذلك أنه سيصبح فيما بعد قدوة للبشرية جمعاء.

وعندما يحدثنا القرآن عن النبي عيسى بن مريم عليه السلام فانه يعود الى تاريخ بعيد، فيقصّ لنا كيف أن إمرأة عمران نذرت مريم لله، وكيف تمّت تربيتها وتنمية الخصال الحميدة فيها، ثمّ كيف حملت مريم عليها السلام، بعيسى الذي اصبح فيما بعد نبياً من انبياء الله، و روحاً من عنده وكلمة منه.

وهكذا كان يحيى عليه السلام. ويذكر لنا القرآن الكريم، الكيفية التي رزق بها زكريا، بيحيى عليهما السلام، بعد أن بلغ من العمر عتيّا، وكانت امرأته عاقراً، فجعل تعالى، يحيى سيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين، في معجزة فذّة.

 

صلة الوصل بين الارض والسماء

ان عملية اختيار الانبياء، والناطقين باسم رسالات الله، والذين يصبحون مثلاً عليّا للبشرية، وقدوات عظمية لبني آدم، لا تتم عبثاً، إنما وفق قيم محددة ودقيقة تبدأ منذ الولادة، ذلك لانّهم يجب ان يتحدثوا عن الله، وينطقوا باسم رسالاته، ويكونوا شفعاء ووسطاء للانسان، ويمثلوا السبل والوسائل التي تربط بين العبد و ربه، فالانبياء لا يمكنهم ان يصلوا الى هذا المستوى الا بعد ان يُختبروا بالمشاكل والمحن، ويمحصوا بالابتلاءات، كما يشير الى ذلك تعالى في قوله: "وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا" (البقرة/ 124).

هذا الاختيار الالهي يدعونا الى التأمل قليلا في أولئك الذين يريدون ان يجلسوا مجلس الرسول الاكرم، صلى الله عليه وآله، ويكونوا خلفاءه، ويتحملوا مسؤولية قيادة الناس الى رضوان الله والجنة، فهذا الاختيار يدعونا للتساؤل: كيف ينبغي ان يكون علماء الدين الذين يريدون شغل هذا المنصب العظيم والخطير؟

أولاً، وقبل كلّ شيء، لا يجدر بعلماء الدين ان يكونوا مثل سائر شرائح المجتمع، ذلك أن أفراد المجتمع، كالمهندس او الطبيب او الموظف او العسكري، وغيرهم، إنما ملتزمون بأمور محددة في علاقاتهم مع الناس، فالطبيب - مثلاً- لا يعنيه سلوك المريض واخلاقه، بل يهتم في تقديم العلاج له، كذلك الحال بالنسبة لسائر المهن والاختصاصات، ولذا لا يكون الطبيب وغيره، قدوة لأفراد المجتمع، بخلاف علماء الدين، الذين يقدمون صورة – من المفترض طبعاً- متكاملة للإنسان المستقيم والناجح والصالح، وبشكل عام، تجتمع فيه معظم القيم الايجابية.

لذا تعد طهارة المنبت والجذور، من أهم الامور التي تجب معرفتها عن العلماء، لأنهم وسيلتنا للوصول الى الله تعالى، وطريقنا اليه، فلا يحقّ لنا اختيار الطريق الملتوي، الذي ربما يمثله بعض الذين يقدمون رؤية خاصة للدين والأخلاق والسلوك العام، فهذا ما يدفع المجتمع نحو حافة السقوط والانهيار.

 وفي التاريخ هناك العديد من علماء الدين، قادوا مجتمعاتهم الى النار باسم الدين، والقرآن الكريم، يتحدث عن هؤلاء بلهجة عنيفة، مثل قوله تعالى: "مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ " (الجمعة/5)، وفي آية اخرى يقول تعالى: "فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ" (الأعراف/176).

وهكذا يتأكد لنا عظمة منزلة العلماء عند الله، والامام الصادق عليه السلام يؤكد هذه الحقيقة بقوله: "من تعلم لله عز وجل، وعمل لله، وعلم لله، دُعي في ملكوت السماوات عظيما". والعظمة عند الله يختلف مقياسها عن مقياس البشر، فالملائكة تتبرك بطالب العلم كما وتستغفر له حيتان البحر والملائكة والاشجار والاحجار.. فالجميع يستغفر له، ولكن بقدر ما يكون طالب العلم مرتفعاً سامياً وعظيماً، فان انزلاقه سيكون عظيما ايضا، فمثله كمثل من يكون على قمة جبل، فكلما كانت القمة أعلى، كانت الهوة التي ينزلق اليها أخطر و أعمق، ولذلك يجب على هذا الانسان ان يكون يقظاً حذراً، لان في سقوطه وانحداره سقوطا للمجتمع والامة على حد سواء.

 

الحوزات.. الهدفية وخدمة المجتمع

السؤال هنا، كيف يتم تجنب هذه العاقبة لعلماء الدين؟ الجواب يكمن في الحوزات العلمية التي تخرج اولئك العلماء خلال سنوات عديدة من الدراسة والعطاء، وتضيء الطريق لوصول العلماء الى الغاية المرجوة، وذلك بخطوتين من جملة خطوات:

1ـ الهدفية:

ان تكون هذه الحوزات قائمة على اساس الهدفية وتزكية النفس، فاذا كان هدف الانسان اكتساب الشهرة او المال، او ليماري بعلمه الآخرين، وليكسب القدرة على الجدال، فان هذه الاهداف جميعا تقود الى مصير واحد، هو نار جهنم.

فالهدفية تحدد الوسيلة المناسبة للانسان، ولكل هدف وسيلته التي تؤدي اليه، فالانسان الذي يستهدف خدمة دينه ووطنه وامته عندما تسنح له فرصة الخدمة، سيندفع اليها بكل حزم وسرعة، اما الذي يتكئ ويتقاعس، فهو في الواقع لا يهدف خدمة الدين وحمل الرسالة، لانه سيتعلل بحاجته الى المزيد من العلم والمعرفة في الوقت الذي يكون فيه المجتمع بأمس الحاجة اليه، لوجود نزف ثقافي وفكري في الامة يتطلب ايصال الفكر النقي اليها.

ومتى ما تحدد الهدف تحددت قوة الاندفاع اليه ايضا، فدخول الفرد الى الحوزة دون هدف معين لن يكوّن لديه اندفاعاً قوياً الى العمل والنشاط والتحصيل الجاد، اما الذي يعلم بان هدفه الذي حدده سيتحقق بعد الانتهاء من مرحلة معينة من الدراسة، فانه سيعمل بجد لإتمام هذه المرحلة وطيها في اقصر وقت ممكن، حيث تتقد حينئذ شعلة الهدف في قلبه، ويتوهج لهب الواجب في داخله مما يدفعه الى مزيد من الجهد، فيوصل الليل بالنهار من اجل اتمام تلك المرحلة، ذلك لان الهدف سينتظره بعد ان وجد قوة الاندفاع في ذاته.  وباعتبار ان الحوزات العلمية هي المهد الذي يتربى فيه العلماء الاجلاء فعلى هذه الحوزات ان تبحث عن اناس هادفين منذ البدء.

2ـ معرفة حاجة الناس من العلم

قد يحتاج الناس الى بعض العلوم بصورة خاصة دون غيرها، وعندئذ لا يجوز لنا بعد اخذ الناحية العقلية بنظر الاعتبار، البحث عن نواح اخرى من العلم ونترك حاجة الناس دون تلبية. ففي الاسلام اصول وفروع، ولا ريب ان الاصول هي اهم من الفروع، والمقصود باصول الدين مجمل العقائد والقيم ومجمل البصائر والرؤى التي نستوحيها من القرآن الكريم تجاه الحياة، سواء في السياسة، او الاجتماع، او الحياة الشخصية والعامة، او في العلم ومناهجه، اما فروع الدين، فتبدأ من الصلاة الى الديات، ومما يؤسف له ان علم اصول الدين او ما يسمى بالثقافة الدينية العامة، قد اصبح في المؤخرة، وذلك لعدة اسباب تأريخية منها ان الحوزات العلمية كانت قائمة في السابق في مجتمعات دينية ملتزمة مليئة بالرؤى الاسلامية الصحيحة، فقد كان الطلاب يدرسون القرآن قبل دخولهم هذه الحوزات، ذلك لأنهم كانوا ينتمون الى بيئة دينية بحتة.

اما الطالب اليوم فهو ينمو ومنذ طفولته في اجواء بعيدة كل البعد عن الثقافة الدينية والرؤية الاسلامية سواء في الشارع، ام المدرسة، ام البيت، وحتى في وسائل الاعلام من اذاعة وتلفزيون، وبالتالي فان من الواجب المحتم علينا ان نغير كثيرا من مناهج الدراسة في الحوزات العلمية لبناء الكوادر القادرة على تغيير المجتمع وتربيته. ان المجتمع بحاجة اليوم الى من يدرك اوضاعه، ويحل مشاكله، ويتفهم ازماته، فهو يحتاج الى من يعرّي الظلم ويصرخ مندداً بالمفاهيم والظواهر الفاسدة ليحمي المجتمع من تأثيراتها.

والثقافة التي تحملها الشعوب الاسلامية اليوم وبدون استثناء هي ثقافة مستوردة ومنحرفة وهذه هي مشكلتنا الاساسية، ذلك لان مثل هذه الثقافة تعمل على تقويض اصل الدين وان كانت تحافظ على بعض أطره وقشوره، ومثال على ذلك الاتجاه الصوفي الذي بدأ يغزو البلاد الاسلامية بعمق، وهو احدى الهدايا المسمومة التي حملتها الايادي الاستعمارية الى البلدان الاسلامية وشعوبها. ومن هنا تتضح لنا قضية في غاية الاهمية تتمثل في ان الحوزات العلمية لكي تكون قادرة على تحدي هذه الثقافات الدخيلة يجب عليها ان تهتم اهتماماً مبدئياً بالقرآن الكريم، ذلك لان الاهتمام به يعني الاهتمام بالقيم الالهية، والحدود الشرعية، والثقافة الحقيقية التي ينبغي للامة ان تتسلح بها. ان وضع القرآن على رأس قائمة الاوليات في البرامج الحوزوية بما يشتمل برنامج دراسته من حفظ وقراءة وتفسير وتدبر، سيجعل من القرآن سداً يقف في وجه الخناسين والشياطين والثقافات الجاهلية وسائر الضلالات الاخرى.

وعلى هذا فان من اهم الامور التي يجب ان تؤخذ بنظر الاعتبار في الحوزات العلمية، وضوح الاهداف على ان يكون العمل ضد الثقافات الجاهلية احد هذه الاهداف الرئيسية التي تتم بعد الاستيعاب الكامل والسليم للرسالات الالهية.


ارسل لصديق